عبد الحميد أحمد شومان (1890-1974) اقتصادي فلسطيني بارز، وُلِد في قرية بيت حنينا قضاء القدس عام 1890، وأسس البنك العربي الذي تولّى إدارته حتى وفاته. نشط في القضايا الوطنية، وخصوصًا خلال أحداث ثورة 1936، واعتقل أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي. توفي في براغ، ودُفِن في القدس.
نشأته
وُلد عبد الحميد أحمد موسى شومان في قرية بيت حنينا، قضاء القدس، عام 1890، ونشأ في بيئة قروية في عائلة بسيطة ومتواضعة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. التحق بكتّاب القرية، لكنه لم يلتزم بالدراسة فيه[1]، فتركه وعمل مع أخيه موسى في مقالع الحجر وورش البناء، ونَقْل الحجارة على الجمال من قريته إلى القدس؛ وهو ما حسَّن أوضاعه المادية، وأتاح له مستوًى من الاستقرار[2].
تزوج عبد الحميد، وأنجب ابنه عبد المجيد شومان (1912-2005)، غير أن زوجته توفيت بعد سنة ونصف من ولادته، وذلك أثناء هجرته الأولى إلى الولايات المتحدة الأميركية، ثم تزوّج من سنية عبد الباقي، ابنة أحمد حلمي عبد الباقي (1882-1963)، وأنجب منها خالد ونجوى.
الهجرة وتأسيس البنك العربي
غادر عبد الحميد شومان ميناء يافا مهاجرًا إلى الولايات المتحدة الأميركية، فوصل إلى مدينة نيويورك في آب/ أغسطس 1911؛ سعيًا لتعزيز دخله ومراكمة الثروة. ثم انتقل إلى مدينة بيتسبورغ في ولاية بنسلڤانيا، حيث عمل تاجرًا متجولًا؛ بتوجيه من التاجر الفلسطيني حنّا حشمة، متنقلًا بين مدن أميركية مختلفة[3]، قبل أن يؤسس متجرًا لتجارة الأقمشة، أعقبه بإنشاء مصنع للملبوسات[4].
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، واجه المهاجرون العرب في الولايات المتحدة صعوبة في تحويل الأموال إلى عائلاتهم في أوطانهم؛ فدعَا شومان عددًا من أصحاب رؤوس الأموال العربية إلى تأسيس مصرف عربي، غير أن محاولته لم تُكَلّل بالنجاح[5].
وعقب ذلك، توجَّه شومان إلى مصر للقاء الاقتصادي طلعت باشا حرب (1867-1941)، مؤسس بنك مصر ورئيس مجلس إدارته، واقترح عليه المساهمة في تأسيس مصرف (بنك) فلسطيني-مصري، غير أن تطورات الأوضاع السياسية في فلسطين واندلاع ثورة البراق في آب/ أغسطس 1929 حالتا دون ذلك[6].
عاد شومان إلى فلسطين مجددًا حاملًا فكرة تأسيس البنك العربي، وشارك أحمد حلمي عبد الباقي في تسجيله رسميًّا في القدس في أيار/ مايو 1930، وافتتح البنك أعماله في 14 تموز/ يوليو 1930[7]، برئاسة شومان الذي ترأس مجلس إدارته عدة سنوات. وبدأ البنك بالتوسع في داخل فلسطين؛ إذ افتتح فروعًا في حيفا ويافا ونابلس، ثم توسَّع نشاطه عربيًّا خلال الحرب العالمية الثانية بافتتاح فروع في عمّان وبيروت ودمشق والقاهرة. واستمر البنك في التوسع على الصعيد الدولي حتى بلغت لحظة وفاة شومان خمسة وأربعين فرعًا في ثلاث قارات، كان آخرها فرع جنيڤ الذي كان من المقرر افتتاح مبناه الجديد في جولته الأخيرة[8].
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
مقر البنك العربي في العاصمة الأردنية عمّان
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
نشاطه السياسي
شارك شومان في النشاط العربي العام في الولايات المتحدة الأميركية[9]. وبعد عودته إلى فلسطين، ساهم في أنشطة الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار البريطاني، وتولّى أمانة صندوق اللجنة المركزية لإعانة المنكوبين في فلسطين، التي أنشأها
المجلس الإسلامي الأعلى إثر ثورة البراق. وقد كان شومان، على حدِّ تعبير محمد عزة دروزة (1888-1984)، من "أقوى المؤازرين لحزب الاستقلال وأشدهم تعاونًا معهم ووفدًا لهم"[10].
وقبل اندلاع الثورة الكبرى، ساهم شومان ماديًّا في دعم النشاط الثوري؛ إذ موَّل استقدام الخبير السوري في تصنيع القنابل عبد الهادي ظبيان إلى نابلس[11]، وكان من أوائل المستجيبين لدعوة المدينة إلى تشكيل لجان قومية ومواصلة الإضراب العام، فأصدر بيانًا في 20 نيسان/ أبريل 1936 إلى جانب
عوني عبد الهادي (1889-1970) ومحمد عزة دروزة وعجاج نويهض (1897-1982)، يدعو فيه إلى الاستمرار في الإضراب بوصفه سلاحًا لإنقاذ البلاد من مآسيها[12]. كما كان من الموقعين على بيان أهالي القدس في 6 أيار/ مايو 1936، الذي حمل شعار "لا ضرائب بلا تمثيل"[13].
كان شومان عضوًا من أعضاء لجنة القدس القومية، الذين قرروا التوقف عن دفع الضرائب في مؤتمر
اللجان القومية {{اللجان القومية: تشكيلات أهلية تأسست لتنظيم الحراك الموجه للإضراب الكبير، ولإدارة شؤون البلدات والمدن خلاله، وأعيد تشكيلها أثناء حرب 1947.}} المنعقد في 7 أيار/ مايو 1936[14]. ومع تصاعد حِدِّة المواجهات، اعتُقِل في أيلول/ سبتمبر 1936 مع عدد من قادة الحركة الوطنية في
معتقل صرفند. وقد كتب
أكرم زعيتر (1909-1996) عن نشاطه في الاعتقال الأول قائلًا: "وشومان أشبه ما يكون بمدرِّس سويدي صارم أرسَلَتْه العناية الإلهية إلى المعتقل لترويض الأجسام"[15]. أُطلق سراح شومان بعد شهرين، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936[16].
ومع اندلاع الموجة الثانية للثورة، اعتُقِل مجددًا في 20 شباط/ فبراير 1938، وتعرَّض في سجنه للضرب والتعذيب[17]. وخلال
حرب 1948 استُهْدِف منزله في حيِّ الشيخ جرّاح في القدس بالقصف المدفعي، ونُهِب خلال الهدنة الأولى[18].
توفي عبد الحميد شومان في العاصمة التشيكية براغ (Prague)، مساء الإثنين 9 أيلول/ سبتمبر 1974، ونُقل جثمانه عبر المملكة الأردنية الهاشمية، ودُفن في رحاب
المسجد الأقصى الخميس 12 أيلول/ سبتمبر 1974[19].
المراجع
الحوت، بيان نويهض.
وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939: من أوراق أكرم زعيتر. ط2. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1984.
دروزة، محمد عزة.
مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993. 6 مجلدات.
زعيتر، أكرم.
يوميات أكرم زعيتر: الحركة الوطنية الفلسطينية 1935-1939. ط 2. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992.
شومان، عبد الحميد.
العصاميّ: سيرة عبد الحميد شومان. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984.
العودات، يعقوب.
من أعلام الفكر والأدب في فلسطين. القدس: دار الإسراء، 1992.
نويهض، عجاج.
رجال من فلسطين. بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1981.
[1] عبد الحميد شومان، العصاميّ: سيرة عبد الحميد شومان (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984)، ص 21-29.
[2] المرجع نفسه، ص 32.
[3] المرجع نفسه، ص 61.
[4] المرجع نفسه، ص 70-72؛ "عبد الحميد شومان في ذمة الله"،
الشعب، 12/9/1974، ص 1.
[5] شومان، ص 97-99.
[6] المرجع نفسه، ص 111-114؛ "شخصية الأسبوع – الأستاذ عبد الحميد شومان"،
المنتدى، 9/8/1946، ص 5؛ عجاج نويهض،
رجال من فلسطين (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1981)، ص 276-277؛ يعقوب العودات،
من أعلام الفكر والأدب في فلسطين (القدس: دار الإسراء، 1992)، ص 337.
[7] شومان، ص 143-154.
[8] "عبد الحميد شومان في ذمة الله"، الشعب، 12/9/1974، ص 1.
[9] المرجع نفسه.
[10] محمد عزة دروزة،
مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن، مج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص 830.
[11] أكرم زعيتر،
يوميات أكرم زعيتر: الحركة الوطنية الفلسطينية 1935-1939، ط 2 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992)، ص 72.
[12] بيان نويهض الحوت،
وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939: من أوراق أكرم زعيتر، ط2 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1984)، ص 413.
[13] المرجع نفسه، ص 426-427.
[14] المرجع نفسه، ص 429.
[15] زعيتر، ص 172. عن يوميات السجن، يُنظر: محمد عزة دروزة،
مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمن، مج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993)، ص 65.
[16] زعيتر، ص 225.
[17] حول تفاصيل التعذيب من رسالة نقلها صبحي الخضرا من سجن عكا إلى أكرم زعيتر، يُنظر: زعيتر، ص 387-388؛ الحوت، ص 478. يُنظر أيضًا رد السكرتير العام، في: "رسالة من مساعد السكرتير العام إلى المحامي ميشيل ابكاريوس"، 23/6/1938، الحوت، ص 479؛ شومان، ص 209-224.
[18] شومان، ص 356.
[19] "عبد الحميد شومان في ذمة الله"،
الشعب، 12/9/1974، ص 1؛ "المشوار الأخير من براغ إلى القدس"،
عمّان المساء، 16/9/1974، ص 3.