تسجيل الدخول

تاريخ العلوم



الموجز

تاريخ العلوم مبحثٌ أكاديمي يُفعِّل منهجية التاريخ في دراسة تاريخية المعرفة العلمية. ويتمحور موضوعه حول التطور التاريخي للمعارف العلمية وتفاعلها مع البيئة الاجتماعية والثقافية، منذ الزمن القديم حتى اليوم وفي جميع التقاليد الثقافية. ينصب الاهتمام في تاريخ العلوم على العلوم الدقيقة، ويشكِّل المبحث أحد المكونات الرئيسة في مجال بحث واسع ومزدهر يُعرَف بـالدراسات العلمية (Science Studies)، ويُجاور حقولًا أكاديمية أخرى تشترك معه في إنتاج الخطاب النقدي حول العلم، وهي فلسفة العلوم وسوسيولوجيا العلوم.

يُمارَس البحث الأكاديمي في مبحث تاريخ العلوم على الصعيد العالمي منذ نحو قرنين، بدءًا من الأكاديميا الغربية، وصولًا إلى نطاق أوسع منذ النصف الثاني للقرن العشرين، بعد مرحلة النشأة والتأسيس التي أفضت إلى تزويد المبحث بالشروط الأكاديمية والوسائل المؤسسية اللازمة وتحديد إشكالاته الرئيسة. بالنتيجة، نما تاريخ العلوم وارتقى إلى وضعية مبحث أكاديمي مشدود البنيان نظريًا ومؤسسيًا، ومنتشرًا على الصعيد العالمي، وتوفرت له مقومات المبحث الأكاديمي المكتمل وشروط الإمكان التي تدعم مكانته البحثية وتقوي مأسسته، ومنها:

  1. أن يمتلك موضوعًا مستقلًا ومتميزًا، تشيده بحوث المؤرخين حين يستكشفون البعد التاريخي لنتائج العلوم.
  2. أن تربطه علاقة وئام وتعاون مع فلسفة العلوم التي تقتسم معه الشغف بالمعارف العلمية، سعيًا إلى فهم علامات الاختلاف والتكامل في دراسة منظومات المعرفة من جهتي الدراسة التاريخية والنظر الفلسفي.
  3. أن يمتلك منهجية ناجعة ومناسبة لموضوعه ولمهمات، تُزاوج بين التحليل المفهومي للمضمون العلمي ورصد العوامل الخارجية ودورها في النمو العلمي، وصولًا إلى اعتماد محاسن وميزات كلتا المقاربتين لفهم التغير العلمي.
  4. أن يغتني في مرحلة مفصلية من تاريخه بفورة إبستيمولوجية تخصبه مفاهيميًا وتُنضجه بما تزرَع فيه من بذور نظرية خصبة، يُنسب أهمها إلى نظرية التحولات البردايمية المنطوية على ثورات علمية، ليُسفِر ذلك التخصيب النظري عن تحول عميق في الدراسات العلمية أنتج إبستيمولوجيا مُتجذرة في البحث التاريخي، ووفر في الآن نفسه شروط انطلاقة جديدة لسوسيولوجيا العلوم.

على أساس المنجزات المذكورة، التي قوت عود تاريخ العلوم وصلبته، اكتمل البنيان النظري للمبحث بانبثاق دعوة من داخله تسعى إلى تطويره ليصير تاريخًا للمعرفة (History of Knowledge) ينفتح على التعدد الذي وسِم مسيرة العلم في تاريخه. تنطوي هذه الدعوة على إعادة تأسيس نظرية ناتجة من نضج برنامج الإبستيمولوجيا التاريخية، وتُعدّ أهم مظهر من مظاهر التجديد والابتكار في تاريخ العلوم في العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين. وبرز تجديد نظري ومنهجي آخر مَثَّله تيار البنائية الاجتماعية المُعتمِد على الإطار الاجتماعي والثقافي في تفسير أحداث التاريخ العلمي. أحدث هذا التيار هزة قوية في المنهجية والمواضيع، واستخلص نتائج ذات دلالة قوية ومحيرة في بعض الحالات حين تماهت بعض نتائجه مع الدراسات الثقافية، متجاهلًا طبيعة العلم باعتباره نمطًا خاصًا من المعرفة.

على صعيد آخر، التقى البحث في تاريخ العلوم مع ما تشهده العلوم الاجتماعية من حراك نشط يغذيه تيار البحث في الديكولونيالية، وذلك لإعادة الاعتبار لتقاليد العلوم المنتمية إلى التاريخ الثقافي لبلدان الجنوب. انطلق البحث في هذا السبيل باستكشاف موضوع "العلم والإمبراطورية"، المخصص لكيفيات فيضان العلم الغربي على العالَم في سياق استعماري، وتطور إلى مستوى أكثر طموحًا من أجل اقتلاع المركزية الغربية من سرديات التاريخ العلمي، وذلك عبر:

  1. نقد عقيدة العلم الغربي، على اعبار أن إنتاج العِلم – هذه المعرفة المتميزة – شأن إنساني ساهمت فيه كل الثقافات حسب ظروف كل منها وتبعًا لقدراتها المادية.
  2. تأكيد عالمية العلم وكونيته، بالإحالة إلى شمولية المنهج العلمي وعالمية نتائج البحوث العلمية وفهمها وتفسيرها. وتمثل هذه المقولة أداة إجرائية فعالة في دراسة التقاليد العلمية غير الغربية، وبين البحث التاريخي حين ركز جهوده على استكشاف مناحي المعرفة العلمية في أحضان الثقافتين الصينية والعربية. يُحقِّق استحضار منجزات الحضارات الأخرى أعلى درجات كونية العلم، باعتبار هذا الأخير نتاج السعي الجماعي للإنسانية نحو المعرفة، لا تحتكره أمة أو تختصُّ به ثقافة. في السياق ذاته، أبرز البحث التاريخي أهمية التقليد العلمي العربي ودوره الحاسم في إنتاج المعارف العلمية في مختلف فروع العلوم المطروقة في العصرين الوسيط والقديم، من العلوم الرياضية والفيزيائية إلى العلوم الطبية، في أشكالها النظرية والتطبيقية.

يتجذر تاريخ العلوم في ثقافة علمية متشعِّبة تسِم التاريخ الثقافي برمته وتُشكِّل الخلفية المعرفية الغنية للعلوم النظرية والتطبيقية المعاصرة. وعلى أساس هذا الإرث الثقافي والمؤسسي المتشعب، نما المبحث الأكاديمي وتحددت هويته المعرفية ووظيفته الأكاديمية ومنافعه المتنوعة. لتاريخ العلوم فوائد ومنافع عديدة ناتجة من مضمونه المتعدد الأبعاد الذي يلتقي فيه العلم والتاريخ والثقافة، ومنها ما يكتسي أهمية بالغة، أولها فائدة تاريخ العلوم للبحث العلمي ذاته، ودوره الإيجابي في التدريس العلمي، وإسهامه في توعية الجمهور بالمعرفة العلمية وفي إشاعة الثقافة العلمية ونشر الفكر العلمي. على هذا الأساس، يُعدّ تاريخ العلوم رافعة أساسية لنشر الثقافة العلمية في الأوساط التربوية والثقافية وفي وسائل الإعلام، ومن شأن تكثيف حضوره في برامج التدريس في التعليم العالي أن يؤدي دورًا حاسمًا في استحضار البعد التاريخي للمعارف العلمية.

ويزداد الأمر أهمية في الحالة العربية بسبب ضعف حضور المعرفة العلمية في الثقافة العربية المعاصرة. وعلى عكس الوضع الضعيف لتاريخ العلوم في العالم العربي في الزمن الراهن، توافرت في الجامعات العربية حتى ثمانينيات القرن العشرين نخبة أكاديمية أنتجت بحوثا عالية الجودة خلال عدة عقود منذ أعوام 1930، تمحورت مواضيعها حول العناية بتقليد العلم العربي الكلاسيكي.

العلم والتاريخ

يجمع تاريخ العلوم بين العلم وتاريخه، فموضوعه المعرفة العلمية في تحولها عبر الزمن وفي تفاعلها مع البنى الاجتماعية والأطر الثقافية المحيطة. وتربط العلم بالتاريخ أواصر لا تنفصم، تشكلت في علاقتهما الممتدة في الزمن. ومن أجل فهم المهمة الخاصة لتاريخ العلوم ينبغي أولًا رصد معالم هذا الرباط الخاص بين العلم والتاريخ الذي يُحدِّد أيضًا للمبحث منهجيته ووظيفته. فالتاريخ هو الزمن الطويل الممتد الذي يؤطر التجربة الإنسانية، وهو أيضًا الفن المُركِّب للأحداث التي يعيد بناءها انطلاقًا من اهتمامات الحاضر. ألا يُقَال إنه لا شيء يتغير بسرعة تفوق تلك التي يتحوَّل بها الماضي الساكن؟[1] يعيد التاريخ بناء الماضي على أساس الوثائق والمعطيات المتوفرة ويخضعها لتحليل نقدي بهدف إلى تفسير الديناميات المجتمعية الماضية، وفي سياق ذلك التحليل يسعى المؤرخ إلى الإجابة عن أسئلة محدَّدة سلفًا تنبثق من انشغالات حاضره. وهذا ما يتوجب أن تَتنبَّه إليه كل نظرية في كتابة التاريخ لكي تنيط بالبحث التاريخي بناء سردية تراجعية متواترة لأحداث ومعارف الماضي تُوجِّهها وتَحكُمها انشغالات راهنة[2].

أما العلم فهو تلك المعرفة المنظمة القائمة على برهان داخلي وتقبلها الجماعة العلمية حسب هذا المعيار، وحين تنجح في المرور من أطوار المراقبة الداخلية تصير معرفة مشتركة. ساهمت في تشييد هذه المعرفة جميع الثقافات الإنسانية، كلٌّ حسب ظروفها المادية. وتشكل المعرفة العلمية أيضًا السعي الإنساني الأكثر تنظيمًا من أجل فهم العالَم، وهي ذلك القسم من الثقافة المتمتع بأعلى درجات العمومية والقادِر على تجاوز جميع عراقيل الخصوصية والمحلية بسهولة تفوق كل المحاولات الأخرى.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

للعلم تاريخ طويل يُمثل العمق الزمني للثقافات الإنسانية كافة. فمنذ الثورة الصناعية أصبح عاملًا أساسيًا في نهضة الأمم الحديثة، وبات يُعدّ في العقود الأخيرة، رفقة التكنولوجيا، عاملًا رئيسًا في تحديد المصير الإنساني[3]. نما العلم تدريجيًا واشتدّ عوده حتى صار، في حُلَّته الراهنة، العلامة المميزة للعصر ويحتل موقع الصدارة في الحياة المعاصرة. وسواء قوبل بالقبول أو بالرفض، فإن الإحالة إليه بطريقة أو بأخرى، ويستحيل الخروج من الإطار الذي يقيمه حولنا. إننا جميعا ورثة لاختراع العلم الحديث، حسب عبارة الفيلسوفة البلجيكية إيزابيل ستِنجرس (Isabelle Stengers، 1949-)[4]. ولذا عندما يُفكَّر في الماضي يُستحضر التاريخ، وعندما يُفكَر في المستقبل يُلتفَت إلى العلم. ينبني العلم على ماضيه، لكنه أيضًا يتجرد منه بفعل قوة إنجازاته المتتالية، فيبدو كل اكتشاف كبير رديفًا لولادة جديدة. في هذا السياق، ما هو موقع تاريخ العلوم وما هي وظيفته؟ أنتج العلم على مدى ثلاث ألفيات زمنية علماء ينتمون لمختلف التقاليد الثقافية، وسَجلت اكتشافاتهم الكيفيات المتنوعة المعوَّل عليها لفهم الظواهر الطبيعية، عبر تطبيق الرياضيات وإجراء التجارب والاختبارات. تداخلت البحوث العلمية منذ القديم مع مختلف الأنشطة الإنسانية، من إنجاز الحسابات والإحصاءات، ومراقبة السماء لأغراض اجتماعية ودينية، إلى التجريب في المخابِر وفي وُرَش الحرفيين والصناع. وقد أعاد تاريخ العلوم تركيب السرديات الواصفة لهذا التداخل، من الأرصاد الفلكية والقياسات الهندسية في الرياضيات البابلية المحفورة في الحجر إلى تَجارِب جاليليو جاليلي (Galilei، 1564-1642) حول حركة الأجسام والمدونة في مخطوطاته الشخصية التي يقبل عليها المؤرخون بشهية منقطعة النظير.

نشأ تاريخ العلوم في العصر الحديث بأوروبا وأميركا الشمالية من أجل تنظيم العالم الجديد بعدما حددت معالمه الهيمنة الأوروبية، حين اكتسى العلم عباءة مميزة تحدّد هويته بوصفه منتوجًا للإنسان الغربي الأبيض، وبيّن مؤرخ العلوم جيمس سيكورد[5]. وقد اختفت هذه الصورة تمامًا في العقود الأخيرة، وعوضتها صورة أخرى مغايرة ترى العلم ثمرةً للتفاعل الشامل وللنزاع والتبادل على مدى التاريخ الإنساني الطويل. إن الكشوف العلمية بمختلف اللغات، وتفاعل البحث العلمي مع الحاجات الاجتماعية في مختلف الثقافات، ونشوء الجامعات بوصفها مؤسسات رئيسة للتعلم في العصر الوسيط، وإعادة تنظيم المباحث العلمية في العصر الحديث، وانطلاق البحث الجينومي وعلوم الحاسب الآلي واكتشاف الموجات الثقالية في بداية الألفية الثالثة: تنتمي كل هذه الحلقات المحورية وغيرها إلى التغييرات الحاصلة في نظام المعارف وإطاره الاجتماعي والمؤسسي، وتدخل في إطار تعدُّد ثقافي طويل الأمد لا يمكن إنكاره.

على قاعدة التذكير بقوة الروابط الجامعة بين العلم بالتاريخ – التي تشكل الأساس الذي قام عليه تاريخ العلوم – يجدر التنبيه إلى الظروف الاجتماعية والمادية المساعدة في انبثاق التمكين الأكاديمي للمبحث، في ظروف تميزت بتنامي الدور الاستثنائي المنوط بالعلوم والتكنولوجيا في العالم المعاصر. يتصل أول عامل من هذه العوامل بموقع العلم في ظل الحرب الباردة، إذ أطلق اندلاع المواجهة الشاملة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي بعد حروب النصف الأول من القرن العشرين (1914-1945) سياسة المشاريع العلمية الكبرى في مجالات الإنتاج الصناعي المدني والتسلح النووي والتصنيع العسكري واستكشاف الفضاء، فتوسع الدعم الموجه للبحث العلمي، وحصلت تغييرات جذرية في تنظيمه المؤسسي بخلق المؤسسات الوطنية للبحوث العلمية في البلدان الغربية، ومنها المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة، والمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، وجمعية ماكس بلانك للتقدم العلمي بألمانيا.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أفرز هذا الإقبال على المعرفة العلمية وتطبيقاتها اهتمامًا خاصًا بالدراسات النقدية للعلوم وضمنها تاريخ العلوم، الذي اقتحم منذ أربعينيات القرن العشرين برامج التعليم من باب توسيع الاطلاع على خصائص المعرفة العلمية وعلى كيفية تأهيل الأطر البشرية الكفيلة بتشكيل قوة علمية فاعلة. بالنتيجة، تطور تاريخ العلوم ونما بوصفه مبحثًا مستقلًا في المؤسسات الأكاديمية الغربية في إطار تعاظم النزوع نحو فهم العلم ودينامياته في سياق تاريخي، وبادرت الجامعات ومؤسسات البحوث إلى إنشاء برامج لدراسات العلوم والتكنولوجيا بمسميات مختلفة، تلتقي حول الاهتمام بالأبعاد التاريخية والفلسفية للعلوم. وسرعان ما تحولت بعض تلك البرامج إلى أقسام جامعية وبنيات بحث أكاديمي قوية وقائمة الذات، فارتفع عدد الباحثين في الميدان وتنامى عدد المنشورات، وتُبيِّن معطيات النشرة السنوية لـبيبليوغرافيا تاريخ العلوم التي تنشرها مجلة آيزيس (Isis)، التي تُوفِّر دليلًا ممتازًا لرصد مؤشرات النشر في تاريخ العلوم. استكشف القائمون على البيبليوغرافيا بدقة المعلومات الواردة في نحو 600 دورية عبر العالم، وسجلوا في بداية تسعينيات القرن العشرين عددًا إجماليًا سنويًا للإصدارات يتجاوز بقليل 4000 كتاب ومقالة. أما بعد عام 2000، فإن العدد السنوي للمنشورات تراجع قليلًا وبات يتأرجح تحت العتبة الرمزية لـ 3000 منشور[6].

التعريف والوظيفة وظروف النشأة

يبدو جليًا كيف يتجذّر تاريخ العلوم في ثقافة علمية متشعبة تسم التاريخ الثقافي برمته، وتُشكِّل الخلفية المعرفية الغنية للعلوم النظرية والتطبيقية المعاصرة. وعلى أساس هذا الإرث الثقافي والمؤسسي المتشعب، نما المبحث الأكاديمي المكنى "تاريخ العلوم"، وتحددت هويته المعرفية، وتوضح موضوعه ومضمونه البحثي، ورسمت منهجيته ووظيفته الأكاديمية ومنافعه المتنوعة.

التعريف والوظيفة

لتقريب تاريخ العلوم من الأفهام، يجدر رفع الغموض الذي يحيط بتسمية المبحث بدايةً، إذ يتبادر إلى الذهن تساؤل حول هذا الاسم البسيط، ويُظن لأول وهلة أنه يجمع بين بعض العلم وقليل من التاريخ، مثل تلك المقدمات التاريخية التي دأب مؤلفو الكراسات العلمية على افتتاح مصنفاتهم بها لسرد حفنة من الأحداث والأسماء والتواريخ. غير أن تلك المقدمات ليست إلا جزءًا يسيرًا من المهمة الأكاديمية لتاريخ العلوم. لقد بات المجال مبحثًا متطورًا من مباحث الإنسانيات يُعدّ عمره بنحو قرنين من الزمن، ويتوفر على منشورات ودوريات بمختلف اللغات، وتمثله منظمة دولية هي قسم تاريخ العلوم والتكنولوجيا في الاتحاد الدولي لتاريخ وفلسفة العلوم، وجمعيات وطنية عديدة تنتمي إلى هذا الاتحاد.

يُعنى تاريخ العلوم بوصف وتقويم حركية العلم عبر مراحله التاريخية المتعاقبة، للوقوف على عوامل تقدمه أو تعثره. ويتميز عن التاريخ العام بأنه مخصص لحقائق العلم حصريًا، يتناولها المؤرخ بالتحليل والتفسير على ضوء نظرية عامة في النمو العلمي. ولذلك يُقال باستحالة انفصال العلم عن تاريخه، إذ تنبثق المعارف العلمية في إطار عملية ممتدة في الزمان وبالتفاعل مع المحيط الاجتماعي والثقافي. وقد مثل القرن العشرين الحقبة الذهبية لتاريخ العلوم، حين تطور في هيئة تخصص متميز يعبر عن الدور المتنامي للعلوم في الحياة المعاصرة. وفي بداياته، اندرج دارسون كبار في دراسة تاريخ العلوم وأوقفوا عليه حياتهم المهنيّة، واستمر هذا الزخم في الموجة المعاصرة من مؤرخي العلوم الباحثين في مختلف التقاليد الثقافية. وقد شهد المبحث خلال النصف الثاني من القرن العشرين توسعًا كبيرًا شمل مواضيعه البحثية، ومنهجيته، ونتائجه، فتغيرت الكثير من خصائصه الأكاديمية وتراجع تاريخ العلوم التقليدي الذي صور التاريخ العلمي على هيئة شجرة وارِفة من الأفكار العلمية المتجذرة في الثقافة الغربية، إذ تقتصر مهمة مؤرخ العلوم حسب هذه الرؤية على توصيف نمو هذه الشجرة وتشعُّبها. أما اليوم، فقد تفرعت عن التجديد النظري والمنهجي الذي طال مختلف مناحي تاريخ العلوم هيئة أخرى، تُظهِر رُكامًا كبيرًا ومتشابكًا وشديد التعقيد من العلماء والمعارف والمعطيات المادية يغطي كوكب الأرض برمته، ويحيط به عنفوان اجتماعي وثقافي هائل[7].

أما عن المراحل الزمنية والوحدات التي تُنتظَّم وفقها مواضيع البحث في تاريخ العلوم، فإنها تشمل إجمالًا ثلاث فئات: الحِقَب التاريخية، والوحدات الثقافية، والمجالات العلمية. يتبع مؤرخو العلوم التحقيب المتَّبَع في التاريخ العام، فيسترسل لديهم السرد الكرونولوجي قرنًا بعد قرن، مع إيلاء اهتمام خاص للوحدات الثقافية، ويخصصون للمرحلة الحديثة والمعاصرة تفضيلًا واضحًا تكمن أسبابه في مركزية غربية لا تُخفى، وتبررها أيضًا كثافة المنجزات العلمية منذ بداية القرن السابع عشر. هكذا يتبع الاستعراض الكرونولوجي المراحل الكبرى للتحقيب التاريخي، بدءًا من العصر القديم اليوناني والروماني إلى عام 500، والعصور الوسطى بين عامَي 500 و1450 وتضم العالم الإسلامي وأوروبا اللاتينية، باستقلال عن بعضهما وفي تفاعلهما المثمر، ثم عصر النهضة الأوروبية من عام 1450 إلى عام 1600، وصولًا إلى المرحلتين الحديثة والمعاصرة، المتصفتين بتوسع علمي غير مسبوق على جميع الأصعدة، وفيهما شهدت أعداد العاملين في العلوم منذ نصف قرن نُموًا أُسيًا وبات ما يربو على 90 في المئة من كل علماء التاريخ البشري أحياء اليوم، حسب إحصائية شهيرة لمؤرخ العلوم البريطاني ديريك برايس (Derek Price)[8].

بخصوص المجالات العلمية، فإن عبارة "تاريخ العلوم" – مثل صنوتها "تاريخ العلم" – تنطوي على تعميم لا يعكس حقيقة الأبحاث المنجزة، لأن بحوث المؤرخين تجد مواضيعها في تواريخ محددة للتخصصات العلمية من رياضيات وفيزياء وبيولوجيا وغيرها. لذا يَدرُس المؤرخ مرحلة فكرية أو متنًا علميا حسب الدلالات المتحولة للمعارف. ويبرز ذلك في مفهوم "الميكانيكا" الذي دلَّ في العصرين القديم والوسيط على دراسة الآلات ووظائفها – أي علم الحيل العربي– في حين تعني "الميكانيكا" منذ جاليليو علم الحركة بعدما دُمِجت دراسة الآلات في الفيزياء. وعلى العموم، يعتمِد أغلب المؤرخين في بحوثهم منهجية تجمع بين العرض الكرونولوجي ودراسة موضوع محدد في حيز ثقافي معين، مثل "الرياضيات في الأندلس في مرحلة ملوك الطوائف". وتبعًا لذلك، تتوزع مواضيع البحث حسب مركبات علمية: العلوم الصورية (المنطق والرياضيات - خالصة وتطبيقية – والإحصاء والحوسبة والمعلوميات)، والعلوم الفيزيائية، وعلوم الأحياء، وعلوم الأرض، وعلوم الكون. ويشمل البحث دراسة الوحدات الثقافية التي تنطوي على بُعد جغرافي أيضًا، مثل الثقافة الإسلامية ومناطق تأثيرها في الشرق الأوسط وجنوب أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى منذ نحو عام 600 إلى عام 1600؛ والعالم الهندي والشرق الأقصى حتى بداية العصر الحديث، على افتراض أن تطور شبكات التواصل قرب بين التقاليد العلمية في العالم الحديث، ما جعل التقسيمات القائمة على الفروق الثقافية لا تنطبق عمومًا بعد عام 1600.

فوائد ومنافع

تتعدد فوائد تاريخ العلوم وترتبط بمضمونه المتعدد الأبعاد الذي يلتقي فيه العلم والتاريخ والثقافة. وتنحصر هذه الفوائد في ثلاث فوائد رئيسة تكتسي أهمية بالغة: منفعته للبحث العلمي ذاته، ودوره الإيجابي في التدريس العلمي، وإسهامه في توعية الجمهور بالمعرفة العلمية.

يفيد تاريخ العلوم البحث العلمي حين يستجيب لما يطلبه العلماء أنفسهم وهم يبحثون عن أفق فكري وأخلاقي لأبحاثهم ويسألون: أين نحن ذاهبون، ولماذا ندرس المواضيع التي نعكِف عليها؟ لا يلتفت العلماء إلى تاريخ العلوم سعيًا وراء معرفة ماضي العلم، بل يهمهم حاضره، إذ يغلب لدى الباحثين الشباب الشعور بأن بحوثهم تحتاج إلى أفق أوسع وبدائل للعلم المهيمن تجيب عن هواجس مسؤوليتهم الأدبية، فيفيدون من مظاهر التعدد الذي طبع تاريخ العلم، ويستكشفون التحولات الممكنة التي ستطال العلوم في المستقبل[9].

في الإطار نفسه، يساعد تاريخ العلوم العلماء في التفكير حول مسؤوليتهم السياسية والاجتماعية. وتتوافر لدى القليل من العلماء قدرات عاطفية وشعور بالمسؤولية الاجتماعية يُبرِّران نتائج بعض البحوث، ومن النادر أن يسعفهم تكوينهم بمهارات مناسبة للتقرير في اختيارات – قد تكون صعبة أحيانًا – تتصل بعواقب بعض التجارب التي يجرونها. ويكون الأمر حاسمًا حين يتعلق بمواضيع مشبعة بالأيديولوجيا، مثل الدراسات البيولوجية للعرق والنوع الاجتماعي أو البحوث النووية. وقد بينت دراسات سابقة أن العالم يبني موقفه، في الغالب الأعم، انطلاقًا مما يُروج في مجتمعه من دون تفكير نقدي، وبالنتيجة يُنتج في مواضيع شائكة مثل العرق والنوع، موقفًا يطابق انتمائه العرقي وكونه رجلًا أو امرأة، انطلاقًا من وعيه – أو من غياب هذا الوعي – بالمقولات الاجتماعية المحيطة بالموضوع. وبوسع تاريخ العلوم، في الحالتين، أن يؤدي دورًا مفيدًا في توعية العلماء بالرِّهانات المطروحة[10].

أما من جهة دوره الإيجابي في التدريس العلمي، فتكفي الإحالة إلى الدراسة التي أنجزها المؤرخ الراحل أحمد يوسف الحسن (1925-2012) حول إدراج تاريخ العلوم في برامج التعليم العالي في البلدان الإسلامية[11]، إذ أبرز أن تاريخ العلوم يمتلك أرضية خصبة في ثقافة هذه البلدان بفضل التقليد العلمي العربي الكلاسيكي الذي يشهد على جدارة العلم المكتوب بالعربية. وعلى هذا الأساس، يوفر هذا التراث مشروعية ثقافية للتدريس العلمي في البلاد العربية. وقد بينت التجارب الدولية أهمية التقاليد العلمية الوطنية في تدريس العلوم، وكان هذا العنصر من أسباب تأسيس الجمعية الأوروبية لتاريخ العلوم في 2003[12]، لدعم التعاون بين الباحثين الأوروبيين في تاريخ العلوم وتعزيز حضور تاريخ العلوم في تكوين الطلاب العلميين[13].

وعلى العموم، يُشيد خبراء التربية باستحضار تاريخ العلوم في التدريس العلمي، سواء لطلاب العلوم والطب والتكنولوجيا أو لطلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويتوجب تدريس تاريخ العلوم بصفة ممنهجة في تكوين المُدرِّسين، إذ يؤدي الوعي بالتاريخ في الرياضيات والكيمياء والفيزياء في التعليم الثانوي فوائد تربوية جمّة. ومن شأن الرفع من البعد التاريخي والإنساني للعلم إعلاء جاذبيته لدى الطلاب وتقديم صورة واقعية للمنهجية العلمية مغايرة للطريقة التقليدية المجردة في التدريس العلمي. وأخيرًا، يُفيد تاريخ العلوم في الوسط التربوي على صعيد استحضار القيم الإبستيمولوجية، عبر الحدِّ من آثار التفسيرات الدوغمائية للنظريات بتقديمها في صورة أفكار ومعارف تطورت عبر الزمن وتربطها علاقة وطيدة بالسيرورات الاجتماعية والثقافية، ويمثل هذا التوجه تِرياقًا حقيقيًا ضد اليقينية المفرطة[14].

وتكمن فائدة أخرى لتاريخ العلوم – وفلسفة العلوم أيضًا – في إشاعة الثقافة العلمية ونشر الفكر العلمي وتوعية الجمهور بهما. وعلى هذا الأساس، يُعدّ تاريخ العلوم أحد المداخل لنشر ثقافة العلم في المجتمع. ويزداد الأمر أهمية في الحالة العربية بسبب عزوف الثقافة العربية المعاصرة عن العلم. فالواقع أن ثقافة العرب الحالية –رغم حيويتها التي لا تُنازَع – تفتقر إلى أحد مكونات المعاصرة الحقة التي يمثلها الاهتمام بالعلم بأبعاده المختلفة[15]. ويُعدّ نشر الثقافة العلمية بمختلف أشكالها شرطًا من شروط استنبات البحث العلمي في المجتمع تهيئة الظروف لتوطينه، وأثبتت تجارب البلدان التي حققت تقدمًا علميًا ملموسًا. ومن خلال الثقافة العلمية يتفاعل المجتمع مع العلم، وتُستَنهض الهمم لدى الطلاب والباحثين الشباب لخوض غمار البحث العلمي، وقد نبَّه أنطوان زحلان (1928-2020) إلى ذلك حين أكَّد بحقٍّ أنه: "لا مُستقبَل من دونِ علمٍ"[16].

تاريخ التأريخ للعلم

تاريخ العلوم اهتمام بحثي قديم، لكنه مبحث أكاديمي حديث العهد. فمنذ أرسطو وحتى القرن التاسع عشر، استخدم المصنفون تاريخ حقلهم المعرفي للثناء على مَبحَثهم وتقديمه للمبتدئين وإبداء الرأي في انتاجات السابقين، فدأبوا على إبراز علامات التقدم فيما أُنجِز وبَسط ما يرونه شروطًا للدفع بالبحث قدمًا. نجد هذا الاهتمام بتاريخ المباحث العلمية في مؤلفات مؤرخي الأفكار، من الفضل بن نوبخت[17] إلى ابن خلدون، وفي الكثير من المؤلفات العلمية التي رأت النور في الفترة الحديثة. وقد انتقل هذا الاهتمام الأولي إلى مستوى أعلى في مؤلفات حديثة مثل تاريخ الكهرباء وحالتها الراهنة (1767) للفيزيائي والكيميائي الإنكليزي جوزيف برستلي (Prestley، 1733-1804) والتقرير التاريخي حول تقدم العلوم الطبيعية منذ 1789 (1808) لعالم الطبيعة الفرنسي جورج كوڤيـي (Cuvier، 1769-1832). ولا يتمايز التاريخ عن العلم في هاتين الوثيقتين وفي مصنفات مماثلة، إذ يكون التمحيص الملائم لمعارف الماضي شرطًا لتحديد المستوى الذي بلغته المعرفة، ولتوضيح العوائق التي تعترض البحث. وإلى هذه الفئة من المؤلفات المبكرة في تاريخ العلوم ينتمي كتاب تاريخ الرياضيات (1758) للفرنسي جون إيتيان مونتيكلا (Montucla، 1725-1799)، الذي يُعدّ بحق تاريخًا للعلوم من زاوية الرياضيات.

منذ أواسط القرن التاسع عشر، بالموازاة مع تكون خطاب فلسفي متميز حول العلم حمل مسمى "فلسفة العلوم"، بات التأريخ للعلوم شأنًا متميزًا أيضًا، وبرز في مصنفات ضخمة الحجم حملت أسماء علماء من الدرجة الأولى في ميادينهم، مثل الفيزيائي الإنكليزي ويليام ويويل (Whewell، 1794-1866) والكيميائي الفرنسي مارسولان بِرتيلو (Berthelot، 1827-1907)، والفيزيائين الشهيرين الألماني إرنست ماخ (Mach، 1838-1916) والفرنسي بيير دوهيم (Duhem، 1861-1916). وسعت أبحاث هؤلاء في التاريخ العلمي إلى تنقية العلم الفيزيائي عبر البحث في الأصول البعيدة لفرضيات يحوم حولها الجدال مثل الذَّرِيَّة، أو انبرت لتحليل الأصول التي ترعرع منها مفهوم مثير للشك مثل المكان المطلق. وانطوت هذه المقاربة على موقف وضعي مستتر لم تتنكر له التيارات التجريبية في فلسفة العلوم حين اشتد عودها في أعوام 1920 وباتت مدرسة مذهبية تمحورت حول الدعوة إلى تبني التجريبية المنطقية[18].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يمكن عدّ بداية القرن العشرين مرحلة التأسيس الحقيقية التي اشتد فيها عود تاريخ العلوم في المؤسسة الأكاديمية الغربية، بفضل الجهود التنظيمية التي بذلها بول تانوري (Tannery، 1843-1904) بفرنسا، وكارل سيدهوف (Sudhof، 1853-1938) بألمانيا، في خضم الزخم الذي سبق وصاحب انعقاد المؤتمر الدولي الأول لتاريخ العلوم بباريس في 1929. وقبل هذا التاريخ، تأسست الجمعية الألمانية لتاريخ الطب والعلوم الطبيعية في عام 1901، وأُنشِئت الكراسي الأولى في تاريخ العلوم في الجامعات الأوروبية[19]. وطبع هذه المرحلة الكيميائي والمؤرخ البلجيكي جورج سارتون (1884-1956)، الذي يُعدّ الأب المؤسس لتاريخ العلوم، وشكل كتابه الضخم مدخل إلى تاريخ العلوم[20] إحدى الدراسات التركيبية الأولى في الميدان. وقد أسس سارتون بأوروبا مجلة إيزيس (Isis) لتاريخ العلوم في مارس 1913، وبعد استقراره في الولايات المتحدة ومشاركته في تأسيس جمعية تاريخ العلوم الأميركية في 1924[21] باتت آيزيس (باسمها الإنكليزي) الدورية الرسمية للجمعية، وتُعدّ مجلة تاريخ العلوم الأكثر انتشارًا.

وجهت أبحاث سارتون رؤية لتاريخ العلوم تستمد أصولها من النزعة الوضعية، فاعتبر مسيرة العلم ملحمة بطولية للتقدم الفكري تتيح تقييم الماضي على ضوء الفهم العلمي الحاضر. وسرعان ما ذابت هذه الرؤية الساذجة نسبيًا في الممارسة البحثية لتاريخ العلوم، بفعل تدقيق المنهجية بالموازاة مع تعزيز المأسسة وانتظام المبحث على هيئة أقسام جامعية متخصصة، وصدور مجلات دورية، وانعقاد منتظم للمؤتمرات والملتقيات، واستقرار المعايير البحثية وتقويتها بأدوات متعددة توّجها اكتمال صدور معجم السير العلمية في عام 1980. بات المعجم مرجعًا لا محيد عنه، وشكل اكتماله دليلًا على النضج الذي بلغه تاريخ العلوم، إذ يُقدِّم المعجم سير الباحثين في العلوم الرياضية والفيزيائية والبيولوجية وعلوم الأرض ويُوفِّر معلومات دقيقة حول انجازاتهم، منذ العصر القديم حتى العصر الراهن وفي الثقافات كافة [22].

على صعيد آخر، تعزز التكوين الجامعي المخصص لتاريخ العلوم تدريجيًا وتجسد في أقسام وبرامج مستقلة، واحتضنت مؤسسات التكوين العالي عبر العالم في تسعينيات القرن العشرين ما يفوق 200 برنامج يمنح شهادات جامعية في تاريخ العلوم. وتُنجَز بحوث تاريخ العلوم في إطار أقسام جامعية وتُنشَر في دوريات متخصصة، وتجد مكانها في مساحات أرحب إذ أن الامتدادات الأكاديمية للمبحث عديدة ومتحركة، وتحكمها مميزات وطنية. وحتى سبعينيات القرن العشرين، ارتبط تاريخ العلوم في أوروبا والولايات المتحدة بصورة وثيقة بالعلوم ذاتها، كان هذا الرابط مُتجذِّرًا بعمق في أصل المبحث وتدعمه الأهمية المتواصلة لحضور التاريخ العلمي في تكوين العلماء الشباب. ومنذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين، بات تاريخ العلوم في بريطانيا والولايات المتحدة ودول غربية أخرى أقرب إلى التاريخ وتستوعب أقسامه معظم الخريجين، وتفاعل بطريقة مثمرة مع علمي الاجتماع والأنتروبولوجيا في بعض البرامج الجامعية[23].

وفي أوروبا الغربية عامة، احتضنت أقسام الفلسفة بالجامعة تدريس تاريخ العلوم تحت يافطات مذهبية مختلفة، من الكانطية الجديدة إلى التجريبية المنطقية. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، اندمج تاريخ العلوم في إطار دراسات العلوم والتكنولوجيا في عدد من بلدان القارة. وفي روسيا وأوروبا الشرقية والصين، تركز البحث في تاريخ العلوم بشكل خاص على التاريخ العلمي الوطني. وفي أميركا اللاتينية والهند، نجد حضورًا أكاديميًا لتاريخ العلوم في سياق الدراسات الديكولونيالية وفي البحوث التاريخية والأنتروبولوجية المنصبة على العلوم والطب[24].

مقومات المبحث الأكاديمي

لكي يستقيم وضع تاريخ العلوم في هيئة مبحث أكاديمي مكتمل لا بد أن تتوافر فيه جملة شروط، وهي: أن يملك موضوعًا يَخُصُّه، مستقلًا ومتميزًا؛ وأن تكون له علاقة تعاون وطيدة مع فلسفة العلوم التي تقتسم معه الشغف بالمعارف العلمية؛ وأن يمتلك منهجية ناجعة ومناسبة لموضوعه ولمهماته؛ وأن يكون مرَّ في مرحلة مفصلية من تاريخه بتحول إبستيمولوجي أنضجه وأغناه بما زرع فيه من بذور نظرية خصبة.

موضوع تاريخ العلوم

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

عالج فيلسوف العلوم الفرنسي جورج كانْغِلْيم (Canguilhem، 1904-1995) موضوع تاريخ العلوم في مقالة شهيرة وكان لأطروحته وقع قوي ومؤثر. عدّ كانْغِلْيم موضوع تاريخ العلوم موضوعًا مبنيًا ومختلفًا عن الموضوع العلمي لأنه لا يخلو من تأثير السياق الاجتماعي، في المقابل يُشتَرط في تاريخ العلوم – باعتباره مجالًا للبحث من درجة ثانية – أن يَعُدَّ إنتاج المعرفة العلمية – وهذا موضوع دراسته – مشروطًا بظروف وسياق هذا الإنتاج. بعبارة أخرى، إن موضوع تاريخ العلوم هو تاريخ موضوع تاريخي وله تاريخ، في حين العلم هو علم بموضوع غير تاريخي ولا تاريخ له[25].

يميز كانْغِليم بين موضوع العلم وموضوع تاريخ العلوم، ويرى أن موضوع العلم – بما هو موضوع طبيعي – يسبق العلم في الوجود. وعند تشكل خطاب منظم حول الموضوع الطبيعي يصير هذا الأخير موضوعًا علميًا. وفي مرحلة لاحقة يتكون موضوع تاريخ العلوم، حين يسعى مؤرخ العلوم إلى توحيد الخطابات حول الموضوع الطبيعي الذي صار موضوعًا علميًا. وبما أن موضوع تاريخ العلوم ليس هو موضوع العلم، يكون الموضوع الطبيعي موضوعًا أوليًا، ويُرتَّب الخطاب الذي يُنتجه العلم حوله في منزلة ثانية. وهنا تكمن شروط إمكان تاريخ العلوم باعتباره خطابًا حول تاريخية الخطاب العلمي. لذلك ينشأ موضوع تاريخ العلوم عن قطيعة مزدوجة: قطيعة مع الطبيعة وقطيعة مع الثقافة، لأن تاريخية الخطاب العلمي تخترقها الحوادث وتصدها الأزمات الناتجة من الصراع بين الحقيقة والخطأ، التي تنتج أيضًا من العوائق الإبستيمولوجية، وتكون هذه المسيرة الموسومة بالنزاعات فرصة لإصدار أحكام القيمة وترتيب البيت الداخلي للمعرفة العلمية. لهذا السبب، يندرج تاريخ العلوم في تاريخ إبستيمولوجي يُعيد قراءة ماضي العلم دومًا لإخضاعه لحكم الحاضر العلمي.[26]

في ظل هذه الشروط، اقتضت ولادة تاريخ العلوم في القرن التاسع عشر أن تسبقها سلسلة ثورات في الرياضيات والفيزياء والفلسفة، منها: هندسة ديكارت وحساب اللانهايات الصغرى، وفيزياء نيوتن، ومبادئ ديكارت الفلسفية، وما تلى هذه الأحداث العلمية والفلسفية من نظريات وابتكارات فرضت مجتمعة أن يكون موضوع تاريخ العلوم موضوعًا مبنيًا بصورة جوهرية وغير معطى، وليس تاريخًا طبيعيًا لموضوع ثقافي؛ وأن يكون دومًا مشروعًا في طور الإنجاز ينطوي على عدم اكتمال جوهري، لأن كل خطوة يخطوها العلم قد تستدعي إعادة النظر في قسط وفير من ماضي المعرفة العلمية.

على هذا الأساس، وبما أن لتاريخ العلوم خصوصية تفرزها علاقته بالعلم، ولكون هذا الأخير نشاطًا ذا بعد أخلاقي لأنه "بحث عن الحقيقة"، يكون هذا التاريخ "تاريخًا للعلاقة التَّدريجيَّة التي تُقيمُها الفِطنَة مع الحَقيقة."[27] وهذا سبب الاختلاف التام بين موضوع تاريخ العلوم وموضوع العلم. وفي هذا السياق، يَعُدّ كانْغِلْيم أن العلم يُجمِّد الزمن وكأن الزمن لا يجري عليه؛ غير أن موضوع تاريخ العلوم لا يشترك معه في هذه الخاصية لأنه جزء من تطور تاريخي لم يَتحدَّد لأنه لم يكتمل. على سبيل المثال، تكون مواضيع الجيولوجيا مكتملة وجاهزة للتحليل، لكن قيمة ومعنى تاريخ الجيولوجيا يتحدان بحكم إبستيمولوجي ومعياري، ومن الناحية المبدئية يبقى هذا التاريخ معرضًا دومًا لإعادة تقييم وفقًا لتطور البحث الجيولوجي.

أي منهجية ناجعة لتاريخ العلوم؟

طُرح سؤال المنهجية الناجعة لتاريخ العلوم في أواسط القرن العشرين، وتبلور في ثنائية طرفاها: التحليل المفهومي للمضمون العلمي في مقابل دراسة تأثير العوامل الخارجية. وتترجم هذه الازدواجية ثنائية البحث في العوامل الداخلية واستكشاف الأبعاد الخارجية (Internalism/Externalism). وقد هيمن التأرجح بين اعتماد التحليل الداخلي للنصوص العلمية أو الأخذ بالعوامل الخارجية ذات الطبيعة الاجتماعية والثقافية على المسألة المنهجية خلال فترة مديدة. واعتقد أنصار تحليل المضمون أن تاريخ العلوم يُعنى بنمو العلم وتطوره باعتباره معرفة عقلانية ومنظمة، فهم ينوهون بدور العوامل الاجتماعية والثقافية التي تعيق أو تسرع هذا النمو، لكنها ليست جزءًا جوهريًا من العلم في نظرهم. أما من انتصروا للعوامل الخارجية فقصدوا إلى تفسير التغير العلمي بمعطيات تُستَقى من العلاقات الاجتماعية، ومستوى التكنولوجيا المتوفرة، والبيئة الثقافية. بعبارة أخرى، يميل التيار الأول إلى دراسة فروض العلم ونظرياته، في حين تستكشف المقاربة المقابلة السياق العام الذي نشأت فيه هذه المعارف العلمية، واكتُشِفت، وصِيغت[28].

قدمت بحوث مؤرخ العلوم الفرنسي ألكسندر كويري (Koyré، 1892-1964) مثالًا ساطعًا للتحليل المفاهيمي، ويبرز ذاك في كتابه الشهير دراسات جاليلية(1939)[29]. أولى كويري الأولوية للمضمون الفكري وللافتراضات الميتافيزيقية وللطبيعة العقلانية لعلم جاليليو، وانطلق من فكرة مركزية ترى في العلم نظرية محضة مشيدة على قاعدة فلسفية، وعدّ أن مهمة تاريخ العلوم تكمن في بناء مسيرة تطور النظريات العلمية وإبراز السياقات الدينية والفلسفية. يُشكِّل مثل هذا التاريخ العلمي تاريخًا ممتازًا للأفكار لا يولي اهتمامًا يُذكَر للعوامل الخارجية، وكأن المؤرخ يضع نفسه داخل العمل العلمي لفهمه وتحليله[30].

مالت المدرسة الفرنسية الدارسة للخطابات العلمية بوضوح إلى منهجية التحليل المفاهيمي. وعبَّر كانْغِلْيم عن هذا الموقف من دون تحفظ[31]، واعتمد بدوره موقف كويري ليؤكد استحالة اختزال العلم في البنية الاجتماعية، مؤكدًا أن أَثينا لا تبرر إنجازات أودوكسوس وأفلاطون، ولا مدينة سيراكوزا – موطن أرخميدس – تفسر أعماله من قريب أو من بعيد. وباعتبار أن العلم هو قبل كل شيء نظرية وبحث عن الحقيقة، يكون بوسع المؤرخين فهمه إذا نظروا إلى مسائله الخاصَّة فحسب. ودعا كانْغِلْيم إلى الفصل بين تاريخ العلوم والتاريخ الاجتماعي، وانتقد بقسوة المنهجية المعتمدة على استحضار العوامل الخارجية، معتبرا إياها "ماركسية جدباء."[32]

في الواقع، يمكن اعتبار هذه "المنهجية الأخرى" بأنها سوسيولوجيا استرجاعية لاستعادة الماضي العلمي، تُقبِل عليها مدرسة من الباحثين المعاصرين لأنها تقتضي معرفة القليل من العلم، بسبب ارتفاع نسبة الصعوبة في المنشورات العلمية. ومن الواضح أن ممارسة تاريخ العلوم بالاعتماد على استكشاف العوامل السياقية تستدعي القليل من الدربة العلمية، وهذا ما يفسر جاذبية هذا التوجه. يبقى أنه، حتى لو صح امتلاك العلم الطبيعي لأعلى درجات الاستقلالية عن محيطه، توجد حدود لما يمكن للمؤرخ أن ينير به المسيرة العلمية من دون أن يكون له هو ذاته معرفة كافية بالعلم من الداخل. لكن لا يصح انكار محاسن الاطلاع على الديناميات المصاحبة للإنتاج العلمي، لأنها تكشف عن السيرورة التي يصير المرء في نهايتها عالمًا – وليس في المَقدور معرفة ما هو العلم من دون معرفة ما تعتبره الجماعة العلمية علمًا –، ولأن هذه الديناميات كفيلة بتوضيح ما يدفع العلماء إلى الإقبال على البحث في بعض المواضيع والإعراض عن أخرى[33].

طُرِح سؤال المنهجية الناجعة لتاريخ العلوم في أواسط القرن العشرين، وتبلور في ثنائية طرفاها: التحليل المفهومي للمضمون العلمي في مقابل دراسة تأثير العوامل الخارجية. وتترجم هذه الازدواجية ثنائية البحث في العوامل الداخلية واستكشاف الأبعاد الخارجية (Internalism/Externalism).

يُسجل في هذا المضمار أن الجدال بين الطرفين انحسر مبدئيا وخفَّ الخلاف بين الموقفين المنهجيين المتعارضين في العقود الأخيرة، وتبيّن أن المنهجيتين تتكاملان. لذا ينزع أغلب المؤرخين حاليًا إلى اعتماد مقاربة تركيبية تدمج محاسن وميزات المقاربتين معًا لفهم التغير العلمي في التاريخ.

العلاقة مع فلسفة العلوم

من مواضيع البحث في تاريخ العلوم ما يخص علاقته بفلسفة العلوم. وقد أُثير النقاش في هذا الباب على نطاق واسع في المبحثين معًا، سعيًا إلى فهم علامات الاختلاف والتكامل في دراسة منظومات المعرفة العلمية من جهتي الدراسة التاريخية والنظر الفلسفي. وتبين في نهاية المطاف أن المبحثين يرتبطان بوشائج وأواصر لا تنفصم، بعد مرحلة خصام وتوتر.

عبر كانْغِلْيم عن الترابط بين المبحثين بالعبارة الآتية: دون الاعتماد على نظرية إبستيمولوجية يكون تاريخ العلوم سردًا فارغًا، ومن دون علاقة تكوينية مع تاريخ العلوم لن تكون الإبستيمولوجيا سوى محاولة لإعادة تدوير العلم الذي تدعي الحديث عنه[34]. واستحضر في هذا السياق نموذجين لممارسة تاريخ العلوم: أولهما يتجلى في عدّه مُختبرًا لفلسفة العلوم، وسرعان ما أعرض عنه، لأنه يقوم على المُطابَقة بين علاقة تاريخ العلوم مع العلوم وعلاقة العلوم مع مواضيعها الطبيعية. أما النموذج الثاني فيتخذ تاريخ العلوم محكمة تصدر الأحكام على ماضي المعرفة وعلى معرفة الماضي، ويُسنَد فيها دور القاضي إلى الإبستيمولوجيا التي تعلم من يصدر الأحكام آخر لغة نَطق بها العلم، لكي يمكنه الحكم على معارف الماضي إلى أن تكفَّ هذه اللغة عن كونها مفهومة. في هذا السياق، يتعذر التمييز من دون نظرية إبستيمولوجية بين ضربين من ضروب التأريخ للعلوم: تاريخ المعارف البائدة وتاريخ المعارف المثبتة، المباحث التي انتهت صلاحيتها وتلك التي حافظت على فاعليتها. وثمّة اعتبار مهم في هذا الإطار هو أن أحكام القيمة التي يصدرها المؤرخ على ماضي المعرفة تنطلق من الحاضر الذي يسمح – بفعل ما يحمله من معارف متجددة – بفرز معارف الماضي بما قد يغاير الترتيب والتصنيف الذي كانت تنتظم فيه[35].

مارس كانْغِلْيم – وقبله الفيلسوف غاستون باشلار (Bachelard، 1884-1962) – تاريخًا للعلوم تنظمه الانقطاعات الإبستيمولوجية، وهو تاريخ نقدي يستدعي المفاهيم لكي تبرر نفسها أمام محكمة الإبستيمولوجيا. وهو أيضًا تاريخ غير تجريبي للمفاهيم مخصص لاستكشاف التحولات التي تُهيكِل أو تعيد تركيب حقول المعرفة. وعدّ باشلار أن "التاريخ من حيث المبدأ معاد لكل حكم معياري؛ ومع ذلك لا مناص من أن نتخذ موقفًا معياريًا إذا أردنا الحكم على فعالية فكر ما"[36]. وهذا الحكم المعياري شرط ضروري لإنتاج تاريخ علوم تتوفر له مقومات أكاديمية دقيقة وصارمة. وسار كانْغِلْيم على هذا النهج واعتبر أن مهمة الإبستيمولوجي لا تكمن في تسجيل الأحداث أو النظر إلى المعارف العلمية من موقع الحياد، بل أن يُصدِر اختيارات معيارية ويُشارِك في صياغتها لأن الإبستيمولوجيا هي القادرة على الحكم على المعايير الداخلية للخطابات العلمية. ويرتكز هذا الموقف على اجتهاد باشلاري شهير يُحدِّد وظيفتي فيلسوف العلوم ومؤرخ العلوم: "يجب على مؤرخ العلوم أن يتخذ الأفكار كأنها وقائع؛ وينبغي على الإبستيمولوجي أن يتخذ الوقائع كأنها أفكار، وذلك بإدخالها في منظومة أفكار"[37]. بمعنى آخر يسعى الإبستيمولوجي إلى عقلنة وبناء يرتبان المفاهيم ويضعانها في علاقات لتجاوز العوائق الإبستيمولوجية؛ أما مؤرخ العلوم فيحسب الأفكار العلمية وقائعًا وأحداثًا تجد مكانها المناسب في سردية تاريخية مبنية. إنه في نهاية المطاف توزيع للأدوار يؤدي بالطرفين إلى الالتقاء في إبستيمولوجيا تاريخية يُمارَس في إطارها التأريخ للعلوم على هَدي توجيهات نظرية.

يُطرح موضوع العلاقة بين فلسفة العلوم وتاريخ العلوم في سياق النقاش المهم والغني حول النظريات التاريخانية للعقلانية العلمية، وهو موضوع يهم المبحثين معًا وخاضا غماره كلّ من زاويته. هكذا تبنى إمر لاكاتوش (Lakatos، 1922-1974) موقفًا أقامه على نظريته المعروفة بـبرامج البحث العلمي، وعبّر عنه بعبارة ذات نفحة كانطية جلية: "تكون فلسفة العلوم فارغة بدون تاريخ للعلوم، ويكون تاريخ العلوم أعمى بدون فلسفة للعلوم"[38]. من جهته، سعى فيلسوف العلوم نُروود راسل هانسون (Hanson، 1924-1967) إلى التقريب بين الحقلين لكي يتعاونا من أجل فهم موضوعهما المشترك وهو العلم بتعقيداته المختلفة، مع احتفاظ كل طرف بهويته وتميزه[39].

وعلى المنوال نفسه، دعا فيلسوف العلوم لاري لودان (Laudan، 1941-2022) إلى وضع أسس للتعاون بما يكفل لكل حقل الحفاظ على استقلاليته[40]. يُذكِّر لودان بأن جذور فلسفة العلوم تمتد إلى كتاب البرهان لأرسطو، في حين تاريخ العلوم حديث العهد. حدث اتصال وثيق بين الحقلين نحو 1850 وسرعان ما افترقا بسبب انحياز فلسفة العلوم إلى الوضعية، في حين تاريخ العلوم لم يُعِر التجريبية اهتماما يُذكر. ومنذ نهاية خمسينيات القرن العشرين وصعود فلسفةٍ للعلوم قلبت ظَهر المِجَنِّ للوضعية، عاد الوئام والتلاقي إلى علاقة المبحثين كما جسدهما ظهور تيار ذي حساسية فلسفية وتاريخية في آن لمعالجة مسائل العلم على إثر صدور كتاب بنية الثورات العلمية لفيلسوف العلوم الأميركي طوماس كون (Kuhn، 1922-1996).

التحول الإبستيمولوجي ورهاناته

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

منذ عصر التنوير سيطرت على التاريخ العلمي سرديات التقدّم والموقع المركزي للثورة العلمية الحديثة، وتقاطع مع هذين الموضوعين الرئيسين الاهتمام بالتغير العلمي سعيًا إلى نمذجة التحول الذي يطال مسيرة المعارف العلمية. في هذا الإطار، برز اجتهاد أثر بشدة في مجموع المباحث الدارسة للعلم يعود فيه الفضل إلى طوماس كون، صاحب نظرية التحولات البَرَدايمية المنطوية على ثورات علمية. شغل كون الجماعات الأكاديمية بنظرياته ومفاهيمه وأدى النقاش المترتب عن هاته النظريات والمفاهيم إلى تحول عميق في الدراسات العلمية أنتج إبستيمولوجيا متجذرة في البحث التاريخي، ووفر في الآن نفسه شروطًا نظرية متطورة لانطلاقة جديدة لسوسيولوجيا العلوم.

أصدر كون في أول مسيرته الأكاديمية كتاب الثورة الكوبرنيكية[41] الذي عرض فيه صيغًا أولية لنظرياته اللاحقة. درس في الكتاب الظروف المحيطة بالتحول الذي أحدثه كوبرنيكوس في النظرية الفلكية حين أصدر دوران الأفلاك السماوية (1543) ووثق ظروف التخلي عن الفلك البطليمي، فأوضح أن المنظومة البطليمية كانت تحظى بقبول يفوق كونها نظامًا فلكيًا وحسب، بسبب تداخلها مع اعتقادات فلسفية ودينية أوسع؛ وهذا ما جعل الدعوة إلى نظام فلكي مغاير مسألة صعبة للغاية. ونشر كون في عام 1962 كتاب بنية الثورات العلمية، الذي احتُفِي مؤخرا بذكراه الخمسين[42]. أحدث الكتاب ضجة كبرى في النقاش الفكري حول العلوم تعدت حدود المختصين وبات كون أحد فلاسفة العلوم القلائل الذين تحتفي بهم المنابر الإعلامية، وغزت مفاهيمه وأفكاره مجالات البحث والتأليف في العلوم الاجتماعية والدوائر الثقافية.

يرى كون أن العلم لا يُكتسب بفعل التراكم المنتظم للاكتشافات والنتائج، بل تتعاقب في مسيرته فترات سلمية تفصل بين تحولات فكرية متعاقبة يسميها "ثورات علمية"، وتقلب هذه الأخيرة التقليد العلمي المعتاد بنفس القوة التي يعمل بها العلم العادي على تثبيته. وبعد حصول الثورة يُستبدَل منظور مفهومي للعالم بآخر يحل محله. وإذا غدت هذه الرؤية مقبولة في الأوساط العلمية، فذلك بفضل نظرية كون، بعدما واجهها في ستينيات القرن العشرين استنكار واسع. تكشف الدراسة المتأنية لتاريخ العلوم عن كون النمو في أي حقل علمي يحصل عبر تعاقب سلسلة من الأطوار "العادية" و"الثورية" تكون فيها الجماعات العلمية منغمسة في دورات من الهدوء أو الاضطراب واللايقين. تعني المراحل الثورية – مثلًا الانتقال من الميكانيكا النيوتونية إلى النظرية النسبية أو الفيزياء الكوانطية – حصول اختراقات مفهومية كبرى تؤسس لمرحلة لاحقة من العلم العادي تقتسم أثناءها الجماعة العلمية مرجعية فكرية مشتركة يسميها كون بَرَدايم (Paradigm)، وهو نموذج إرشادي عام يُستخدَم في حل المعضلات التي تواجه العلماء في عملهم اليومي ويستندون إليه لإيجاد الحلول المناسبة للحالات الشاذة الناتجة من الفرق بين ما يتوقعه البردايم وما يكشف عنه البحث التجريبي. وفي أغلب الحالات، تُحَلّ الشوائب والانحرافات عبر تعديل البَرَدايم أو بالعثور على هفوة تجريبية. وعلى مدى دورات عديدة من النمو تتراكم حالات الشذوذ ويشرع بعض العلماء في مساءلة البَردايم برمته. وفي هذه المرحلة يدخل الـمبحث المعني في أزمة. يقول كون: "سواء كان العلماء في مواجهة حالة شذوذ أو في مواجهة أزمة فإنهم يتخذون موقفًا مختلفًا من البردايمات القائمة، وتتغير طبيعة بحثهم طبقًا لذلك. وإن تكاثُر الصياغات المتنافسة، وإرادة تجريب أي شيء، والتعبير العلني عن عدم الرضا، واللجوء إلى الفلسفة والجدل حول المبادئ الأساسية، كل ذلك ليس سوى أعراض انتقال من البحث العادي إلى البحث الخارق"[43]. وفي النهاية تُحلّ الأزمة باستبدال البردايم الذي أبان عن العجز بآخر مختلف، ثم يعود الحقل العلمي إلى وضع العلم العادي مسترشدًا هذه المرة بِبَرَدايم جديد[44].

أثار هذا "السيناريو" نقاشًا واسعًا صاحَبَه بعض اللُّبس وسوء الفهم أحيانًا، وبعض سوء النية أحيانًا أخرى. لم يستوعب فلاسفة ومؤرخي العلوم الذي تَربوا في ظل الرؤية التقليدية للعلم إلحاح كُون على كَونِ أغلب العمل العلمي هو حل لمعضلات (Puzzle-Solving)، وتصوروا أن السعي البشري الأكثر جدية نحو المعرفة استحال إلى ما يشبه أُحجِيات الكلمات المتقاطعة. في الواقع أبانت هذه الانتقادات عن حساسية مُفرطة ومُجانبة للصواب، لأن حل الأحجيّات ليس سهلًا ويقتضي إعمال براعة كبيرة، مثلما هو الحال في هذا المثال المعبر: اكتشاف الجزيئة المسماة بوزون هيغز (Higgs boson) في عام 2012 في تجربة فيزيائية مثيرة في المختبر الأوروبي مصادم الهدرونات الكبير وضع حدًّا لـمُعضلة كبرى في الأنموذج المعياري لــفيزياء الجزيئات وأثبت بما لا يقبل الشك أن حلّ المعضلات يجيب على إشكاليات علمية حقيقية، إذ أن هذه الجُزيئَة – التي تمنح الكتلة للجزيئات الأخرى – توقع العلماء وجودها في سبعينات القرن العشرين، وكان العثور عليها ضروريًا لاستقرار البردايم السائد في فيزياء الجزيئات[45].

أثمر التحول الإبستيمولوجي الذي أطلقه كون حصيلة إيجابية مزدوجة. قارب أولًا بين فلسفة العلوم وتاريخ العلوم وعزز الروابط بينهما، إذ جسدت بحوثه نموذجًا للتوظيف الناجح للمقولات التحليلية في المبحثين معا، واستخدم مفاهيمًا وأدوات تحليلية تنهل من التنظير الإبستيمولوجي لإغناء البحث التاريخي، وبيَّن كيف يمكن توظيف تاريخ العلوم بصفة خلاقة لخدمة نظرية العلم. وثانيًا، شكل اجتهاده الأصيل بداية "التحول السوسيولوجي" في تاريخ العلوم وفلسفتها وأعطى الانطلاقة الفعلية لسوسيولوجيا العلوم بما يتجاوز بكثير اجتماعيات العلوم لدى روبرت ميرتون (Merton، 1910-2003) وأتباعه. في هذا السياق، استفادت الدراسات العلمية من تنظيرات كون الخصبة وانتقل التركيز من النظريات العلمية إلى الممارسات العلمية، بمعنى البحث في كيفية مزاولة البحث العلمي ومحدداته ووسائله؛ وازداد الاهتمام بـالثقافة المادية للعلم[46] وباندماج العلماء في الثقافة التجريبية لعصرهم؛ وقفزت إلى واجهة البحث مهمة وضع تواريخ لمقولات اعتُبِرت ذات معنى ثابت ودلالة عابرة للتاريخ، من قبيل التجربة والحقيقة والموضوعية[47].

تجديد في المنهج والموضوع والرؤية

تُؤشِّر البحوث المعاصرة في تاريخ العلوم إلى تجديد عميق يطال المبحث في منهجيته ومواضيعه وخلاصاته. يجسد هذا التجديد توجهًا إسطوريوغرافيًا ذا أساس سوسيولوجي أحدث تجديدًا عميقًا في المنهجية والمواضيع، واستخلص نتائجًا ذات دلالة قوية ومحيرة في بعض الحالات، حين اخترقت حدود تاريخ العلوم وتماهت مع الدراسات الثقافية، مُتجاهِلة طبيعة العلم باعتباره نمطًا خاصًا من المعرفة. علاوة على ذلك، فإن اجتهادات أخرى دعت إلى توسيع المبحث وتحويل تاريخ العلوم إلى تاريخ للمعرفة.

الانعطاف السوسيولوجي ومآلاته

يُمثل الانعطاف أو التحول السوسيولوجي لحظة فارقة في المسيرة الأكاديمية لتاريخ العلوم، ارتبطت بتبني برنامج أبحاث عُرِف باسم البنائية الاجتماعية (Social Constructivism). تكمن أهم تجليات البرنامج في تفسير أحداث التاريخ العلمي بالاعتماد حصريًا على الإطار الاجتماعي والثقافي. ركز هذا التوجه السوسيولوجي على إنتاج مجموعات متنوعة من الأفراد للعلم، وأوضح أن هذا الإنتاج يجري في سياق سيرورة اجتماعية معقدة ينبغي أخذها بالاعتبار في كتابة التاريخ العلمي. وقد أفضت البحوث التي أجريت في سياق هذا البرنامج البحثي إلى مراجعات جذرية شملت أحيانًا بعض النتائج الأساسية في تاريخ العلوم، وركزت النظر على الممارسة العلمية (Scientific Practice)[48] التي تُعنى بشروط وكيفيات إنتاج المعرفة العلمية، وعلى مواضيع بقيت خارج دائرة التقصي تتصل بانتقال المعارف بين العلماء، ومن العلماء إلى الجمهور، ومن السياق المحلي إلى سياق أوسع. في هذا الإطار، بات التواصل موضوعًا للبحث يشمل طيفًا واسعًا من الأسئلة: كيف ولماذا تنتشر المعارف؟ ما هي الشروط المتحكمة في تحولها من ملكية خاصة إلى رؤية جماعية إلى العالم؟[49] كذلك، فإن البحث والتقصي في مجالات الإنتاج والممارسة أبرزا أهمية الثقافة المادية للعلم التي تضم التجهيزات واللوازم التقنية الضرورية لإنجاز القياسات والتجارب.

شارك الباحثون المنضوون في التحول السوسيولوجي في الرفض الواسع – على أرضية فلسفية بعد حداثية (postmodernist) – للمقولة التي تفترض إمكان الوصول إلى الواقع من دون تَوسُّط، وارتبط هذا الرفض بانتقادهم لقيمة الحقيقة في العلم. انطلقت هذه الاجتهادات من بعض إشارات ميشيل فوكو (Foucault، 1926-1984) حين تحدى المؤرخين أن يُفسِّروا كيف تُجسِّد بنيات المعرفة والخطاب أشكال السلطة باعتبارها جزءًا من مجموع أوسع سماه "الإبستيميات"، وهي أنظمة من الأفكار لا يراها من يعيش في ظلها لكنه يشعر بتأثيرها. غير أن فوكو لم يفسر كيف يحصل الانتقال من نظام إبستيمي إلى آخر، ولم يوفر معطيات عينية من تاريخ الأفكار تدعم فرضيته حول وجود الإبستيميات وتأثيرها[50].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

انبثق التيار العريض للبنائية الاجتماعية في سبعينيات القرن العشرين وكان له تأثير واسع في بريطانيا وشمال أميركا. يمكن إجمال مقدماته النظرية في المزج بين البنائية (لا شيء معطى سلفًا ولا معرفة من دون توسط)، ونزعة سوسيولوجية (المعرفة إنشاء متأثر بعوامل خارجية). بعبارة أخرى، يتوقف نمو وتطور المعرفة العلمية على الظروف المحلية، والمعرفية، والثقافية، والسياسية؛ ولا يؤدي طريق البحث عن المعارف بطريقة أحادية وخطية إلى حقيقة فردية واحدة. على ضوء هذه الأطروحات، بات مؤرخو المعارف العلمية أكثر انتباهًا ومراعاة للممارسة العلمية من أجل تحديد شروطها وسياقها وثقافتها المادية. ورغم أن تاريخ العلوم اهتم دائما بتسجيل التحولات التي تطرأ على منظومات المعارف وحرصوا على استرجاعها وتسجيلها – وهو ما عبر عنه الاجتهاد المؤثر لطوماس كون–، فإن البنائية الاجتماعية وفرت أدوات جديدة لتنفيذ هذه المهمة، خاصة في إطار ما سمي البرنامج القوي (Strong Program) لدراسة سوسيولوجيا الـمعرفة العلمية الذي ارتكز على الإعلان بأنه لا توجد قواعد للعقلانية متحررة من السياق أو تطفو فوق الثقافة. جسد هذا الموقف فريقان بحثيان عُرِفا بـمدرسة إدنبرة ومدرسة باث بالمملكة المتحدة، وتزعمهما على التوالي دايڤيد بلور (Bloor، 1942–) وهاري كولينز (Collins، 1943–). حاز البرنامج القوي لسوسيولوجيا المعرفة العلمية على تأثير قوي في الدراسات العلمية وجدد مقولات التفكير في العلم وإنتاجه، وبين أهمية وجود "جماعة علمية" ملتفة حول الولاء لبردايم مشترك، وعدّ هذا المعطى شرطًا مسبقًا لـلنشاط العلمي العادي[51].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

غيرت هذه المقاربة الرؤية المقبولة في تاريخ العلوم حين وضعت مسلمتين منهجيتين ينبغي الانطلاق منهما: أن المعرفة العلمية تُبنى وتُشيد ولا تُكتشف؛ وأن عملية البناء هذه بالضرورة فعل اجتماعي وجماعي. وقد ترتبت عن هاتين الخلاصتين عواقب بعيدة الأثر في ممارسة البحث في تاريخ العلوم، فإذا كان العثور غير ممكن على معرفة جاهزة بالطبيعة، فلا يصح التوقع بأن العلم يتقدم في اتجاه حقيقة كونية عامة موضوعة قبليًا. من جهة أخرى، لا يمكن تقييم صدق الأقاويل المعلنة في الماضي بوساطة ما يُعتقد حاليًا بأنه صدق وحقيقة، وبناءً عليه، يكون تقرير نجاح أو فشل القول العلمي محايدًا بالنسبة إلى حاضر المعرفة العلمية؛ بالأحرى يتوقف النجاح أو الفشل على عوامل أخرى، اجتماعية أو سياسية أو بلاغية. وبالنتيجة على الدارس أن يعامل الفشل والنجاح بنفس المعيار. وقد تبنى بعض المؤرخين منذ ثمانينيات القرن العشرين هذه المواقف وقادوا بحوثهم على ضوئها، وعدّوا أن الدراسة السوسيولوجية للمعرفة العلمية لا تستقيم من دونها. وجريًا على مقاربتهم هذه، درسوا المناظرات والخصومات العلمية باعتبارها تفاعلًا اجتماعيًا، وليست جدالًا يفوز به أحد الطرفين حسب معيار الصحة والخطأ[52].

حدد دايڤيد بلور أبرز المبادئ التي يجب اعتمادها في الدراسة السوسيولوجية للمعرفة العلمية على النحو الآتي: السببية (Causality)، ومفادها أن يتضمن تفسير أحداث التاريخ العلمي تبرير اجتماعي؛ والحياد (Neutrality, Impartiality)، ويعني أن لا يكون للباحث موقف أو حكم تجاه المعتقدات – الصادق منها والكاذب – وتجاه مقولات الحقيقة والزيف، والعقلانية واللاعقلانية، والنجاح والفشل، إذ أن طرفي كل ثنائية يحتاج إلى تفسير؛ والتناظر (Symmetry) الذي يفيد أن المعتقدات الصادقة والباطلة لها ما يبررها ويتوجب البحث عن أسبابها[53].

في المقابل، رأى آخرون أن هذه المبادئ ليست سوى إعادة توظيف لمقولات أخذت بها العلوم الاجتماعية من دوركايم (Durkheim، 1858-1917) إلى مانهايم (Mannheim، 1893-1947).[54] وعلى صعيد أوسع، أثار تيار البنائية السوسيولوجية الكثير من النقد المنصب على رؤيته لطبيعة المعرفة العلمية وتحديد من ينخرط في صنعها، وواجهته انتقادات جذرية مفادها أن أنصار هذا التوجه يحضر لديهم المجتمع والثقافة والتشابكات المختلفة ويغيب العلم باعتباره معرفة، وينقلب لديهم عمل المؤرخ إلى رديف للتنقيب في التاريخ الثقافي، حتى اتُّهِموا بالمثالية وتَجاهُل طبيعة العلم والتنقيص منها بوصفها معرفة متميزة لا ينبغي النظر إليها بوصفها خطابًا عاديًا، في إطار نزعة نسبوية (Relativism) تستبدل التفسير بالتأويل[55].

أدلت بحوث البنائية بالكثير حول مستقبل تاريخ العلوم وكيفية ممارسته. فمنذ عصر هيرودوت (نحو 484-425 ق. م) إلى بِنائيي ما بعد الحداثة، تغيرت وتطورت إلى حد كبير مناهج البحث وكيفية تدوين التاريخ وتأويل الأحداث، وتبين بوضوح أن التاريخ يتعرض دومًا للمراجعة، على أساس السبل التي تُتبع في صياغة الأسئلة وتحرير الإجابات. وفي هذا الباب، يقدم الكتاب الجماعي قول الحقيقة حول التاريخ (1995) عرضًا شاملًا لمنهجية المؤرخ يمتد من الثورة العلمية حتى نهاية القرن العشرين، من المقاربة التمجيدية التي جعلت من نيوتن بطلًا ثقافيًا لا يُضاهى إلى فكر "أزمة الحداثة" المتمحوِر حول اعتبار الحقيقة والموضوعية قناعان للخداع يختفي وراءهما من يملك السلطة. سعى مؤلفو الكتاب إلى ابتكار مشروع لإعادة البناء، فجادلوا أن التاريخ متجذر في الذاكرة الإنسانية وفي التوق الذاتي المتواصل إلى المعنى، وتشبثوا بوجود حقيقة تاريخية يتوجب على المؤرخين الصدح بها، بعيدًا عن نزعات النسبية والشكية. على أساس هذا الموقف المطبوع بالتفاؤل والداعي إلى التخلي عن المفاهيم الساذجة للحقيقة والموضوعية، يبقى بالإمكان معانقة حقيقة مشتركة تحتفي بتعدد الفاعلين وتشجع "بحثا أكاديميًا بنهاية مفتوحة يمكنه أن يسحق الأوهام العزيزة والأليفة"[56].

بعض نتائج بحوث البنائية في تاريخ العلوم

تُمثل إحدى أهم دراسات الموجة الجديدة للتأريخ العلمي المندرجة في سياق البنائية كتاب الليفياتان ومضخة الهواء[57] للمؤرخين ستيفن شابين (Shapin، 1943-) وسايمون شافير (Schaffer، 1955-) حول المناظرة الشهيرة التي جرت في الساحة العلمية الإنكليزية بين توماس هوبز (Hobbes، 1588-1679) وروبرت بويل (Boyle، 1627-1691). فحصت هذه الدراسة قيمة المناهج التجريبية وخصائصها في تصوري عالِـمين رئيسين، ألف الأول كتاب الليفياتان الشهير في الفلسفة السياسية وانتقد بشراسة استخدام المنهج التجريبي في الفلسفة الطبيعية؛ والثاني فيزيائي ميكانيكي اخترع مضخة الهواء. انصبَّ الجدال بينهما حول مواضيع عديدة، من صلاحية المضخة بوصفها آلة، وصولًا إلى صواب المعرفة التي تؤدي إليها، ونزع كلاهما إلى معرفة لا تضعفها الخلافات والفرقة الفكرية. لذا، اقترح بويل التجربة سبيلاً مؤديًا إليها، وطالب بضرورة تأسيس المعطيات المعرفية على تجارب تُجرى أمام الناس بوساطة آلات – مثل مضخة الهواء – لإنتاج معرفة متفق عليها. في المقابل، مال هوبز إلى القانون الطبيعي ورأى في التجارب عمليات مصطنعة لا يصح أن تحظى بالثقة لأنها تنجم عن اتفاق عُقِد بين جماعة محدودة من الناس. أوَّل الكاتبان المنافسة بين بويل وهوبز على أنها لا تدور حول وجود الخلاء وطبيعته ودليله التجريبي فحسب، بل أيضًا حول طبيعة المعرفة التي تعدّ علمية وتلك التي لا تعدّ كذلك. إن الرهان الحقيقي هو التمييز بين العلم واللاعلم، ورهان المنافسة بين الرجلين لا يقتصر على التفوق في موضوع الجدال، بل يتعداه إلى المسألة الكبرى المتعلقة بشروط المعرفة التجريبية.

وُوجِه كِتاب شابين وشافير بالنقد بسبب تركيزه على الوضع الاجتماعي لبويل بوصفه عضوًا في طبقة النبلاء وكيف أرسى شرعية عمله العلمي على هذه المكانة. لكن الدراسة تتوفر على مزايا أخرى، منها التفسير الموفق لانتصار بويل في المناظرة، فقد شكك هوبز من موقعه ممثلًا للوضع الاجتماعي القائم في قدرة التجارب على توفير معرفة موثوقة، في حين نجح بويل في الجمع بين الاثبات التجريبي والنزعة الميكانيكية، ما أدى إلى قبول الجمهور لموقفه والتغلب على شكية هوبز. ويشرح الكتاب أيضًا كيف تداخلت هذه النقاشات ذات الطبيعة الإبستيمولوجية مع عوامل اجتماعية نابعة من سياقات الثورة الإنكليزية وظروف اعتناق المذهب الأنجليكاني في الجزر البريطانية، إذ بات العلماء – وفقًا لما تخوف منه هوبز مسبقًا– هم القساوسة المُحدَثون وأضحى العلم مصدرًا رئيسًا للسلطة السياسية.

أثَّرت منهجية "الليفياتان ومضخة الهواء" في تاريخ العلوم على نطاق واسع واعتبرت نموذجًا يُحتذى. اقتطع المؤلفان لحظة من الثورة العلمية وبينا كيف تظافرت معطيات وتأويلات وتجارب لتكوين واقع سياسي. وحاولا فهم عادات العمل والبنيات الاجتماعية لبداية العصر الحديث، واستخدما المناظرة بين هوبز وبويل منطلقًا لفهم الصراع في تأويلات التجريبية العلمية المبكرة. فوصفا الرأيين المتعارضين لكل منهما بصدد المعرفة الطبيعية، ووضعا الجدال بينهما في سياق أوسع حول النقاشات التي كانت تجري في عصرهما حول دور رواد الفكر في الحياة العامة والمشاكل المتعلقة بالنظام الاجتماعي في إنكلترا في تلك الفترة المتميزة بعودة الملكية والاضطرابات المصاحبة للثورة الإنكليزية[58].

أثبت هذا الكتاب وغيره من البحوث التي نشرها المؤرخون البنائيون قوة الفرضية القائلة بأن بناء المعرفة العلمية هو بناء اجتماعي من نوع ما، بمعنى أنه يعني جماعة من العلماء، وهي نفس النتيجة التي أفضت إليها دراسة الظروف التي صاحبت اكتشاف مبدأ حفظ الطاقة[59]، أحد أهم قوانين الديناميكا الحرارية[60]، إذ تبين أنه اكتشاف جَماعي. وبينت دراسة أخرى أن تنوع الفئات الإنسانية التي لها دخل في هذا الاعتبار الاجتماعي توسع كثيرًا مع مرور الزمن، إذ أبرز المؤرخ الكندي مايكل ريوز (Ruse، 1940-) في كتابه حول الثورة الداروينية[61] أن مجموعة من الرجال البريطانيين المتخصصين في التاريخ الطبيعي شكلوا الجماعة العلمية التي أحدثت الثورة باسم داروين، بدءًا من عام 1830 حين شرع لاييل في نشر المجلدات الثلاثة لكتاب مبادئ الجيولوجيا، حتى عام 1875 حين اكتمل نشر أبحاث تشارلز داروين. هذا هو السياق العام الذي حدث فيه التغيير العميق في الأفكار البيولوجية حول تطور الأنواع الحية، بحمولاته العلمية والفلسفية والدينية والاجتماعية. بهذه السمات، يُعدّ كتاب الثورة الداروينية أول دراسة شاملة لتاريخ الفكر التطوري، وأعادت بناء السياق الاجتماعي والثقافي الذي برزت في إطاره نظرية التطور. غير أن أفق الدراسة يبدو ضيقًا بالنظر إلى نتائج البحوث اللاحقة، إذ تبين أن الإنجاز الدارويني اختمر في مدارس التشريح بلندن جيلًا كاملًا قبل داروين،[62] واستمر يتعزز في قلب القرن التاسع عشر الطويل في السياقين البريطاني والأوروبي[63]، واستقبلته ثقافات أخرى بعيدة من بينها الثقافتان العربية والصينية[64].

المبدأ المؤسس الثاني للبنائية السوسيولوجية هو أن نمو العلم يقتضي وجود جماعة علمية ينجز أعضاؤها مهمات متنوعة. وقد أوضحت الدراسات المنصبة على طرائق العمل المخبري أهمية ما ينجزه طلبة الدكتوراه والتقنيين في مختلف مراحل الإنتاج العلمي. والدراسة النموذجية بهذا الصدد هي تلك التي نجدها في كتاب حياة المختبر[65] للباحثين في سوسيولوجيا العلوم برونو لاتور (Latour، 1947-) وستيف وولغار (Woolgar، 1950-). الكتاب عبارة عن بحث ميداني من نوع أنتروبولوجي حول ظروف البحث العلمي في معهد سالك (Salk Institute) للبيولوجيا بكاليفورنيا. يُبيِّن المؤلفان كيف تُجرى البحوث ويتوصل العلماء إلى النتائج، ويصفان العلاقات المعقدة بين الأطراف المشكلة لفريق أبحاث معاصر، ويقفان عند الممارسات المخبرية الروتينية، ونشر المقالات، وإجراءات التمويل، والحصول على الاعتراف العلمي. يوظفان كل هذه العناصر لإنارة حياة المختبر في تحقيق أنتروبولوجي من وجهة نظر ثقافة العالِم، التي يعتبران أنها ثقافة لا تتميز بالمرونة والقدرة على التأقلم. ويخلصان إلى أن الممارسة العلمية الحقيقية ليست تعبيرًا خالصًا عن المنهج العلمي، وأن العلماء لا يتورعون عن استخدام أساليب بلاغية وانتهاج كل الطرق في إنتاج بحوثهم وفي الإبلاغ عنها في منشورات علمية[66],

من تاريخ العلوم إلى تاريخ المعرفة

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تُمثل الدعوة إلى تطوير تاريخ العلوم ليصير تاريخًا للمعرفة (history of knowledge) من أهم مظاهر التجديد والابتكار في هذا المبحث، التي برزت في العقد الثاني للقرن الواحد والعشرين. تنطوي هذه الدعوة على إعادة تأسيس نظرية، ونتجت عن ممارسة البحث على ضوء برنامج للإبستيمولوجيا التاريخية في معهد ماكس بلانك لتاريخ العلوم ببرلين، وهو ما تُبرِزه بحوث مُديرَين من المعهد هما لورين داستون (Daston، 1951–) ويورجن رِين (Renn، 1956–)[67] اللذان بيّنا كيف توسع مجال تاريخ العلوم وتحول أمام عيانًا إلى تاريخ للمعرفة.

يكمن الرهان الأساسي لهذا التحول في سعي مزدوج: تخليص تاريخ العلوم من النظرة الغربية الـمُهيمنة فيه حتى ستينيات القرن العشرين؛ وتنقيته من الرؤية البطولية والرجالية التي انتقدها سوسيولوجيو العلوم والمؤرخات النسويات. بالفعل، تحت ضغط الانتقادات الآتية من الدراسات البنائية والسوسيولوجية والنسوية ومن بحوث التعدد الثقافي وما بعد الاستعمار، أحاطت الشكوك بتاريخ العلوم من كل جانب، وشرع مؤرخو العلوم يعيدون النظر في جغرافية مجالهم وفي تحقيبه الكرونولوجي وحتى في موضوعه. تمركزت السردية الكلاسيكية للمبحث حول أوروبا بصفة مبالغ فيها واعتبرت أنها صالحة لتفسير كيف سبق الغرب بقية العالم باختراع العلم الحديث وكيف ربح رهان الحداثة[68]. يُهمل هذا التمركز حول الغرب ومنجزاته الثقافات الأخرى ويُفقر البحث التاريخي، في حين تُبرِز البحوث المنشورة منذ مطلع الألفية الجديدة ثراءً في المقاربة والنتائج تمُسُّ حتى معنى العلم ودلالته، وإعادة نظر في الشروط التي يغدو بفضلها المرء عالما، وتوسيعًا لـمواقع البحث العلمي يشمل المُختبر والمرصد الفلكي وصولاً إلى حديقة التجارب، والمكتبة، والحقل، والسفينة. وفي هذا الإطار، اتسع المنظور وانفتحت الجغرافيا والكرونولوجيا: فمن فترة زمنية محدودة وبضع مدن كبرى في أوروبا الغربية اعتبر تاريخ غربي ضيق النظر أنها كانت مركز التأسيس العلمي، أشهر تاريخ العلوم المُتجدد خريطة عالمية تحتضن أجزاءً فسيحة من كل القارات وتشمل زمنيًا منجزات مختلف الثقافات، منذ الصين القديمة والبلاد البابلية والأشورية. انطلق هذا التجديد في تسعينيات القرن العشرين وأُجبر المؤرخون على إعادة التفكير في مسلماتهم البحثية وطفا على السطح السؤال التالي: إذا كان تاريخ العلوم ليس تاريخًا للعلم الغربي الحديث ولا تاريخًا لما يُماثله في أزمنة سابقة وفي أمكنة مُغايرة، إذن هو تاريخ ماذا؟

الجواب هو أنه تاريخ للمعرفة. وصحيح أن العبارة مبهمة نسبيًا، غير أن فائدتها تكمن في قدرتها على دمج المعارف وتوحيدها في بوتَقَة العلم، من معارف النبات عند سكان أميركا الأصليين إلى التكنولوجيا النانوية. وبالمثل، فإن عبارة "تاريخ المعرفة" تتحاشى سوء الفهم المحيط بصفتَي "الحديث" و"الغربي"، رغم أن مروجيها لا يضعون كل المعارف على مستوى واحد ولا يمنحونها صلاحية متساوية. وفضلًا عن أنها تُبرز تميز العلم الحديث عما سبقه باعتباره ناتج من مسبقات طريقة إيديولوجية، فإن مقولة الـمعرفة تُجيز الاستكشاف التاريخي لكل أركان خريطة المباحث وتحتضن معًا العلوم الطبيعية والإنسانيات – المنكبة على الفاعلية الثقافية – والعلوم الاجتماعية التي تدرس المؤسسات والعلاقات. وتتيح ترجمة مفاهيم العلم بجميع اللغات وتجعل من هذه الترجمة موضوعًا للبحث بعدما كان هذا المسعى مدعاة لسوء التفاهم. وأخيرًا، تتيح إعادة التأسيس هذه للمؤرخين أن يتركوا بحوثهم تقودهم حيثما أمكن ذلك، ولو بعيدًا عن الفهم الحالي للعلم. لذا سيتوجب على تاريخ المعرفة أن يلغي الحضور الطاغي للشخصيات المؤثرة من أرسطو إلى آينشتاين، وأن يُقلل من سطوة المواضيع الرائجة، وخاصة تلك المؤدية إلى ترديد سردية العلم الحديث[69].

في الواقع، يوجد تاريخ المعرفة في بداياته المطبوعة بالتردد في وضع لا يُحسَد عليه في مقابل الصرح العظيم لتاريخ العلوم، الذي يستند إلى إنجازات كبرى وبناء مفهومي شامخ نتج من تفاعله المُحفِّز مع الدراسات العلمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. لذا سيجتاز تاريخ المعرفة اختبارًا مفهوميًا عسيرًا، ويتبنى مُقاربة مقارنة تفيد من الثروة المتوفرة من الموارد والمعطيات والدراسات حول مواضيع وثقافات وحقب كانت مُهمشة في تاريخ العلوم وفي تاريخ الطب والتكنولوجيا أيضًا. ويقتضي إدماج تاريخ العلوم في مجال أوسع حدوث انقلاب يُعيد النظر في مفاهيم وكشوف علمية عُدّت إلى زمن قريب بمثابة القلب النابض للعلم المُكنى حديثًا وغربيًا، ومن نماذج ذلك، إبراز أصل البرهان الرياضي في التقليد الصيني والكشف عن جذور نظرية مركزية الشمس في علم الفلك العربي[70].

تتوفر أيضًا لمبحث تاريخ المعرفة – وهو في طور التشكل – فرصة جيدة لدمج التقاليد العلمية المتقاربة، من قبيل رفع ذلك الفصل والتعارض اللذين أقامهما تاريخ العلوم بين التقليدين العربي- الإسلامي واللاتيني الوسيط، رغم تداخلهما الزمني والجغرافي وتعاقبهما الكرونولوجي وما لا يُعَدُّ من مظاهر التفاعل. وفي حقيقة الأمر، يكمن سرّ الفصل بينهما في كون السردية الـمُسيطِرة على تواريخ العلم الغربي تكرِّس هذا التقابل المفتعل لتحقيق هدف مزدوج: تأمين الاتصال بين العلم الإغريقي القديم وبداية العلم الأوروبي الحديث، والتقليل من أهمية ودور العلم المكتوب بالعربية في انبثاق العلم في أوروبا الغربية[71].

تاريخ العلوم في معترك الديكولونيالية

يشهد تاريخ العلوم – والعلوم الاجتماعية عامة – حراكًا نشطًا لإعادة الاعتبار لتقاليد العلوم والإنتاج الفكري في التاريخ الثقافي لبلدان الجنوب. بدأ الأمر قبل عقود بالبحث في "العِلم والإمبراطورية"، في إطار برنامج أبحاث استكشف كيف فاض العلم الغربي على العالم في سياق استعماري[72]. غير أن مثقفي بلدان الجنوب الكبير وضعوا على عاتقهم هدفًا أسمى يتمثل في اقتلاع المركزية الغربية من سرديات التاريخ العلمي.

من دراسات ما بعد الاستعمار إلى الديكولونيالية

تصفية آثار الاستعمار في العلوم الاجتماعية حركة أكاديمية دؤوبة ذات خلفية سياسية تحتل موقعا مُتقدِّما في العلوم الاجتماعية على الصعيد العالمي، وتهدف إلى إرساء "عدالة أكاديمية" في النظرية الاجتماعية تأخذ بعين الاعتبار تعدد الأصوات والمواقف وتطالب بالاعتراف بـ"النظرية الجنوبية" باعتبارها اجتهادات لمجتمعات الأطراف الواقِعة خارج "النظرية الشمالية" [73]. بدأ هذا السعي منذ عقود وتكثّف مؤخرا بفعل بلوغ البحوث كتلة حرجة كمًّا وكيْفًا في دراسة تراث الجنوب الكبير، وتجسد مِثاله الناجح في دراسة التقاليد الثقافية غير الغربية، وخاصة تلك الناطِقة بالعربية والصينية وبلغات الهند القديمة.

ينغرس التيار الأكاديمي والفكري الحامل لمشعل الديكولونيالية في الصدمة التي أحدثها احتلال القارة الأميركية بدءًا من علم 1500 وما تبعها من حملات استعمارية. وتُغطي النظرية السياسية التي يستند إليها طيفًا واسعًا من المفاهيم، من الحالة الاستعمارية (Coloniality) ومفهوم ما بعد الاستعمار ومقولات نقد الاستشراق إلى الديكولونيالية (Decoloniality) التي تسعى إلى استئصال آثار الاستعمار ومناهضة إرثه بجذرية تفوق التحرر من الاستعمار المباشر عبر النضال السياسي والتدافع الفكري. وما يوحد المواقف ومناحي البحث الأكاديمي المنضوية في هذا التوجه هو السعي المتعدد الأبعاد لتحرير العقول والذاكرة والوعي من بقايا الإرث الاستعماري، واختيار موقع ضمن سلسلة الثنائيات المنظمة للخطاب وللتفكير من قبيل "الغرب/ باقي العالم"[74]، و"المستعمِر/ المستعمَر"، و"المركز/ الأطراف"، والاستعمار/ ما بعد الاستقلال. في هذا الإطار، يرمي البحث الأكاديمي المندَرِج في هذه الدينامية الديكولونيالية إلى تحرير المعرفة وإنتاجها من الإبستيمية التي توجهها الهيمنة الغربية[75].

نقد عقيدة العلم الغربي

مثلت دراسات العلم وإنتاج المعرفة مجالًا للبحث الأكاديمي على ضوء أطروحات الديكولونيالية من أجل التخلص من آثار الاستعمار في العقول. بهذا الصدد، برزت أطروحة انتماء العلم إلى الإنسانية كافة للكشف عن المساهمة الجماعية لكل الثقافات في تشييد صرح المعرفة العلمية. يتعلق الأمر بترسيخ فكرة جوهرية في الأذهان: العلم – هذه المعرفة المتميزة – هو إبداع إنساني ساهمت فيه جميع الثقافات حسب ظروف كل منها وتبعًا لقدراتها المادية. يُعارِض هذا الموقف عقيدة العلم الغربي، باعتبارها مقولة ناتجة من تأويل ثقافوي للتاريخ العلمي تقوم على التسليم بـالهوية الغربية لقسط وفير من تاريخ العلم – وخاصة العلم الحديث وجذوره – الذي يُحسَب على ضوء هذا التأويل على بعض بلدان أوروبا الغربية تحديدًا وتُمدُّ أصوله القديمة تعسُّفًا إلى التقليد الإغريقي[76]. لا يجد أصحاب هذه الرؤية حرجًا في اعتبار الرياضي أوقليدس المنتمي إلى المرحلة الهلينستية وعاش في شرق المتوسط حوالي 300 ق. م، والفلكي الهلينستي بطلميوس (كان حيًا نحو عام 150 بالإسكندرية)، من مؤسسي "العلم الغربي". ألَّف أوقليدس وبطلميوس مؤلفاتهما المؤثرة في الإغريقية القديمة، وأهمها كتاب أصول الهندسة وكتاب المجسطي، واستقبلهما بحفاوةٍ بالغة تقليد العلوم العربية الناشئ في نحو عام 200هـ/ 815م. نشأ عن هذا التَّلقي العربي للهندسة الأوقليدية وللفلك البطليمي إنتاج علمي متميز ترعرع وبات أحد أعرق تقاليد العلوم. كما أن التلاقح بين العلم المكتوب بالعربية والتقليد اللاتيني من عام 1100 إلى عام 1600 زاد من تغليب عوامل التفاعل العلمي والتعدد الثقافي. في هذه الظروف، كيف يمكن اختزال العلم الحديث إلى نشأة أوروبية خالصة والعودة بجذوره إلى العصر القديم[77]؟

انتشرت في أوساط المؤرخين منذ أعوام 1800 قناعة فكرية ذات طبيعة إيديولوجية تستمد قوتها من انتصارات الغرب وأفرزت مقولة "الانتماء الغربي للعلوم". حسب هذه المقولة، شهدت الحقبة الواقعة بين عامَي 700 و1500 ركوًدا في إنتاج المعرفة، وانحصرت قيمة العلم المؤلف بالعربية في نقل النصوص الإغريقية التي فُقدت أصول بعضها قبل أن تُعاد ترجمتها إلى اللاتينية لاحقًا. وبذلك اكتملت الدائرة وتجدَّد الاتصال بين الماضي المجيد المفترض للغرب والمتمثل في "المعجزة اليونانية"، لتقوم معجزة ثانية هي "عصر النهضة" وانجازاته. في هذا السياق المحكوم برؤية متمركزة حول الذات الغربية التي تمد من العصر القديم إلى الغرب الثقافي الحالي، إذا اعتُرِف لبعض علماء العربية بشيء من الفضل فهو أنهم كانوا أُمناء لمتحف العلم القديم، وإذا ابتكر أحدهم شيئا فليس هذا الابتكار سوى امتداد للعلم الإغريقي أو هوامش عليه[78].

دفعت مقولة الانتماء الغربي للعلوم المؤرخين إلى حصر اهتمامهم بما اعتبروه قمتان حضاريتان هما الحضارة اليونانية وعصر النهضة الأوروبي المُمتد في الثورة العلمية. غير أن هذا الاهتمام الحصري بالقمتين المفترضتين والقفز على الألف عام التي تفصلهما سرعان ما أديا إلى ظهور تناقضات بارزة لا يمكن تجاهلها. فقد بدا ديكارت مثلًا وهو يطبق هندسة أبولونيوس على الجبر – في معرض دراسته للمعادلات الجبرية من الدرجتين الثالثة والرابعة – وكأنه هو الذي استلم المشعل من العالم الإغريقي القديم الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، ليُحدِث بعده بحوالي 1800 عام تقدمًا هائلًا في الرياضيات. حين يجهل مؤرخ الرياضيات ابتكارات المدرسة الرياضية العربية في الجبر والجبر الهندسي، من الخوارزمي إلى شرف الدين الطوسي، وبينهما الماهاني وأبو كامل شجاع بن أسلم وعمر الخيام، يجد نفسه مضطرًا – لتقريب الفجوة بين أبولونيوس وديكارت – إلى المبالغة في تضخيم مساهمة العالم الفرنسي وتعظيم أعماله الرياضية. وأدى هذا الوضع إلى أخطاء طالت حتى طبيعة النظريات العلمية، إذ أن العديد من المؤرخين رأوا بداية الجبر– الذي وُلِد ببغداد نحو عام 830 في كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي – في المقالة الثانية من كتاب أصول الهندسة لأوقليدس وفي نظرية الأعداد الصماء في المقالة العاشرة.

أدى هذا الوضع إلى تضخيم محتوى العلم الإغريقي وإلى إضفاء صفة الثورية على إسهامات علماء أوروبا في القرن السابع عشر، وإلى تجاهل الحلقة الرابطة بين المرحلتين طيلة ألف عام. ويقول مؤرخ العلوم العربية رشدي راشد في عبارة بليغة، أدت هذه النظرة إلى تشويه الواقع الحقيقي للعلم الإغريقي وللعلم الحديث، إذ "لابد من التواء السلسلة التاريخية المتواصلة إذا ضمَّت حلقتان متباعِدتان من حلقاتها"[79]. وقد توسعت في العقود الأخيرة البحوث المتنوعة في دراسة التقاليد العلمية غير الغربية وتكثَّفت إنتاجاتها، ونتج من هذه الجهود إعادة تقييم المعارف التي أنتجتها ثقافات غير غربية وأعيد لها الاعتبار من دون تمجيدية غير مُجدية[80].

عالميَّة العلم

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في هذا الإطار المطبوع بالتعدُّد، انبثقت في الساحة الأكاديمية مقولة عالـمية العلم وكونِيته، وتُحيل إلى شمولية المنهج العلمي وعالمية نتائج البحوث العلمية وفهمها وتفسيرها. تمثل هذه المقولة أداة إجرائية فعالة في دراسة التقاليد العلمية غير الغربية، وبين البحث التاريخي حين ركز جهوده على استكشاف مناحي المعرفة العلمية في أحضان الثقافتين الصينية والعربية. تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى بحوث مؤرخ العلوم البريطاني جوزيف نيدام (Needham، 1900-1995)، صاحب المشروع الضخم حول العلم والحضارة في الصين الذي صدر منه 27 مجلدًا عن مطابع جامعة كامبردج منذ 1954[81]. أسس نيدام وفريقه مشروعًا واسعًا قائمًا على الرفض التام لاعتبار تاريخ العلوم تعاقبًا لمراحل متتابعة من العلم "الغربي" بدءًا من اليونانيين إلى العصر الحديث، وأبرزوا أن العلم الصيني تطور بالتوازي مع العلم الأوروبي حتى بداية القرن التاسع عشر، وخلال حقب طويلة كان للتقليدين مستوى متكافئ. وأعلى من شأن التبادل العلمي والتكنولوجي بين الصين والغرب، وأكد بأنه من دون هذا التفاعل المثمر لما حصلت الثورة العلمية. إجمالًا، أعاد نيدام وفريقه الاعتبار إلى العلم الصيني الكلاسيكي وقدَّموا عنه صورة تناقض تمامًا تلك التي تتفرع عن التسليم بفرادة العلم الغربي الحديث[82].

يُحقِّق استحضار منجزات الحضارات الأخرى أعلى درجات كونية العلم، باعتبار هذا الأخير نتاج السعي الجماعي للإنسانية نحو المعرفة، لا تحتكره أمة أو تختصُّ به ثقافة. في السياق ذاته، أبرز البحث التاريخي أهمية التقليد العلمي العربي ودوره الحاسم في إنتاج المعارف العلمية في مختلف فروع العلوم المطروقة في العصرين الوسيط والقديم، من العلوم الرياضية والفيزيائية إلى العلوم الطبية، في أشكالها النظرية والتطبيقية[83].

تجلى العلم المكتوب بالعربية على ضوء الأبحاث المنشورة في العقود الثلاثة الماضية تقليدًا عريقًا أنتج بغزارة معارِفًا أصيلة يَعدُّها مؤرخو العلوم حاضِنة حقيقية لانبثاق العلم الحديث. يعبر عن ذلك سارتون قائلًا أن: "تاريخ العلم في العصر الوسيط هو تاريخ العلم العربي، ويحتل العلم العربي في العصر الوسيط نفس المكانة التي يحتلها العلم الإغريقي في العصر القديم أو العلم الغربي في العصر الحديث"[84]. وطيلة عدة قرون، كان على من يريد الاطلاع على أحدث نتائج العلوم أن يتعلم العربية، التي تحولت إلى لغة علمية في فترة وجيزة وباتت في حوالي 200هـ/815م قادرة على استيعاب علوم العصر القديم تدريجيًا في عملية معقدة تفاعل فيها النقل والبحث العلمي وحاجات المجتمع[85].

في مرحلة لاحقة انتقل قسط وفير من المعارف العلمية العربية إلى أوروبا اللاتينية، في عملية واسعة لـترجمة أمهات المصنفات العربية في الرياضيات والفلك والكيمياء والمناظر والطب. وقد أثبت مؤرخ الفلسفة الألماني داغ نيكولاوس هيسَّه (Hasse، 1969–) تأرجُح النخبة المثقفة الأوروبية بين عامَي 1200 و1600 بين الحب والنفور تجاه المعارِف ذات المصدر العربي، إذ استفادت منها وشغفت بها وعملت في الوقت ذاته ما في وسعِها لـمَحو وإخفاء الإحالة إليها[86].

يمكن إذن تلخيص الصورة التي تكونت لدينا حول العلم العربي بفعل أبحاث العقود الأخيرة في المحددات الرئيسة الآتية: انطلق البحث في ستينيات القرن العشرين من الموقع الهامشي الذي كان يحتله هذا التقليد العلمي ورفعته أبحاث تاريخ العلوم إلى مصاف علم عالـمي؛ عالمي بمصادره المتنوعة، وعالمي بامتداداته وتأثيره، وعالمي من حيث امتداد المساحة الجغرافية التي مورِس عليها، وأخيرًا، عالمي من حيث لغته الموحَّدَة والموحِّدَة[87].

المدرسة العربية في تاريخ العلوم

على عكس الوضع الضعيف لتاريخ العلوم في العالم العربي في الزمن الراهن، الذي يعرفه المُلِم بأوضاع البحث الأكاديمي في معظم البلدان العربية، توافرت في الجامعات العربية نُخبة أكاديمية وعلمية أنتجت بحوثا ومعارف عالية الجودة في تاريخ العلوم تشهد بحوثها المنشورة خلال عدة عقود منذ أعوام 1930 على نشأة مدرسة عربية حقيقية في هذا المبحث الأكاديمي. انطلق البحث في تاريخ العلوم في البلاد العربية بجهود رواد منهم علي مصطفى مشرفة (1898-1950)، الملقَّب بـ "آينشتاين العرب" لنبوغه العلمي، ومصطفى نظيف (1893-1971) مؤرخ البصريات الذي أحيا نظريات ابن الهيثم وكان رائدًا في نشر الثقافة العلمية في مصر[88]. كان انطلاق هذه المدرسة العربية في التاريخ العلمي امتدادًا لمنجزات النهضة العربية الحديثة، إذ تزامن الاهتمام بالتاريخ العلمي في هذه الحقبة الممتدة إلى أواسط ستينيات القرن العشرين مع غلبة السعي إلى تحديث المجتمع، والاستقلال عن القوى الأجنبية، والانفتاح على التفكير العلمي والفكر العقلاني، والإقبال على اكتساب المعارف الجديدة، وتأليف البحوث العلمية بالعربية. شكل برنامج النهوض القومي هذا خلفية البحث الرصين في تاريخ العلوم في العالم العربي وأمده بدفعة قوية، فتعزز البحث بأعلام من الجيل الثاني من عدة بلدان، يُذكر منهم الفلسطيني أحمد سليم سعيدان (1914-1991)، والتونسي محمد سويسي (1915-2007)، والمغربي محمد المنوني (1915-1999).

ومن الجيل اللاحق يُذكر باحثون أنجزوا أبحاثهم داخل العالم العربي وخارجه: عبد الحميد إبراهيم صبره (1924-2013) أستاذ تاريخ العلوم بجامعتي الإسكندرية وهارفارد؛ ومؤرخ التكنولوجيا الفلسطيني أحمد يوسف الحسن (1925-2012) الذي أسَّس معهد التراث العلمي العربي بحلب؛ ورشدي راشد (1936–) مدير الأبحاث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا؛ وجورج صليبا (1939–) أستاذ تاريخ العلوم بجامعة كولومبيا؛ ومؤرخ الرياضيات الجزائري أحمد جبار (1941–)؛ ومؤرخ الرياضيات مصطفى موالدي من جامعة حلب؛ ومؤرخ العلوم الأميركي جميل رجب. تفاعل المؤرخون العرب مع زملاء لهم غير عرب تخصصوا في تاريخ العلوم العربية وأوقفوا عليه حياتهم المهنية، يُذكر منهم إدوارد كيندي (Kennedy، 1912-2009) من الجامعة الأميركية ببيروت؛ ومؤرخ الفلك العربي البريطاني دافيد كينغ (King، 1941–)؛ والإسباني خوليو سامسو (Samsó، 1942-2026)؛ والهولندي يان هوخندايك (Hogendijk، 1955).

بفضل بحوث الأكاديميين المذكورين وغيرهم تطوَّر البحث في تاريخ العلوم العربية على الصعيد العالمي وحصل فيه تقدم كبير وأُعيدت كتابة المبحث بصفة شبه كاملة، فخرجت إلى النور كنوز كثيرة جدًا في العدد وفي المحتوى الرفيع كانت مخفية في المخطوطات المحفوظة في مكتبات العالم. ومن أجل دعم البحث في هذا المجال أنشأ الاتحاد الدولي لتاريخ العلوم في عام 1988 لجنة تاريخ العلوم والتكنولوجيا في المجتمعات الإسلامية[89]، وتضم اليوم 150 مؤرخًا نشطًا من نحو 30 بلدًا. للجنة هيكل إداري يشرف على أنشطتها، وتُصدر مجلة دورية هي سهيل تنشرها جامعة برشلونة.

أما على صعيد وضع تاريخ العلوم في العقود الثلاثة الأخيرة في العالم العربي، فإنه يتميز بحضور باهت في المجالين الجامعي والثقافي. غير أن جذوة التاريخ العلمي في البلدان العربية متّقِدة بفضل إنجازات بعض الباحثين، ويمكن البناء على جهودهم من أجل تحقيق انطلاقة مستقبلية. وقد جسد تأسيس معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب في عام 1976 انطلاق أول نواة أكاديمية وجامعية عربية متخصصة في تاريخ العلوم[90]. يضم المعهد أربعة أقسام هي: تاريخ العلوم الأساسية، والعلوم الطبية، والعلوم التطبيقية، والتراث العمراني وعلوم الآثار، ويزاوج بين التدريس والبحث الأكاديمي. سعى المعهد إلى إعادة كتابة تاريخ العلم العربي بغية إبراز الدور الريادي للعلوم المؤلفة بالعربية في الحضارة الإنسانية. نظم مؤتمرات وندوات عدة ونشر سلسلة معتبرة من المنشورات، تضم تحقيقات نقدية لنصوص علمية ودراسات تحليلية. وأصدر مجلة تاريخ العلوم العربية التي كان يتسابق إلى النشر فيها كبار الباحثين. غير أن هذه التجربة الفريدة من نوعها عانت من الركود والتراجع منذ بداية تسعينيات القرن العشرين[91].

تحتضن بلدان عربية أخرى مبادرات مؤسسية في تاريخ العلوم يُذكر منها مركز إحياء التراث العلمي بجامعة بغداد، الذي أصدر 48 عددًا من دوريته مجلة التراث العلمي العربي إلى حدود ربيع عام 2021. وتأسس بكلية العلوم بجامعة القاهرة مركز التراث العلمي، وانطلق في الرباط مركز ابن البنا المراكشي لدراسة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية. وأنشئت بداية عام 2015 مؤسسة الشارقة لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، وقد نظمت مؤتمرات وفعاليات متنوعة. ويُذكر أخيرًا مركز فاروق جبر للعلم والفلسفة العربيين والإسلاميين الذي أُنشئ في عام 2018 بالجامعة الأميركية ببيروت.

المراجع

العربية

أبطوي، محمد. "تاريخ العلوم مادة نادرة في الجامعات العربية". العربي الجديد. 18/4/2017.

أبطوي، محمد. تاريخ العلوم العربية الكلاسيكية: بيبليوغرافيا نقديَّة مختارة. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2007.

أشتي، فارس. "دراسات متنوعة في إشكالياتها". عمران. مج 10، العدد 35 (2021). ص 191-201.

باشلار، غاستون. تكوين العقل العلمي. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 2. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982.

راشد، رشدي. "مقدمة عامة". في: موسوعة تاريخ العلوم العربية. مج 1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.

زحلان، أنطوان. "لا مستقبل من دون علم". المستقبل العربي. مج 17، العدد 191 (1995). ص 66-82.

صبرة، عبد الحميد. "لمحة في تاريخ العلوم عند العرب". أصوات. السنة الثانية، العدد 6 (1962). ص 80-92.

كانغيلام، جورج. دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها. ترجمة محمد بن ساسي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

كون، طوماس، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

كونيل، ريوين. النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة. ترجمة فاروق منصور. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

نظيف، مصطفى. الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008.

نظيف، مصطفى. الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية. مصر: مطبعة نوري، 1942-1943.

نظيف، مصطفى. علم الطبيعة: نشوؤه ورقيه وتقدمه الحديث. القاهرة: مطبعة مصر، 1927.

الأجنبية

Abattouy, Mohammed. Jürgen Renn & Paul Weinig. “Transmission as Transformation: The Translation Movements in the Medieval East and West in a Comparative Perspective.” Science in Context. vol. 14, no. 1-2 (2001). pp. 1-12.

Al-Hasan, Ahmad Y. “Introducing History of Science in the Curricula of Higher Education in Islamic Countries.” Conférence internationale sur l’introduction de l’histoire des sciences dans l’enseignement supérieur des pays arabes et musulmans. Paris, 15-16/12/2006. pp. 51-60.

Appiah, Kwame Anthony. “There Is No Such Thing as Western Civilisation.” The Guardian. 9/11/2016.

Appleby, Joyce, Lynn Hunt & Margaret Jacob. Telling the Truth about History. New York: Norton, 1995. pp. 283, 289.

Beer, Gillian. Darwin's Plots: Evolutionary Narrative in Darwin, George Eliot, and Nineteenth-Century Fiction. London: Routledge & Kegan Paul, 1983.

Bird, Alexander. “Thomas Kuhn.” Stanford Encyclopedia of Philosophy. 13/8/2004. at: https://acr.ps/hBy5Pim

Bloch, Marc. Apologie pour l’histoire ou métier d’historien. Paris: Dunod, 2020.

Bloor, David, Knowledge and Social Imagery. Chicago: The University of Chicago Press, 1976, 1991.

Blum, Alexander et al. (eds.). Shifting Paradigms: Thomas S. Kuhn and the History of Science. Berlin: Max Planck Institute for the History of Science, 2017.

Bornmann, Lutz & Rüdiger Mutz. “Growth Rates of Modern Science: A Bibliometric Analysis Based on the Number of Publications and Cited References.” Journal of the Association for Information Science and Technology. vol. 66, issue 11 (2015). pp. 2215-2222. doi: 10.1002/asi.23329

Boudon, Raymond. “Nouveau Durkheim? Vrai Durkheim?.” Durkheimian Studies. vol. 12, issue 1 (2007). pp. 137-148.

Canguilhem, Georges. Études d'histoire et de philosophie des sciences. Paris: Vrin, 1968.

Cantor, G. N. et al. Companion to the History of Modern Science. London: Routledge, 1990.

Chemla, Karine (ed.). The History of Mathematical Proof in Ancient Traditions. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.

Crozet, Pascal. “Les sciences arabes entre antiquité et âge Classique.” paper presented at Les sciences arabes et la modernité classique en Europe. French Embassy in Syria. Damascus. 2–4/11/2002.

Dabashi, Hamid. Can Non-Europeans Think?. London: Zed Books, 2015.

________. Europe and its Shadows: Coloniality after Empire. London: Pluto Press, 2019.

Daston, Lorraine & Peter Galison. Objectivity. New York: Zone, 2010.

Daston, Lorraine. “The History of Science and the History of Knowledge.” KNOW: A Journal on the Formation of Knowledge. vol. 1, no. 1 (2017). pp. 131-154.

de Solla Price, Derek. Little Science, Big Science. New York/ London: Columbia University Press, 1963, 1986.

Debru, Claude. “History of Science and Technology in Education and Training in Europe.” Notes and Records of the Royal Society in London. vol. 55, no.1 (2001). pp. 145-146.

Delbourgo, James. “The knowing world: A new global history of science.” History of Science. vol. 57, issue 3 (2019). pp. 373-399.

Desmond, Adrian. The Politics of Evolution: Morphology, Medicine, and Reform in Radical London. Chicago: The University of Chicago Press, 1992.

Draper, Patrick & Heidi Rzehak. “A review of Higgs mass calculations in supersymmetric models.” Physics Reports. vol. 619 (2016). pp. 1-24.

Dupré, Sven & Geert Somsen. “The History of Knowledge and the Future of Knowledge Societies.” Berichte Zur Wissenschaftsgeschichte. vol. 42, issue 2-3 (2019). pp. 186-199.

Elshakry, Marwa. “When Science Became Western: Historiographical Reflections.” Isis. vol. 101, no. 1 (2010). pp. 98-109.

________. Reading Darwin in Arabic, 1860-1950. Chicago: The University of Chicago Press, 2013.

Engels, Eve-Marie & Thomas F. Glick (eds.). The Reception of Charles Darwin in Europe. London: Bloomsbury Academic, 2009.

Ferguson, Niall. Civilization: The West and the Rest. London: Penguin Books, 2011.

Gillispie, Charles C. (ed.). Dictionary of Scientific Biography. 16 vols. New York: Charles Scribner's Sons, 1970-1980.

Gooday, Graeme et al. “Does Science Education Need the History of Science?.” Isis. vol. 99, issue 2 (2008). pp. 322-330.

Gooding, David et al. (eds.). The Uses of Experiment: Studies in Natural Sciences. Cambridge: Cambridge University Press, 1989.

Grindstaff, Laura, Ming-Cheng M. Lo & John R. Hall (eds.). Handbook of Cultural Sociology. London: Routledge, 2010.

Hamarneh, Sami. “An Editorial: Arabic-Islamic Science and Technology.” Journal for the History of Arabic Science. vol. 1, no. 1 (1977). pp. 3-7.

Hanson, Norwood. “The Irrelevance of History of Science to Philosophy of Science.” The Journal of Philosophy. vol. 59, no. 21 (1962). pp. 574-586.

Haseli, Yousef. Entropy Analysis in Thermal Engineering Systems. Cambridge, MA: Academic Press, 2020.

Hasse, Dag Nikolaus. Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016.

Havstad, Joyce C. “Forty Years after Laboratory Life.” Philosophy, Theory, Practice in Biology. vol. 12, no. 3 (2020). pp. 1-34.

“IsisCB: Current Bibliography of the History of Science.” IsisCB. at: https://acr.ps/hBy5OxH

Kaiser, David. “A Manheim for All Seasons: Bloor, Merton, and the Roots of the Sociology of Scientific Knowledge.” Science in Context. vol. 11, issue 1 (1998). pp. 51-87.

Kant, Immanuel. Kritik der reinen Vernunft. Riga: Johann Friedrich Hartknoch, 1781.

________. Kritik der reinen Vernunft. Riga: Johann Friedrich Hartknoch, 1787.

Koyré, Alexandre. Etudes galiléennes. Paris: Hermann, 1939/ 1966.

________. Études d’histoire de la pensée scientifique. Paris: Presses universitaires de France, 1966.

________. Études d’histoire de la pensée scientifique. Paris: Gallimard, 1973.

Kragh, Helge. An Introduction to the Historiography of Science. Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

Kuhn, Thomas Samuel. The Copernican Revolution: Planetary Astronomy in the Development of Western Thought. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957.

________. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: The University of Chicago Press, 1962.

________. The Structure of Scientific Revolutions. 2nd ed. Chicago: The University of Chicago Press, 1970.

________. The Structure of Scientific Revolutions. 50th Anniversary Edition. Chicago: The University of Chicago Press, 2012.

Lakatos, Imre. “The History of Science and its Rational Reconstructions.” in: Boston Studies in the Philosophy of Science. vol. 8. Dordrecht: Reidel, 1971.

Latour, Bruno & Steve Woolgar. Laboratory Life: The Social Construction of Scientific Facts. Beverly Hills, Ca.: Sage Publications, 1979.

________. Laboratory Life: The Social Construction of Scientific Facts. Princeton, N. J: Princeton University Press,1987.

Licoppe, Christian. La Formation de la pratique scientifique: Le discours de l’expérience en France et en Angleterre (1630–1820). Paris: La Découverte, 1996.

Lightman, Bernard (ed.). A Companion to the History of Science. Oxford: Wiley Blackwell, 2016.

Lindberg, David C. The Beginnings of Western Science: The European Scientific Tradition in Philosophical, Religious, and Institutional Context, 600 B.C. to A.D. 1450. Chicago: The University of Chicago Press, 1992.

________. The Beginnings of Western Science: The European Scientific Tradition in Philosophical, Religious, and Institutional Context, 600 B.C. to A.D. 1450. Chicago: The University of Chicago, 2007.

Longino, Helen E. Science as Social Knowledge: Values and Objectivity in Scientific Inquiry. Princeton: Princeton University Press, 1990.

Maclean, Ian. “Foucault's Renaissance Episteme Reassessed: An Aristotelian Counterblast.” Journal of the History of Ideas. vol. 59, no. 1 (1998). pp. 149-166.

Numbers, Ronald L. “The American History of Science Society or the International History of Science Society? The Fate of Cosmopolitanism since George Sarton.” Isis. vol. 100, no. 1 (2009). pp. 103-107.

Opwis, Felicitas & David Reisman (eds.). Islamic Philosophy, Science, Culture, and Religion. Leiden: Brill, 2012.

Park, Katharine. “Rethinking the History of Western Science Narrative, Translation, and the Longue Durée.” paper presented at Fetishizing Science. Das Einstein Forum. Potsdam. 10/6/2016. at: https://acr.ps/hBy5Pav

Passos, Antonio Augusto & Juan Andrés Queijo Olano. “The Power of History: An Interview with Lorraine Daston.” Contemporanea. vol. 10, no. 1 (2019). pp. 197-202.

Paul, Harry W. “Scholarship and Ideology: The Chair of the General History of Science at the Collège de France, 1892-1913.” Isis. vol. 67, no. 3 (1976). pp. 376-397.

Petitjean, Patrick et al. (ed.). Science and Empires: Historical Studies about Scientific Development and European Expansion. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 1992.

Pusey, James Reeve. China and Charles Darwin. Boston: Harvard University Asia Center, 1983.

Ramirez, S. & R. S. Cohen (eds.). Mexican Studies in the History and Philosophy of Science. Dordrecht: Kluwer Academic, 1995.

Rashed, Roshdi. The Development of Arabic Mathematics: Between Arithmetic and Algebra. Dordrecht/ London: Kluwer Academic, 1994.

Rathenau Institute. Leo Zonneveld, Huup Dijstelbloem & Danielle Ringoir (eds.). Reshaping the Human Condition: Exploring Human Enhancement The Hague, 2008.

  • Renn, Jürgen, “From the History of Science to the History of Knowledge –and Back.” Centaurus, vol. 57 (2015): pp. 37-53.

Robert C. Olby et al. (eds.). Companion to the History of Modern Science. London: Routledge, 1990.

Ruse, Michael. The Darwinian Revolution: Science Red in Tooth and Claw. Chicago: The University of Chicago Press, 1979.

Saliba, George. Islamic Science and the Making of the European Renaissance. Cambridge, MA: MIT Press, 2007.

Sarton, George. Introduction to the History of Science. 3 vols. Baltimore: Williams and Wilkins, 1927-1948.

Secord, James A. “Knowledge in Transit.” Isis. vol. 95, no. 4 (2004). pp. 654-672.

________. “What is the history of science?.” 14/1/2021. at: https://acr.ps/hBy5OR6

Selin, Helaine (ed.). Encyclopaedia of the History of Science, Technology, and Medicine in Non-Western Cultures. Dordrecht: Springer, 2008.

Shapin, Steven. “Discipline and Bounding: The History and Sociology of Science as Seen through the Externalism-Internalism Debate.” History of Science. vol. 30, issue 4 (1992). pp. 333-369.

Sismondo, Sergio. An Introduction to Science and Technology Studies. Chichester: Wiley-Blackwell, 2010.

Smith, Crosbie. The Science of Energy: A Cultural History of Energy Physics in Victorian Britain. Chicago: The University of Chicago Press, 1998.

Stengers, Isabelle. L’invention des sciences modernes. Paris: La Découverte, 1993.

Wootton, David. The Invention of Science: A New History of the Scientific Revolution. New York: Harper Collins, 2016.

[1] "لا شيء يتغير بسرعة تفوق تلك التي يتحوَّل بها الماضي الساكن". يُنظر:

Alexandre Koyré, Études d’histoire de la pensée scientifique (Paris: Presses universitaires de France, 1966), p. 253.

[2] Marc Bloch, Apologie pour l’histoire ou métier d’historien (Paris: Dunod, 2020 [1952]), pp. 25-30.

[3] أنظر الدراستان التاليتان اللتان أعدَّهما على التوالي مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبردج ومركز راتنو بهولندا (شوهدا في 12/04/2026):

Science 20 Report: Science for Navigating Critical Transitions (20 January 2021): https://acr.ps/hBy5ONp ; Rathenau Institute, Leo Zonneveld, Huup Dijstelbloem & Danielle Ringoir (eds.), Reshaping the Human Condition: Exploring Human Enhancement, (The Hague, 2008).

[4] Isabelle Stengers, L’invention des sciences modernes (Paris: La Découverte, 1993).

[5] James A. Secord, “What is the history of science?,” 14/1/2021, accessed on 16/5/2026, at: https://acr.ps/hBy5OR6

[6] Pat Munday, “Science, History of,” in: Maryanne C. Horowitz (ed.), New Dictionary of the History of Ideas, vol. 5 (Detroit: Gale, 2005), p. 2182; “IsisCB: Current Bibliography of the History of Science,” IsisCB, accessed on 16/5/2026, at: https://blog.isiscb.org/aboutoverview/

[7] James Delbourgo, “The knowing world: A new global history of science,” History of Science, vol. 57, issue 3 (2019), pp. 373-399.

[8] Derek de Solla Price, Little Science, Big Science (New York/ London: Columbia University Press, 1963, 1986); Lutz Bornmann & Rüdiger Mutz, “Growth Rates of Modern Science: A Bibliometric Analysis Based on the Number of Publications and Cited References,” Journal of the Association for Information Science and Technology, vol. 66, issue 11 (2015), pp. 2215-2222, doi: 10.1002/asi.23329

[9] Antonio Augusto Passos Videira & Juan Andrés Queijo Olano, “The Power of History: An Interview with Lorraine Daston,” Contemporanea, vol. 10, no. 1 (2019), pp. 197-202.

[10] نشير بهذا الصدد إلى مفهوم الهويات المتعددة للباحثين الذي صاغته فيلسوفة العلوم الأميركية هيلين لونغينو. ينظر:

Elizabeth Anderson, “Feminist Epistemology and Philosophy of Science,” Stanford Encyclopedia of Philosophy, 9/8/2000, accessed on 16/5/2026, at:  https://acr.ps/hBy5P6O /; Helen E. Longino, Science as Social Knowledge: Values and Objectivity in Scientific Inquiry (Princeton: Princeton University Press, 1990).

[11] Ahmad Y. Al-Hasan, “Introducing History of Science in the Curricula of Higher Education in Islamic Countries,” Conférence internationale sur l’introduction de l’histoire des sciences dans l’enseignement supérieur des pays arabes et musulmans, Paris, 15-16/12/2006, pp. 51-60.

[12] للاطلاع على الموقع الإلكتروني للجمعية، يُنظر: https://eshs.org

[13] Claude Debru, “History of Science and Technology in Education and Training in Europe,” Notes and Records of the Royal Society in London, vol. 55, no. 1 (2001), pp. 145-146.

[14] Graeme Gooday et al., “Does Science Education Need the History of Science?,” Isis, vol. 99, issue 2 (2008), pp. 322-330.

[15] حول إهمال الثقافة العربية للعلم، يُنظر: محمد أبطوي، "تاريخ العلوم مادة نادرة في الجامعات العربية"، العربي الجديد، 18/4/2017، شوهد في 16/5/2026.

[16] أنطوان زحلان، "لا مستقبل من دون علم"، المستقبل العربي، مج 17، العدد 191 (1995)، ص 66-82.

[17] Kevin van Bladel, “The History of Science of Abū Sahl ibn Nawbaḫt (fl. ca 770-809) and its Persian Sources,” in: Felicitas Opwis & David Reisman (eds.), Islamic Philosophy, Science, Culture, and Religion (Leiden: Brill, 2012), pp. 41-62.

[18] Helge Kragh, An Introduction to the Historiography of Science (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), pp. 9-14.

[19] Ibid., p. 15; Harry W. Paul, “Scholarship and Ideology: The Chair of the General History of Science at the Collège de France, 1892-1913,” Isis, vol. 67, no. 3 (1976), pp. 376-397.

[20] George Sarton, Introduction to the History of Science, 3 vols. (Baltimore: Williams and Wilkins, 1927-1948(; Kragh, pp. 18-19.

[21] Ronald L. Numbers, “The American History of Science Society or the International History of Science Society? The Fate of Cosmopolitanism since George Sarton,” Isis, vol. 100, no. 1 (2009), pp. 103-107.

[22] Charles C. Gillispie (ed.), Dictionary of Scientific Biography, 16 vols. (New York: Charles Scribner's Sons, 1970-1980).

[23] John R. R. Christie, “The Development of the Historiography of Science,” in:
G. N. Cantor et al., Companion to the History of Modern Science (London: Routledge, 1990), pp. 5-22.

[24] Ibid., pp. 19-21.

[25] جورج كانغيلام، "موضوع تاريخ العلوم"، دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ترجمة محمد بن ساسي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 37-57؛ الأصل الفرنسي:

Georges Canguilhem, Études d'histoire et de philosophie des sciences (Paris: Vrin, 1968), p. 16.

[26] كانغيلام، ص 48؛ الأصل الفرنسي:

 Canguilhem, p. 17.

[27] كانغيلام، ص 52؛ الأصل الفرنسي:

 Canguilhem, p. 20.

[28] Corina Yturbe, “The History of Science: Internal Or External?,” S. Ramirez & R. S. Cohen (eds.), Mexican Studies in the History and Philosophy of Science (Dordrecht: Kluwer Academic, 1995), pp. 71-87.

[29] Alexandre Koyré, Etudes galiléennes (Paris: Hermann, 1939/ 1966).

[30] Alexandre Koyré, Études d’histoire de la pensée scientifique (Paris: Gallimard, 1973), p. 399.

[31] كانغليم، ص 45-46؛ الأصل الفرنسي:

Canguilhem, p. 15.

[32] "[إنها] في الجملة ماركسية مُخفَّفة، أو على الأصح مُفقَرة ما زالت جارية [تُتَداوَل] في المجتمعات الثَّريَّة". يُنظر: كانغليم، ص 45؛ الأصل الفرنسي:

“C'est, en somme, un marxisme affaibli, ou plutôt appauvri, ayant cours dans les sociétés riches.”

يُنظر:

Canguilhem, p. 15.

[33] راجع المقالة الآتية لأحد أبرز ممثلي منهجية العوامل الخارجية:

Steven Shapin, “Discipline and Bounding: The History and Sociology of Science as Seen through the Externalism-Internalism Debate,” History of Science, vol. 30, issue 4 (1992), pp. 333-369.

[34] كانغليم، ص 40-41؛ الأصل الفرنسي:

 Canguilhem, p. 11-12.

[35] كانغليم، ص 42-43؛ الأصل الفرنسي:

Canguilhem, p. 12-13.

[36] غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ترجمة خليل أحمد خليل، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982)، ص 15.

[37] المرجع نفسه، ص 16.

[38] Imre Lakatos, “The History of Science and its Rational Reconstructions,” Boston Studies in the Philosophy of Science, vol. 8 (Dordrecht: Reidel, 1971), p. 91.

استوحى لاكاتوش هذه العبارة من الفيلسوف الألماني إمانويل كانط (Immanuel Kant، 1724-1804) الذي أفصح عنها في نقد العقل الخالص: الأفكار بدون مضمون فارغة، والحدوس بلا مفاهيم عمياء. يُنظر:


Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft (Riga: Johann Friedrich Hartknoch, 1781), p. 51; Kant, 2nd ed., p. 75.

[39] Norwood Hanson, “The Irrelevance of History of Science to Philosophy of Science,” The Journal of Philosophy, vol. 59, no. 21 (1962), pp. 574-586.

[40] Larry Laudan, “The History of Science and the Philosophy of Science,” in: Robert C. Olby et al. (eds.), Companion to the History of Modern Science (London: Routledge, 1990), pp. 47-59.

[41] Thomas Samuel Kuhn, The Copernican Revolution: Planetary Astronomy in the Development of Western Thought (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957).

[42] Thomas Samuel Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: The University of Chicago Press, 1962); Thomas Samuel Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, 2nd ed. (Chicago: The University of Chicago Press, 1970); Thomas Samuel Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, 50th Anniversary Edition (Chicago: The University of Chicago Press, 2012);

طوماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

[43] كون، ص 178؛

Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, pp. 90-91.

[44] Alexander Bird, “Thomas Kuhn,” Stanford Encyclopedia of Philosophy, 13/8/2004, accessed on 16/5/2026, at: https://plato.stanford.edu/entries/thomas-kuhn/#ConPar; Theodore Arabatzis, “The Structure of Scientific Revolutions and History and Philosophy of Science in Historical Perspective,” in: Alexander Blum et al. (eds.), Shifting Paradigms: Thomas S. Kuhn and the History of Science (Berlin: Max Planck Institute for the History of Science, 2017).

[45] Patrick Draper & Heidi Rzehak, “A review of Higgs mass calculations in supersymmetric models,” Physics Reports, vol. 619 (2016), pp. 1-24.

[46] الثقافة المادية للعلم (material culture of science) مفهوم أنثروبولوجي يُحيل إلى دراسة الأدوات والتجهيزات العلمية. ينظر:

Bernard Lightman (ed.), A Companion to the History of Science (Oxford: Wiley Blackwell, 2016), pp. 443-558.

[47] David Gooding et al. (eds.), The Uses of Experiment: Studies in the Natural Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 1989); Christian Licoppe, La Formation de la pratique scientifique: Le discours de l’expérience en France et en Angleterre (1630–1820) (Paris: La Découverte, 1996); Lorraine Daston & Peter Galison, Objectivity (New York: Zone, 2010).

[48] للمزيد عن مفهوم "الممارسة العلمية"، تُنظر فعاليات جمعية الدراسات في فلسفة العلوم من زاوية المُمارِسة (Society for Philosophy of Science in Practice)، في: https://philosophy-science-practice.org/

[49] James A. Secord, “Knowledge in Transit,” Isis, vol. 95, no. 4 (2004), pp. 654-672.

[50] Ian Maclean, “Foucault's Renaissance Episteme Reassessed: An Aristotelian Counterblast,” Journal of the History of Ideas, vol. 59, no. 1 (1998), pp. 149-166.

[51] يُنظر: حول مواقف هذا التيار البحثي مقالة إثنين من أعضائه هما ألكسندر وسميث، والتقييم النقدي الذي واجه به الفيزيائيان كوتفريد وويلسون بعض خلاصات "البرنامج القوي" وردود المعنيين بالنقد في ملف نشرته مجلة نيتشر (Nature):

Jeffrey C. Alexander & Philip Smith, “The Strong Program: Origins, Achievements, and Prospects”, in: Laura Grindstaff, Ming-Cheng M. Lo & John R. Hall (eds.), Handbook of Cultural Sociology (London: Routledge, 2010), pp. 13-24; Kurt Gottfried & Kenneth G. Wilson, “Science as a Cultural Construct", Nature, vol. 386 (1997): pp. 545-547; “Correspondence,” Nature, vol. 387 (1997): pp. 543-546.

[52] حول هذه الرؤية لتفسير المجادلات العلمية، يُنظر:

Sergio Sismondo, An Introduction to Science and Technology Studies (Chichester: Wiley-Blackwell, 2010), pp. 120-135.

[53] David Bloor, Knowledge and Social Imagery (Chicago: The University of Chicago Press, 1976, 1991).

[54] David Kaiser, “A Mannheim for All Seasons: Bloor, Merton, and the Roots of the Sociology of Scientific Knowledge,” Science in Context, vol. 11, issue 1 (1998), pp. 51-87.

[55] أعرب عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون (Raymond Boudon، 1934-2013) عن بعض هذه الانتقادات في:

Raymond Boudon, “Nouveau Durkheim? Vrai Durkheim?,” Durkheimian Studies, vol. 12, issue 1 (2007), pp. 137-148.

[56] Joyce Appleby, Lynn Hunt & Margaret Jacob, Telling the Truth about History (New York: Norton, 1995), pp. 283, 289.

[57] Steven Shapin & Simon Schaffer, Leviathan and the Air-pump: Hobbes, Boyle, and the Experimental Life (Princeton: Princeton University Press, 1985, 1989, 2014).

[58] يُنظر: الملف الآتي حول الكتاب في مجلة آيزيس:

 Isis, vol. 108 (2017): pp. 107-144.

[59] Crosbie Smith, The Science of Energy: A Cultural History of Energy Physics in Victorian Britain (Chicago: The University of Chicago Press, 1998).

[60] يُعلِن مبدأ حفظ الطاقة أن الطاقة بأشكالها المختلفة (الميكانيكية، والحرارية، والحركية، والكهربائية، والكيميائية، والكامنة) لا تخلق ولا تفنى بل تتحول من شكل إلى آخر؛ لذا فإن كمية الطاقة الإجمالية في الكون ثابتة. تستند صلاحية هذا المبدأ على تبرير تجريبي قوي منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر ولا توجد تجربة فيزيائية تعارضه. يُنظر:

Yousef Haseli, Entropy Analysis in Thermal Engineering Systems (Cambridge, MA: Academic Press, 2020).

[61] Michael Ruse, The Darwinian Revolution: Science Red in Tooth and Claw (Chicago: The University of Chicago Press, 1979).

[62] Adrian Desmond, The Politics of Evolution: Morphology, Medicine, and Reform in Radical London (Chicago: The University of Chicago Press, 1992).

[63] Gillian Beer, Darwin's Plots: Evolutionary Narrative in Darwin, George Eliot, and Nineteenth-Century Fiction (London: Routledge & Kegan Paul, 1983); Eve-Marie Engels & Thomas F. Glick (eds.), The Reception of Charles Darwin in Europe (London: Bloomsbury Academic, 2009).

[64] James Reeve Pusey, China and Charles Darwin (Boston: Harvard University Asia Center, 1983); Marwa Elshakry, Reading Darwin in Arabic, 1860-1950 (Chicago: The University of Chicago Press, 2013).

[65] Bruno Latour & Steve Woolgar, Laboratory Life: The Social Construction of Scientific Facts (Beverly Hills, Ca.: Sage Publications, 1979); Bruno Latour & Steve Woolgar, Laboratory Life: The Social Construction of Scientific Facts (Princeton, N. J: Princeton University Press,1987).

[66] يُنظر هذه الدراسة التقييمية للكتاب:

Joyce C. Havstad, “Forty Years after Laboratory Life,” Philosophy, Theory, Practice in Biology, vol. 12, no. 3 (2020), pp. 1-34.

[67] Lorraine Daston, “The History of Science and the History of Knowledge,” KNOW: A Journal on the Formation of Knowledge, vol. 1, no. 1 (2017). pp. 131-154; Renn, “From the History of Science to the History of Knowledge – and Back,” Centaurus, vol. 57 (2015): pp. 37-53.

[68] David Wootton, The Invention of Science: A New History of the Scientific Revolution (New York: Harper Collins, 2016), pp. 431-448, 476-508.

[69] Sven Dupré & Geert Somsen, “The History of Knowledge and the Future of Knowledge Societies,” Berichte Zur Wissenschaftsgeschichte, vol. 42, issue 2-3 (2019), pp. 186-199.

[70] Karine Chemla (ed.), The History of Mathematical Proof in Ancient Traditions (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); George Saliba, Islamic Science and the Making of the European Renaissance (Cambridge, MA: MIT Press, 2007).

[71] Katharine Park, “Rethinking the History of Western Science Narrative, Translation, and the Longue Durée,” paper presented at Fetishizing Science, Das Einstein Forum, Potsdam, 10/6/2016, at: https://acr.ps/hBy5Pav

[72] Patrick Petitjean et al. (ed.), Science and Empires: Historical Studies about Scientific Development and European Expansion (Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 1992).

[73] راجع كتاب ريوين كونيل، النظرية الجنوبية: علم الاجتماع والديناميات العالمية للمعرفة، ترجمة فاروق منصور (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020). نُشِر عرض للكتاب في: فارس أشتي، "دراسات متنوعة في إشكالياتها"، عمران، مج 10، العدد 35 (2021)، ص 191-201.

[74] حسب ما تنص عليه عبارة The West and the Rest. حول إعادة تركيب التاريخ العالمي على ضوء هذه العبارة، يُنظر كتاب المؤرخ البريطاني نيال فيرجسون (1964–) والنقد الموجه إليه في "مجلة لندن لعرض الكتب":

Niall Ferguson, Civilization: The West and the Rest (London: Penguin Books, 2011); Pankaj Mishra, “Watch this man,” London Review of Books, vol. 33, no. 21, 3 (2011) Online at: https://acr.ps/hBy5Om9 .

[75] Hamid Dabashi, Can Non-Europeans Think? (London: Zed Books, 2015); Hamid Dabashi, Europe and its Shadows: Coloniality after Empire (London: Pluto Press, 2019).

[76] يُنظر خاصة الكتاب الآتي لمؤرخ العلوم الأميركي داڤيد ليندبرغ (David C. Lindberg، 1935-2015):

David C. Lindberg, The Beginnings of Western Science: The European Scientific Tradition in Philosophical, Religious, and Institutional Context, 600 B.C. to A.D. 1450 (Chicago: The University of Chicago Press, 1992); David C. Lindberg, The Beginnings of Western Science: The European Scientific Tradition in Philosophical, Religious, and Institutional Context, 600 B.C. to A.D. 1450 (Chicago: The University of Chicago, 2007).

[77] تناقش المقالة الآتية جذور مقولة "الثقافة الغربية" وتبَيِّن أنها مقولة من مقولات الحرب الباردة، مثل تلك التي تعلن "من أفلاطون إلى النايتو" (from Plato to NATO):

Kwame Anthony Appiah, “There Is No Such Thing as Western Civilisation,” The Guardian, 9/11/2016, accessed on 18/5/2026.

[78] Roshdi Rashed, “The Notion of Western Science: Science as a Western Phenomenon,” in: The Development of Arabic Mathematics: Between Arithmetic and Algebra (Dordrecht/ London: Kluwer Academic, 1994), p. 333.

[79] رشدي راشد، "مقدمة عامة"، في: موسوعة تاريخ العلوم العربية، مج 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص 14.

[80] للمزيد حول هذه البحوث، يُنظر:

Pascal Crozet, “Les sciences arabes entre antiquité et âge classique.” paper presented at Les sciences arabes et la modernité classique en Europe. French Embassy in Syria. Damascus. 2–4/11/2002; Marwa Elshakry, “When Science Became Western: Historiographical Reflections,” Isis, vol. 101, no. 1 (2010), pp. 98-109; Rashed, “The notion of Western science,” pp. 332-349.

[81] راجع الملفين المواليين حول المراجعات الجارية لأعمال نيدام ونتائجها:34

Isis, vol. 110 (2019): pp. 91-136; Technology and Culture, vol. 60 (2019): pp. 553-624.

[82] Christoph Koerbs, “East and West: China in the Transmission of Knowledge from East to West,” in: Helaine Selin (ed.), Encyclopaedia of the History of Science, Technology, and Medicine in Non-Western Cultures (Dordrecht: Springer, 2008), pp. 712-717.

[83] للمزيد حول تقليد العلم العربي الكلاسيكي، يُنظر: محمد أبطوي، تاريخ العلوم العربية الكلاسيكية: بيبليوغرافيا نقديَّة مختارة (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2007).

[84] ذكره مؤرخ العلوم العربية عبد الحميد صبره، في: عبد الحميد صبرة، "لمحة في تاريخ العلوم عند العرب"، أصوات، السنة الثانية، العدد 6 (1962)، ص 80-92.

[85] Mohammed Abattouy, Jürgen Renn & Paul Weinig, “Transmission as Transformation: The Translation Movements in the Medieval East and West in a Comparative Perspective,” Science in Context, vol. 14, no. 1-2 (2001), pp. 1-12.

[86] Dag Nikolaus Hasse, Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016).

[87] راشد، "مقدمة عامة،" ص 15-16.

[88] مصطفى نظيف، الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية (مصر: مطبعة نوري، 1942-1943)؛ مصطفى نظيف، الحسن بن الهيثم: بحوثه وكشوفه البصرية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008). من مؤلفاته أيضًا كتاب: مصطفى نظيف، علم الطبيعة: نشوؤه ورقيه وتقدمه الحديث (القاهرة: مطبعة مصر، 1927)، الذي يُعدّ أول كتاب حديث بالعربية يبحث في تاريخ الفيزياء.

[89] للاطلاع على الموقع الإلكتروني للجنة، يُنظر: https://acr.ps/hBy5OFy

[90] للاطلاع على الموقع الإلكتروني للمعهد، يُنظر: https://acr.ps/hBy5OYX

[91] Sami Hamarneh, “An Editorial: Arabic-Islamic Science and Technology,” Journal for the History of Arabic Science, vol. 1, no. 1 (1977), pp. 3-7.

المحتويات

الهوامش