الموجز
التراث مفهوم يشير إلى ما تتوارثه الجماعات والمجتمعات من عناصر مادية وغير مادية، وترتبط به مفاهيم متعددة من بينها التاريخ والذاكرة والهوية، وهو ما يجعل التراث مصطلحًا شائكًا رغم شيوعه. تعود كلمة تراث لغويًّا إلى الجذر "ورث"، وهو في المعاجم العربية مرادف للإرث والميراث، مع الدلالة على الانتقال من دون تعب، بعكس الشراء. وقد ورد اللفظ في القرآن الكريم مرة واحدة. ويقابله في الإنكليزية: (Heritage)، وفي الفرنسية: (Patrimoine) المنحدر من اللاتينية بمعنى: إرث الأب.
اقترنت نشأة مفهومه الحديث في الغرب بالحداثة، إذ تحوّلت المجموعات الفنية الخاصة إلى ملك عام بعد مصادرة الثورة الفرنسية أملاك الكنيسة عام 1789، ثم ارتبط في القرن التاسع عشر بتعزز صعود القومية والدولة القومية، وبمفهوم الجماعة المتخيّلة عند أندرسون، وبالنزعة الرومانسية إلى الماضي والطبيعة، وباكتشاف الفولكلور والثقافة الشعبية الألمانية في أعمال الأخوين غريم، مما أسّس لاحقًا لمؤسسات وقوانين تعنى بالتراث.
توسع مجال التراث بالتدريج من الآثار الدينية والفنية النادرة، إلى العناصر الدنيوية البسيطة، إلى المعالم المنفردة، إلى المشهد الحضري الطبيعي الشامل، ومن التراث المادي إلى التراث غير المادي (اتفاقية 2003)، حيث انتقل التركيز من موضوع التراث بذاته إلى الجماعة الحاملة له، مع استحضار مفهوم الذاكرة الجماعية الانتقائية عند هالبفاكس.
صار التراث محورًا مهمًّا في الفكر العربي المعاصر، فارتبطت به إشكاليات الهوية والحداثة، وتبلورت فيه المقاربات الرئيسة الآتية: السلفية التقليدية، والاستشراقية، والمعاصِرة الناقدة عند محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وحسن حنفي، وغيرهم.
عُنيت منظمة اليونسكو الدولية باتفاقيات متصلة بالتراث، أبرزها اتفاقية التراث الثقافي والطبيعي لسنة 1972 القائمة على معياري: القيمة العالمية الاستثنائية والأصالة، واتفاقية التراث غير المادي لعام 2003 التي تركز على معيار الحيوية والتجدد المستمر دون الأصالة الثابتة.
تحوّل التراث من مفهوم ثابت هو الموضوع التراثي إلى السيرورة التراثية الاجتماعية الديناميكية التي تُضيفها جماعات على عناصر معينة وفق تغيرات الحاضر، فاكتسب بعدًا اقتصاديًّا متزايدًا ضمن الصناعات الثقافية، مع أخذ الحيطة من توظيفه سلبيًّا في خطابات الانغلاق وتجاوزات الذاكرة.
تشكّل المفهوم وسيرورته
التراث مصطلح يكتنفه الغموض على شيوعه بين النخبة والعامة، وفي الدوائر الأكاديمية ووسائل الإعلام والاتصال بأنواعها وفي الفن والسياحة والتسويق، حيث تتمدّد دلالاته وتتقلص بحسب السياقات التي يُستخدم فيها. ولعلّ ذلك راجع -إلى حدّ كبير- إلى وقوعه في دائرة التقاطعات بين مفاهيم أخرى مثل التاريخ والذاكرة والهوية والأصالة، واستخداماته في مقابل مفاهيم أخرى مثل الحداثة والمعاصرة والتجديد، إذ كثيرًا ما يرد في إطار من ثنائيات قائمة على التعارض بين الماضي والحاضر، وهو أمر لا يمكن تمثّله خارج المسار التاريخي للمفهوم الذي أفضى إلى توسيع مداه، بحيث صار يشمل موضوعات وتعبيرات لم تكن تنتمي إليه في الماضي.
التراث في الاستعمال اللغوي
ينحدر لفظ تراث من الجذر ورث، حيث انقلبت الواو تاءً. وتجعله المعاجم العربية القديمة مرادفًا للإِرْث والوِرْث والمِيراث، وهي مصادر تدلّ على ما يرثه الإنسان من أبويه من المال والنسب. و"وَرِثَه مالَه ومجدَه، وَوَرِثَهُ عنه وِرْثًا وَرِثَةً وَوِرَاثَةً وَإِرَاثَةً. وَرِثَ فلان أباه يَرِثُهُ وِرَاثَةً وَمِيرَاثًا ومَيراثًا (بفتح الميم). وأَوْرَثَ الرجل ولده مالًا إِيراثًا حسنًا. ويقال: وَرِثْتُ فلانًا مالًا أَرِثُه وِرْثًا وَوَرْثًا إذا مات مُوَرّثُك، فصار مِيرَاثه لك"[1].
ويضيف ابن منظور "والوِرْث والإِرْث والتُّرَاث والمِيراث: ما وُرِثَ، وقيل: الوِرْث والمِيراث في المال، والإِرْث في الحسب. وَوَرَّث في مال: أدخل فيه من ليس من أهل الوِرَاثة. وتَوارثْناه: وَرِثَه بعضنا عن بعض قِدْمًا. ويقال: وَرَّثْت فلانًا من فلان. أي: جعلت مِيراثه لي. وأَوْرَثَ الميت وارِثَه مالَه، أي: تركه له. التُّراث: ما يخلفه الرجل لورثته"[2]. وفي القرآن الكريم، جاء الفعل "ورث" في: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (النمل: 16)، ، و"يرث" في: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (مريم: 5، و6)، و﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: 11)، و"أورث" في: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ (غافر: 53)، و﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: 63).
كذلك جاء اسم الفاعل "الوارث" في: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (الأنبياء: 89)، و﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ و"ميراث" في: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ (آل عمران: 180). أما لفظ "تراث" على الخصوص، فقد جاء مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ (الفجر: 19).
وفي الحديث الشريف، تتردّد من "ورث" صيغ مختلفة مثل: "العلماء ورثةُ الأنبياءِ"، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، و"اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني"[3].
ومن الواضح من كلام اللغويين في الجذر اللغوي "ورث" التشديد على معنى الانتقال من موروث إلى وارث. ومن هذا المعنى تولّدت معانٍ تدور حول الأصل والقدم والإفادة التي تلتقي حول الدلالة على الانتقال والصيرورة والانتفاع دون تعب، وهي بذلك تختلف عن صور أخرى من الانتقال في الملكية مثل الشراء.
ويُلاحظ ندرة استخدام لفظ "تراث" في اللسان العربي العام مقارنة مع لفظ ميراث، رغم استخدامهما في بعض الأحيان مترادفين. وبصرف النظر عن درجة حضور هذا اللفظ في التداول اللساني عند القدامى وفقًا لمجالاته مثل الأدب والفقه، فإنّ المضامين الفكرية والثقافية لم تكن تمثّل جزءًا متأصلًا فيه. ومع ذلك، فإنّ فكرة النقل والانتقال بما تعنيه من التواصل، تظل إحدى أهمّ القواعد التي سيشيّد عليها مفهوم التراث لاحقًا بوصفه امتدادًا للماضي في الحاضر من خلال طائفة من الموضوعات والتعبيرات التي تنسب إليه.
المفكر العربي محمد عابد الجابري
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أما في الإنكليزية فيطلق على التراث لفظ (Heritage)، أي ما يتوارثه الإنسان وينقله إلى خلفه. أمّا في الفرنسية فتستخدم كلمة (Patrimoine) المنحدرة من العبارة اللاتينية (patrimonium) التي تعني حرفيًا: "إرث الأب"، وهي بذلك تحمل معنى الممتلك الفردي المرتبط "بالبنيات العائلية والاقتصادية والقانونية لمجتمع مستقر متجذّر في المكان وفي الزمان".[4] والكلمتان لا تكاد دلالتهما تتجاوز حدود المعنى العربي القديم لكلمة "تراث"، وفقًا لما لاحظه (1935-2010)[5].
وبصرف النظر عن الاختلافات بين العبارة العربية ومرادفاتها الأجنبية -وهي قليلة- فالتراث بوصفه مفهومًا يرتبط بالمجتمعات الحديثة والمعاصرة، وهو -بدلالاته المتداولة- مفهوم غربي توفرت له بيئة خاصة لينشأ وينمو فيها، قبل أن ينتشر ويصبح واحدًا من أكثر المفاهيم استخدامًا على النطاق الكوني. ولعل تجذره في طبيعة البيئات الاجتماعية والثقافية والحضارية التي ينتمي إليها هو الذي يفسّر اختلاف الأشكال التي يتخذها والقضايا التي يركّز عليها بين المجتمعات والثقافات على النحو الذي يمكن رصده في إطار المجتمعات العربية؛ إذ يمثّل التراث المدخل الرئيس لطرح جلّ القضايا الفلسفية والأخلاقية والسياسية التي يخوض فيها الفكر العربي المعاصر.
تشكّل المفهوم في الغرب
تشكّل التراث بوصفه مفهومًا في السياق الغربي الذي شهد تحولات اقتصادية واجتماعية وفكرية ودينية تمخّضت عن وعي تاريخي جديد أتاح قطيعة مع الماضي، ومن ثمّ، تخلّص من سيطرته قبل إعادة بنائه وتوظيفه، بحيث يمكن اعتبار التراث مقترنًا بالحداثة الغربية كما تبلورت ابتداء من القرن السابع عشر. على أنّ إرهاصاته تعود في أوروبا إلى العصر الوسيط حيث بدأت تظهر بعض الأفكار حول حفظ القطع الأثريّة الحاملة لقيم[6]. ولقد كانت الكنوز والقطع الفنية الخاصة والمكتبات الملكية والأميرية وأرشيفات المؤسسات الدينية والسياسية والمباني القديمة هي الأساس الذي انطلق منه الاهتمام بالتراث من خلال جمع القطع ذات القيمة الفنية والتاريخية وحفظها من التلف والضياع. غير أنّ المبادرة بإنشاء المجموعات الأرستقراطية الأميرية من التحف الفنية والقطع الأثرية النادرة، في فرنسا وإيطاليا في بداية عصر النهضة، ظلّت شأنًا خاصًا، إذ لم تشكل تراثًا جماعيًا (Patrimoine collectif)[7]. وسرعان ما ترسّخت فكرة التراث العام (Patrimoine public) تدريجيًا مع صعود البورجوازية خلال القرن الثامن عشر وظهور الدولة القومية باعتبارها تجسيدًا سياسيًا للإيديولوجيا القومية.
ولئن كانت القطع الأثرية قد اكتسبت صفة التراث بعد إدراجها ضمن مجموعات فنية خاصة وفقًا لمنطق خاص بالنظر إلى ارتباطها بالانتقال داخل العائلة بصفتها ميراثًا، فإنّ جرد ممتلكات رجال الدين والنبلاء التي صادرتها الدولة، قد أرسى مبدأ الحفاظ على الأعمال الفنية نظرًا لقيمتها عند الأمّة كلّها. وهكذا، ظهر في فرنسا المعنى المشترك والعام للتراث في عام 1789، حين أمّمت الجمعية التأسيسية الوطنية ممتلكات رجال الدين وأسست فكرة المِلك العمومي.
ثم اتّسع هذا المعنى الجديد ليشمل أصنافًا من الممتلكات الفنية والمعمارية والتاريخية العامة. ولئن أفضى ذلك إلى اتساع مجال الموضوع التراثي، فإنّه قد ظلّ محكومًا بمنطق الملكية الجماعية لهذا الرصيد الموروث الذي لم تعد أهميته تنحصر في قيمته المادية فحسب، وإنما اتّسعت إلى ما يمثّله من دلالات ثقافية في علاقة بتاريخ الأمّة وحاضرها. ومن ثمّ، ارتبط اكتشاف التراث في القرن التاسع عشر بتنامي الشعور القومي ومشروع الدولة القومية في أوروبا التي نشأت بديلًا من الدولة الإقطاعية والملكية العتيقة، واستخدم التراث لإثبات وجود هوية خاصة ممتدة عبر الزمان، ولإذكاء الشعور بالانتماء باعتباره شرطًا لاستمرار هذا الكيان الجمعي بالنظر إلى أنّ الأمّة لا تحكمها الاعتبارات المادية فقط، وإنّما هي "جماعة متخيلة" بتعبير بندكت أندرسون (Benedict Richard O'Gorman Anderson، 1936 -2015)[8]،
ذلك أنّ أفراد أي أمة "لن يمكنهم قط أن يعرفوا معظم نظرائهم، أو أن يلتقوهم، أو حتى أن يسمعوا بهم، مع أنّ صورة تشاركهم تعيش حية في ذهن كل واحد منهم"[9].
وضمن هذا المناخ الموسوم بالنزعة القومية، جاء اكتشاف الثقافة الشعبية على يد مجموعة من المثقّفين الألمان نهاية القرن التاسع عشر"[10]، إذ اعتبرت الثقافة الشعبية وسيلة لتجسيد الوحدة القومية التي كانت متعثرة سياسيًا بعدما شحنتها بمحتويات أنثروبولوجية استُثمرت لتأكيد وجود كيان اجتماعي واحد له حدوده الثقافية التي تتطابق مع حدوده الترابية والسياسية، "فباسم ثقافة شعبية موهومة خاضت القومية فتوحاتها"[11].
وقد وفّرت النزعة الرومانسية التي ظهرت في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر ثمّ انتعشت بداية القرن التاسع عشر البيئة الفكرية والنفسية الملائمة لتشكّل مفهوم التراث، وذلك عبر دعوتها إلى العودة إلى الطبيعة، بوصفها مصدر سكينة وإلهام، وإلى الماضي باعتباره أكثر أصالة وروحانية من الحاضر. فقد غذّت هذه النزعة الشعور بالحاجة إلى استعادة هذا المخزون الطبيعي والثقافي الذي يشكّل جوهر التراث. فإذا أُخذ مثال الطبيعة، وجد أنها لم تحظ بالاهتمام والتمجيد بمثل ما حظيت به عند الرومانسيين من الأدباء والفنانين، إنها لم تكن عندهم شكلًا أو موضوع دراسة وتأمل فحسب، بل كائنًا مفعمًا بالأحاسيس والحياة، فكان لهم الفضل في الشعور "بأنّه يتعيّن علينا إعادة التعرّف على الطبيعة بغية التعرّف على طبيعتنا نحن"[12].
أمّا على الصعيد الثقافي، فمن المعروف ما أضفاه الرومانسيون على الماضي من مسحة مثالية ممزوجة بالحنين إليه دفعت بهم إلى الارتداد نحو الأساطير والحكايات والتقاليد الشعبية المرتبطة بحياة كانت في نظرهم أكثر بساطة وقربًا من الطبيعة.
كذلك، فقد برزت في الأثناء مصطلحات ومفاهيم أخرى خاصة باكتشاف ثقافة الشعب لعلّ من أهمها الشعر الشعبي في ألمانيا (Volks poesie)، والغناء الشعبي (Volkslied)، والحكايات الشعبيّة، وهي جميعها تتقاطع، وتتطابق أحيانًا، مع مفهوم الفولكلور الذي أرسى معالمه عالم الآثار الإنكليزي وليام جون تومز (William John Thomson، 1771-1845) بعد أن أرسل خطابًا إلى إحدى المجلات المهتمة بنشر غرائب الروايات والطرائف يطلب فيه تبنّي مصطلح "فولكلور" بدلًا من مصطلح "الآثار الشعبية" الدارجة الذي كان مستعملًا حينئذٍ.
ضمن هذا السياق الفكري والسياسي، انطلقت حركة لجمع مأثورات الشعب، سرعان ما اتّسع مداها الجغرافي على النحو الذي وجد في عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما الشمالية منها، مثل القصص الشعبية التي جمعها الأخَوان غريم (Brüder Grimm: يعقوب 1785-1863، فيلهلم (1786-1859 في ألمانيا، وشرعا في نشرها منذ مطلع القرن التاسع عشر. ولم تبقَ حركة الجمع والتوثيق تلك مقتصرة على التقاليد الشفاهية، بل باتت موضوعاتها تشمل مختلف حقول الثقافة الشعبية والتراث الشعبي مثل الأزياء والحرف والصنائع والعادات الغذائية.
وما إن بدأت فكرة الأهمية الثقافية لإرث الماضي نسبة إلى الحاضر تترسخ وتخرج من دائرة النخب لتصبح مطلبًا مجتمعيًا، حتى أخذت تتبلور ممارسات تقنية وقانونية وإدارية واقتصادية جديدة حول استخدام هذا التراث، نشأت معها المتاحف وتقنيات الحفظ والترميم والأرشفة الخاصة بالقطع الأثرية ومفاهيم جديدة متعلقة بحماية التراث وحفظه وتثمينه، بما تولّد عنه ظهور قوانين ومؤسسات وسياسات تعنى بالتراث الذي لم يعد مقولة نظرية عامة فحسب، وإنّما حقيقة مركّبة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية وقانونية.
توسيع المجال التراثي
إنّ تعدد أصناف التراث يعكس ما شهده المفهوم من تطوير مستمرّ كان دائمًا يسير في اتجاه توسيع مداه؛ لتنضاف إليه كلّ مرة تعبيرات لم تكن مدرجة فيه. ويمكن ملاحظة هذا التوسع من خلال تمدّد مداراته على أصعدة مختلفة:
لقد كانت المعالم الدينية والقطع الفنية التاريخية المرتبطة بها تستأثر في البداية بالاهتمام في تحديد ماهية التراث، لكن الآثار والأشياء الدنيوية ذات القيمة الخاصة -مع مرور الوقت- صارت تؤخذ في الحسبان في تحديد الموضوع التراثي، والقاعدة المتبعة في ذلك هي الأصالة والندرة. وقد هيمنت هذه الفكرة على المفهوم الكلاسيكي للتراث من خلال التركيز على الأعمال الفنية والمعمارية التاريخية ذات القيمة الاستثنائية، وهو أهم المعايير المعتمدة في التسجيل ضمن قائمة التراث الطبيعي والثقافي العالمي لليونسكو. غير أن هذه الرؤية الهرمية للثقافة ما فتئت تتعرض لنقد متزايد تبلور معه اتجاه نحو إعادة الاعتبار للأشكال البسيطة المألوفة من التراث الأثري والمعماري والعمراني، فكان الانصراف نحو العناية بمعاصر الزيت والمساكن الريفية والحضرية التقليدية والمعابد الصغيرة والمنشآت المائية العتيقة والحدائق والساحات العامة وحتى المباني البسيطة المعبّرة عن العمارة التقليدية المحلية، بما يعني التخلّص من السلطة الحصرية "للثقافة الرفيعة"[13]، ثم لم يعد ينظر إلى المعلم التاريخي أو الموقع الأثري أو الطبيعي منفصلًا عن الوسط الذي يقع فيه، بما أنتج مفاهيم تعتمد نظرة شمولية مثل المشهد الحضري والمشهد الطبيعي، فبعد هيمنة مفهوم المعلم التاريخي الذي ظهر في القرن التاسع عشر، انتقلنا إلى نظرة شاملة يحضر فيها المعلم ضمن الفضاء المحيط به في إطار مشهد حضري أو مشهد ثقافي حسب طبيعته وتموقعه.
أما على مستوى الخلفية التاريخية، فقد اختزل شرط الأقدمية الزمنية في اعتبار هذا الموضوع أو ذاك تراثًا، وذلك بعد الخروج من دائرتي ما قبل التاريخ والتاريخ القديم للوصول إلى الفترتين الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي أحدث منعرجًا في مسار التعامل مع التراث الذي غدا يغطّي حقائق شديدة التنوّع إلى حدّ التناقض فيما بينها، فخُص كلّ منها بمصطلح مركب جذره المشترك هو التراث، مثل: التراث الصناعي[14] والتراث الحضري[15] والتراث الريفي والتراث الواحي وغيرها.
ويتّضح هذا التحول الهائل بجلاء في الانتقال من التراث المادي الطبيعي والثقافي إلى التعبيرات الرمزية التي يكون جانبها الملموس ثانويًا أو محدودًا، وهو ما بات يعرف بالتراث الثقافي غير المادي الذي تبلور في إطار . والواقع أن ليس ثمّ جديد في طبيعة الموضوعات الملحقة بالتراث غير المادي، فقد كانت تدخل، كليًا أو جزئيًا، ضمن مقولات الفولكلور والثقافة الشعبية والمأثورات الشعبية والفنون والتقاليد الشعبية[16]، غير أن المهمّ هو الانتقال من التركيز على الموضوع التراثي في حدّ ذاته إلى الذوات الاجتماعية الحاملة لهذا الموضوع الذي بات لا يستمدّ صفته بوصفه تراثًا من أي تحديد خارجي باسم سلطة المعرفة العلمية أو أيّ مرجعية فنية أو إدارية أو غيرهما، وإنّما من الجماعة أو المجموعة الحاملة لهذا العنصر التراثي أو ذاك، ومن ثمّ أمست المجموعة البشرية هي التي تحدّد التراث الذي تعدّه ملكًا لها ويميّزها من غيرها، بصرف النظر عمّا إذا كان ذلك صحيحًا من وجهة نظر تاريخية، لأن العملية هنا تخضع لفعل الذاكرة الجماعية التي هي انتقائية بطبيعتها كما صار معروفًا مع موريس هالبفاكس (Maurice Halbwachs، 1877-1945). وبذلك، يُسجّل التحوّل نحو مفهوم ذاتي للتراث ينطوي على شحنات عاطفية تنفلت من صرامة التاريخ.
التراث في الفكر العربي المعاصر
يُعدّ مفهوم التراث من أهمّ المفاهيم المركزية التي لوّنت الفكر العربي الحديث والمعاصر، منذ أواخر القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين. بل إنّ نشأة هذا الفكر في الأصل قد اقترنت بالبحث في مسألة التراث التي لا تبدو جذوة النقاش حولها قد خمدت، فهي لا تفتأ تتجدّد بأشكال مختلفة، وكأن هذا الفكر العربي ما يزال يراوح مكانه. ولقد كان البحث في التراث بدءًا من عصر النهضة هو المدخل لمعالجة القضايا المركزية التي أضحت تواجهها الثقافة العربية، من هنا كان اقترانه بإشكاليات الهوية والغيرية والحداثة والمعاصرة والديموقراطية وغيرها، ولعلّ ذلك مرتبط بصدمة الحداثة وبظاهرة الاستعمار والهيمنة الغربية بأبعادها جميعها التي باتت تشكّل السياق العام لوجود المجتمعات العربية، في الوقت الذي ظلّ فيه مجد الماضي -وهو غير معروف بما يكفي- يلاحق الوجدان العربي في السرّ، "لكونه مرجعًا حيًا يسكن الحاضر"[17].
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
هذا التواصل التاريخي الذي يتحوّل فيه الحاضر إلى ضرب من الامتداد للماضي يجعل من التراث حقيقة فكرية وأنثروبولوجية ونفسية تدرك وتعاش بصيغة تختلف جوهريًا عن المفهوم الغربي للتراث. وقد ظهرت عبارة التراث في كتابات المفكرين والباحثين العرب الذين كان تركيزهم في البداية على المعارف الفلسفية والدينية والآداب اعتمادًا على المصادر المكتوبة، بحيث أُوّل التراث واختزل في التراث المكتوب الفكري والديني واللغوي والأدبي أساسًا، وذلك قبل أن يتمدّد مع توسّع دراسته لتشمل المعارف الاجتماعية والإنسانية الحديثة مثل علوم التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع واللسانيات والعمارة، وهو ما جعل التراث حقل بحث مترامي الأطراف تتلاقى فيه معارف ومقاربات مختلفة تتراوح بين الكلاسيكية والحديثة.
ويمكن أن تميّز في العموم ثلاث مقاربات للتراث:
المقاربة التقليدية السلفية: نجدها عند العلماء السلفيين الذين يعدّون التراث جوهرًا ثابتًا يتعالى على التاريخ، ويدافعون باستماتة عن استيعابه كما هو، أي بوصفه نموذجًا يتعيّن التشبّث به والوفاء له على أساس أنّه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها، من هنا جاءت مقولة "إحياء التراث" بوصفها حلًا لإشكاليات الحاضر.
المقاربة الاستشراقيّة: هي تلك التي أنتجت من خارج نسق الثقافة العربية على يد مجموعة من المستشرقين والباحثين المرتبطين بالمشروع الاستعماري، الذين وإن كان لبعضهم فضل في إعادة اكتشاف روافد مهمة من التراث العربي، مثل التصوف، فإنّ كثيرًا منهم كان منخرطًا -تحت تأثير إيديولوجيا المركزية الثقافية الأوروبية- في تصفية حساب إيديولوجي تاريخي مع الثقافة العربية الإسلامية؛ إذ بلغ بهم الأمر إلى أن ينفوا عنها أهمّ سمات الثقافة، وهي الخيال والإبداع والتجريد والتركيب، فكان أن أنكر بعضهم وجود فلسفة إسلامية وأساطير حقيقية تعكس قدرة العرب على التجريد. وفي الواقع ثم كثير من الصور النمطية الشائعة عن التراث العربي هو من تأثيرات هذا الاتجاه الاستشراقي الذي اخترق حتى كتابات عدد من الباحثين العرب، ووجّه ما يقوله العرب وينتجونه من "تراثهم" في الأعمال الفنية والخطابات الإعلامية وغيرها، بحيث تعكس هذه المقاربة "مظهرًا من مظاهر التبعية الثقافية، على الأقل على صعيد المنهج والرؤية"[18].
الكتابات المعاصرة المرتبطة بالقراءات التاريخانية واللسانية والبنيوية والأنثروبولوجية والفلسفة: تتميّز باستخدام مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وتتباين فيها الرؤى والمواقف المتعلقة بالتراث تباينًا لا حصر له على النحو الذي نلحظه من الاختلاف العميق بين حسين مروة (1910-1987)، وطيب تزيني (1934-2019)، وعبد الله العروي (1933-)، وزكي نجيب محمود (1905-1993)، وأدونيس (1930-)، وحسن حنفي (1935-2021)، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون (1928-2010)، وعلي زيعور (1937-2026)، وغيرهم. وإن كان جميعها قد أسهم في تراكم معرفي مهمّ حول التراث، برفع القداسة عنه، وتفكيك جملة الإشكاليات الفكرية التي ينطوي عليها، مع التركيز على ما يحمله من شحنات وجدانية، وما يخضع له من اعتبارات أيديولوجية تتحكّم في استخداماته، ولعلّ في ذلك تكمن إحدى خصوصيات المفهوم العربي المعاصر للتراث، إذ يعكس جملة القضايا والتحديات الفكرية والدينية والسياسية لمعيش المجتمعات العربية.
صياغة التراث في الاتفاقيات الدولية
لم يعد التراث شأنًا مجتمعيًا خاصًا بمن يحملونه من الذوات الفردية والجماعية، وإنّما أضحى يندرج ضمن شبكة معقدة من الهيئات الوطنية والإقليمية والدولية على غرار منظمة اليونسكو التي أخذت مكانها بوصفها أكبر مرجعية دولية في حقل التراث. هذا، ولا يكاد يُعثر على تعريف واحد شامل للتراث، وإنّما تعريفات مختلفة بحسب المجالات، فثَم تعريف معتمد للتراث الثقافي والطبيعي، وتعريف للتراث الثقافي غير المادي، وآخر للتراث المغمور بالمياه، وذلك في إطار مجموعة من اتفاقيات اليونسكو، سبع منها على صلة وثيقة بمجال الثقافة والتراث وحقوق المؤلف، وهي[19]:
وتعدّ اتفاقيتا 1972، و2003 الأكثر شهرة وتأثيرًا في صياغة المفهوم العالمي للتراث، وتهدف الاتفاقية الأولى التي تُعرف أيضًا باسم اتفاقية التراث العالمي إلى المحافظة على المواقع الثقافية والطبيعية (الممتلكات) ذات القيمة العالمية الاستثنائية، وقد صادقت غالبية الدول الأعضاء في اليونسكو[20] على هذه الاتفاقية التي ذاع صيتها بفضل قائمة التراث العالمي الخاصة بها. أما اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003)، المعروفة أيضًا باتفاقية التراث غير المادي، فتهدف إلى صون التراث الثقافي، ويلاحظ في صيغة اسمها استخدام عبارة صون بدل كَلمتي "حماية" و"حفظ" اللتين نجدهما في اتفاقية 1972 تأكيدًا لخصوصية هذا الصنف الحي من التراث الذي لا يحتمل التجميد، لأنه متطوّر بطبيعته.
ويشمل مفهوم التراث في اتفاقية 1972 صنفين من التراث:
أوّلًا: التراث الثقافي، ويتمثّل في:
- المعالم: الآثار المعمارية والتماثيل والنقوش والكهوف ومجموعات من العناصر ذات القيمة الاستثنائية من وجهة نظر التاريخ والفن والعلم.
- المجموعات: المباني والآثار والمواقع والقرى والمدن والمواقع الأثرية والمستوطنات.
- المواقع: الأعمال البشرية أو الأعمال المشتركة بين الإنسان والطبيعة، بالإضافة إلى المواقع الأثرية التي لها قيمة تاريخية أو فنية أو إثنولوجية أو أنثروبولوجية استثنائية.
ثانيًا: التراث الطبيعي، ويضمّ:
- المعالم الطبيعية: التشكيلات الجيولوجية والفيزيوغرافية والمناطق الطبيعية ذات القيمة الاستثنائية من وجهة نظر العلم والجمال الطبيعي.
- الموائل: مناطق الحياة البرية والحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض والتي تعدّ ذات قيمة عالمية استثنائية.
- المواضع: المناطق الطبيعية التي تحتوي تنوعًا بيولوجيًا استثنائيًا أو المهددة بالانقراض.
غير أن ثم أشكالًا أخرى من التراث المادي وضعت خارج إطار اتفاقية عام 1972 ضمن اتفاقيات وبرامج ومرجعيات خاصّة مثل: التراث المنقول المتعلق بالمجوهرات القديمة، واللقى المكتشفة في المقابر، والقطع الفنية في المعابد، وغيرها من المنحوتات الحجرية ومن المباني التاريخية والأعمال الفنية جميعها[21]، من دون صرف النظر عن التراث الصناعي والتراث الوثائقي والتراث المغمور بالمياه الذي خصّ هو الآخر باتفاقية.
أمّا اتفاقية عام 2003 فتعنى بصون التراث الثقافي غير المادي الذي يعرّف فيها بكونه "مجموع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات –وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية– التي تعتبرها الجماعات وأحيانًا الأفراد، جزءًا من تراثهم الثقافي"، وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلًا عن جيل، تبدعه الجماعات من جديد على نحو مستمر بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو يُنمّي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، فيعزز من ثمّ احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية، ولا يؤخذ في الحسبان أغراض هذه الاتفاقية سوى التراث الثقافي غير المادي الذي يتفق مع الصكوك الدولية القائمة والمتعلقة بحقوق الإنسان، ومع مقتضيات الاحترام المتبادل بين الجماعات والمجموعات والأفراد والتنمية المستدامة"[22]. ومجالاته الآتية:
- التقاليد وأشكال التعبير الشفوي، بما في ذلك اللغة باعتبارها وسيلة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي.
- فنون أداء العروض وتقاليده.
- الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات.
- المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.
- المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.
والأمر يتعلّق بتعريف إجرائي توافقي (Conventionnel) باعتبار ارتباطه باتفاقية دولية يقتضي الانضمام إليها مصادقة رسمية من الحكومات، رغم التشديد على دور الجماعات والمجموعات والأفراد فيها، فلا يؤخذ في الحسبان في هذا التعريف سوى تلك العناصر التي تتوافق مع "الصكوك الدولية القائمة والمتعلقة بحقوق الإنسان ومع مقتضيات الاحترام المتبادل بين الجماعات والمجموعات والأفراد والتنمية المستدامة"[23]، فإذا كان كلّ ما هو ثقافي مقبولًا من وجهة نظر أنثروبولوجية، فإن المقصود هنا تحديد حصري قائم على الانتقاء والإقصاء. غير أن من المهمّ الإشارة إلى تبني رؤية مناهضة للمدرسة التطورية التي كانت تنظر إلى هذا الموروث على أساس مقولة "رواسب الماضي"، من دون اكتراث بمسارات إعادة إنتاجه والإبداع فيه، ما أدّى إلى متحفة الذاكرة الشعبية بتحويل عناصرها إلى شواهد على الماضي فحسب، تمامًا مثل البقايا الأثرية، أكثر من كونها عنصرًا فاعلًا في الواقع.
مقارنة بين اتفاقيتي التراث الثقافي والطبيعي واتفاقية التراث غير المادي
الأصالة والسلامة
إذا كانت الأصالة والسلامة تعدان من أهمّ المعايير المعتمدة في اتفاقية عام 1972، فإنّ الأمر يختلف تمامًا عند اتفاقية عام 2003. ومصطلح الأصالة الذي ينطبق على التراث المادّي لا أهمية له عند تحديد التراث غير المادي وصونه، لأن التراث غير المادي يُبدع ويُجدد باستمرار، وهو من ثمّ "تراث حيّ"، ويجب أن يظل حيًا.
كذلك، فإن اتفاقية التراث غير المادي لا ترمي إلى الاعتراف بطريقة أصيلة واحدة أو أنموذج واحد للتعامل مع عناصر التراث الثقافي غير المادي أو نقلها، بل إنها لا تشجّع الأنشطة التي قد تؤدي إلى تجميد عناصر التراث الثقافي غير المادي، ذلك أن التراث غير المادي يؤدّى دائمًا وبطرق مختلفة بعض الشيء، فيتغيّر ويتكيّف مع التغيّرات في البيئة الاجتماعية والاقتصادية والطبيعية، ومن ثمّ فإنّ قيمته تكمن في تعدّد صيغ ممارسته وتنوّعها.
القيمة العالمية الاستثنائية
يتمثل المعيار الرئيس للإدراج في قائمة التراث العالمي في توفّر "القيمة العالمية الاستثنائية"، في حين ينبني الإدراج في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية في المقام الأول على وظائف التراث الثقافي غير المادي عند الجماعات والمجموعات والأفراد الذين يمارسونه، وما يحمله من دلالات ثقافية عندهم في حاضرهم.
واستنادًا إلى ذلك، لا يمكن المفاضلة بين عناصر التراث الثقافي غير المادي على أساس من الترتيب الهرمي، وحتى العناصر التي تجد طريقها إلى التسجيل في إحدى قائمتي اتفاقية عام 2003 أو المشمولة في قائمة حصر لا تحمل أيّ أفضلية خاصة أو نوعًا من العلامة التمييزية.
من الموضوع التراثي إلى السيرورة التراثية
إن تاريخ مفهوم التراث هو تاريخ توسّع مجالاته، وهي ما فتئت تتّسع حتى بات من المتعذّر وضع لائحة مغلقة بالعناصر التي تنتمي إليها، فقد أمسى التراث ملمحًا عامًا، تتعدّد تعبيراته، بيد أن القطاعات ومظاهر الحياة جميعها تتقاسمه، إذ لكل منها تراثه: الفنون والتربية والتعليم والزراعة والصناعة والرياضة والطعام والأزياء والعطور والسيارات وغيرها، وكل شيء تقريبًا هو نظريًا قابل لأن يصبح تراثًا، حتّى نشأ مصطلح التضخم التراثي (Inflation patrimoniale) [24]. وصار التراث صيغة عامة مفردة، لكنها تحيل على الجمع؛ بالنظر إلى تعدّد الحقائق التي تحيل عليها، لا على صعيد طبيعة المجالات المرتبطة بها فقط، وإنّما أيضًا على مستوى درجة التصنيف المعتمدة في ذلك: تراث محلي، وتراث وطني، وتراث إقليمي، وتراث عالمي.
وقد قاد ذلك إلى ظهور مقاربات جديدة راح فيها الاهتمام يتخلّص من هيمنة الموضوع التراثي بوصفه ماهية ذات وجود مستقلّ عن الوعي بها من عدمه، لينفتح على الذات المرتبطة به، على أساس أنه لا وجود لشيء يمكن اعتباره تراثًا بطبيعته، وإنّما يكتسب هذه الصفة عبر الفعل البشري سواء أكان فرديًا أم جماعيًا، ومن ثم فالتراث ما هو إلّا مقولة اجتماعية تعبّر عن ضرب من الوعي والإرادة في سياق معيّن، وإذا كان للتراث من قيمة ودلالة، فيتعيّن البحث عنهما خارج الموضوع التراثي، لأنّ المجتمع هو المنتج الحقيقي للمعنى، وعليه لم يعد مطروحًا كثيرًا التساؤل عن الموضوع التراثي وكأنّه يمثل خصائص جوهرانية منفصلة عن الإنسان، وإنّما المطلوب البحث فيما يجري في الجماعات والمجموعات من ديناميات تفضي إلى إضفاء صفة التراث على عدد من الموضوعات في إطار ما صار يعرف بالسيرورة التراثية التي تعني سيرورة اجتماعية، يتمكن من خلالها فاعلون اجتماعيون من إعطاء موضوع ما أو فضاء أو ممارسة اجتماعية جملة من الخصائص والقيم التي يُتوافق بشأنها ويُعترف بها، ثمّ يُنقل الضروري منها لضمان استمرارها بصفتها تلك[25].
ومن البدهي أنّه لا يمكن تمثّل مسار مفهوم التراث واستخداماته خارج سياق العولمة وتسارع التطورات التكنولوجية مع الثورة الرقمية، بما دفع إلى نوع من التوحيد والنمذجة يمسّ الهويات والانتماءات التقليدية[26]، بحيث يتجلّى التراث بفضل شحنته التاريخية، سواء أكانت حقيقية أم موهومة، عامل استقرار وتثبيت يمنح الشعور بالاستمرارية، كما وجد ذلك مضمّنًا في تعريف التراث الثقافي غير المادي المشار إليه آنفًا، إذ يكون حفظ التراث "حفظًا للنظام الرمزي لمجتمعاتنا الحديثة"[27]، وكثيرًا ما يمنح هوس الأصالة، والبحث عن مصدر ما لكل قيمة، والرجوع إلى القديم شعورًا باستعادة التوازن[28]، في نوع من الترميم الرمزي للذات.
غير أن التراث لا يكون دائمًا على هذه الصورة المثالية، وكأنّه ردّ فعل لاعقلاني على مسار جامح من العقلانية والفردانية وثقافة الاستهلاك فحسب، وإنّما هو أيضًا يحمل دلالة منفعية متنامية بوصفه قيمة اقتصادية، لا من خلال الوظيفة الاقتصادية للعديد من عناصره وأشكاله، مثل المواقع الأثرية والمعالم التاريخية والحرف والأطعمة والأزياء والموسيقا التقليدية، والمؤسسات والفعاليات المرتبطة بها، مثل المتاحف والفضاءات السياحية والأسواق والمهرجانات فحسب، بل بوصفه نوعًا من العلامة التي تمنح قيمة مضافة لأي منتج صناعي أو زراعي أو غذائي، يدخل بفضلها في صلب المنطق الاقتصادي الذي لا يتردّد في إدراج جوانب كثيرة من هذا التراث ضمن ما بات يعرف بالصناعات الثقافية والإبداعية. ولعلّ هذا المضمون النفعي للتراث هو من أسباب تطوير ترسانة قانونية حوله، واحتدام النقاش بشأن الملكية الفكرية المتعلقة به.
لا يعبّر التراث عن حقيقة موضوعية مطلقة، رغم محاولات ضبط حقوله وحصر عناصره لإدراجها في سجلات وقواعد بيانات خاصّة، وقد أمسى ذلك معلومًا في الاشتغال التقني بالآثار القديمة والتراث المعماري والتراث غير المادي وغيرها، إذ يتحول إلى جداول ولوائح ومدونات. غير أنّه يرتكز على عملية تأويل يُعاد فيها اكتشاف الماضي ويُركّب وفقًا لرهانات الحاضر، وبآليات انتقائية تعكس تصوّرات ومفاهيم تظل دائمًا نسبيّة، ومن ثم فإن التراث يتجاوز مظهره باعتباره مجموعة من الممتلكات المادية وغير المادية المتوارثة ليمثّل خطابًا لذاكرة جماعية أو مجتمع ما يتضمّن سردية عن تاريخهما وصورة لهويتهما، إذ لا يوجد فيه إلّا ما يودعانه فيه من القيم والمعاني، وما يمنحانه من الوظائف، لذلك تختلف أهميته بين الثقافات حسب السياقات التاريخية والسوسيولوجية، وإذا كان هذا التراث ينتعش ليؤلف مصدر ديناميكية مجتمعية في حالات عدة، فإنّه يموت في صمت في حالات كثيرة أخرى. وفي الوقت الذي يسهم فيه في تحقيق الاندماج الاجتماعي وتغذية الشعور بالانتماء داخل المجتمع الواحد، على غرار ما يبدو في تجارب مختلفة، فهو يتجلّى أحيانًا في شكل سرديات منغلقة، مترعة بالماضي، نافية للآخر، في سياق ما سمّاه بعض الباحثين "تجاوزات الذاكرة"[29]، أي الانحرافات الناتجة من إساءة استخدامها[30]، وهو ما يدعو إلى الحذر في التعامل مع التراث درءًا لخطابات الانغلاق وصراع الذاكرة والهويات، وتكريسًا لروح التواصل بين الجماعات والمجتمعات والثقافات على قاعدة المشترك الإنساني، بصرف النظر عمّا يحمله مظهرها الثقافي من اختلاف وتعدّد، لأن الإرث الإنساني في جوهره قائم على هذا التنوّع الثقافي.
المراجع
العربية
أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. طبعة منقحة ومزيدة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
الجابري، محمد عابد. نحن والتراث: دراسات ومناقشات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.
جعيط، هشام. أزمة الثقافة الإسلامية. بيروت: دار الطليعة، 2004.
العروي، عبد الله وعبد القادر الفاسي ومحمد عابد الجابري. المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية. سلسلة معالم. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986.
ابن منظور، جمال الدين محمد. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1414هـ/ 1993م.
هياجنه، هاني. صون التراث الثقافي غير المادي: الآفاق والتحديات. الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2015.
اليونسكو. النصوص الأساسية، اتفاقية عام 2003، صون التراث الثقافي غير المادي. باريس: اليونسكو، 2020.
الأجنبية
Amougou, Emmanuel et al. (sous la direction). La question patrimoniale: de la patrimonialisation à l'examen des situations concrètes. Paris: L'Harmattan, 2004.
Andrieux, Jean-Yves. Le patrimoine industriel. Paris: Presses Universitaires de France, 1992.
_______. Patrimoine et histoire. Paris: Belin, 1997.
Babelon, Jean-Pierre & André Chastel. La notion de patrimoine. Paris: Liana Levi, 1994.
Bourdin, Alain. Le patrimoine réinventé. Paris: Presses Universitaires de France, 1984.
Burke, Peter. Popular Culture in Early Modern Europe. Farnham: Ashgate Publishing Limited, 2009.
Gellner, Ernest. Nation et nationalisme. Paris: Payot, 1994.
Grange, D.-J. & Poulot, D. L'esprit des lieux: le patrimoine et la cité. Colloque international, Conservatoire d'Art et d'Histoire, Annecy, septembre 1995, organisé par le CRH de l'Italie et des pays alpins. Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 1997.
Heinich, Nathalie. La fabrique du patrimoine: de la cathédrale à la petite cuillère. Ethnologie de la France 35. Paris: Éditions de la Maison des Sciences de l'Homme, 2009.
Jeudy, Henri-Pierre. La monarchie patrimoniale. Paris: Sens & Tonka, 2001.
Lacaze, Jean-Paul. Les méthodes de l'urbanisme. Que sais-je ?. Paris: Presses Universitaires de France, 2018.
Morin, Edgar. La Méthode. t. I, La nature de la Nature. Paris: Seuil, 1977.
Ricœur, Paul. La Mémoire, l'Histoire, l'Oubli. Paris: Le Seuil, 2000.
Todorov, Tzvetan. Les abus de la mémoire. Paris: Arléa, 1995.
_______. Les abus de la mémoire. Paris: Arléa, 2004.
UNESCO. Legal texts on UNESCO Conventions. Consulté le 9 juin 2026, disponible sur: https://acr.ps/hBy2t9I
[1] يُنظر حرف الثاء فصل الواو، في: جمال الدين محمد بن منظور، لسان العرب، مج 2 (بيروت: دار صادر، 1414هـ/ 1993م)، ص 199-201.
[2] المرجع نفسه.
[3] المرجع نفسه.
[4] Jean Yves Andrieux, Patrimoine et histoire (Paris: Belin, 1997), p. 18.
[5] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، دراسات ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 23.
[6] يُنظر الفصل الأول، في:
Jean-Pierre Babelon & André Chastel, La notion de patrimoine (Paris: L. Lévi, 1994), pp. 13-26;
ويُنظر الفصل الثاني في:
Ibid., pp. 27-48.
[7] Ibid.
[8] بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، سلسلة ترجمان، طبعة منقحة ومزيدة، (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014).
[9] المرجع نفسه، ص 63.
[10] Peter Burke, Popular Culture in Early Modern Europe (Farnham: Ashgate Publishing Limited, 2009), p. 23.
[11] Ernest Gellner, Nation et nationalisme (Paris: Payot, 1994), p. 88.
[12] Edgar Morin, La Méthode, t. I, La nature de la Nature (Paris: Seuil, 1977), p. 346.
[13] D.-J. Grange & Poulot D, L’esprit des lieux: le patrimoine et la cité Colloque international, Conservatoire d’Art et d’Histoire, Annecy, septembre 1995, organisé par le CRH de l’Italie et des pays alpins (Grenoble: Presses universitaires de Grenoble, 1997), p. 13.
[14] Jean-Yves Andrieux, Le patrimoine industriel (Paris: Presses Universitaires de France, 1992).
[15] Jean-Paul Lacaze, Les méthodes de l’urbanisme, Que sais-je ? (Paris: Presses Universitaires de France, 2018).
[16] ينتمي المصطلح الأخير إلى تقاليد المدرسة الفرنكفونية، وقد ظهر في ثلاثينيات القرن العشرين في إطار مشروع علمي وسياسي تجسد في إنشاء شبكة من المتاحف التي تحمل هذا الاسم.
[17] هشام جعيط، أزمة الثقافة الإسلامية (بيروت: دار الطليعة، 2004)، ص 115.
[18] محمد عابد الجابري، "التراث ومشكل المنهج" في: عبد الله العروي وعبد القادر الفاسي ومحمد عابد الجابري، المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، سلسلة معالم (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986)، ص 81.
[19] UNESCO, Legal texts on UNESCO Conventions, Consulté le 9 juin 2026, disponible sur: https://acr.ps/hBy2t9I
[20] صادقت على هذه الاتفاقية 195 دولة.
[21] هاني هياجنه، صون التراث الثقافي غير المادي: الآفاق والتحديات (الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2015)، ص 25.
[22] اليونسكو، النصوص الأساسية، اتفاقية عام 2003، صون التراث الثقافي غير المادي (باريس: اليونسكو، 2020)، ص 5-6.
[23] المرجع نفسه، ص 5.
[24] Nathalie Heinich, La fabrique du patrimoine, De la cathédrale à la petite cuillère, Ethnologie de la France 35 (Paris: Éditions de la Maison des Sciences de l’Homme, 2009) ; Henri-Pierre Jeudy, La monarchie patrimoniale (Paris: Sens & Tonka, 2001).
[25] Emmanuel Amougou et al., (sous la direction), La Question Patrimoniale: De La Patrimonialisation A L’examen Des Situations Concrètes (Paris: L'Harmattan, 2004), p. 25.
[26] Tzvetan Todorov, Les abus de la mémoire (Paris: Arléa, 2004), p. 53.
[27] Jeudy, p. 18.
[28] Alain Bourdin, Le patrimoine réinventé (Paris: Presses Universitaires de France, 1984), p. 227.
[29] TzvetanTodorov, Les Abus de la mémoire (Paris: Arléa, 1995); Paul Ricœur, La Mémoire, l'Histoire, l'Oubli (Paris: Le Seuil, 2000).
[30] Todorov, Abus de la mémoire, pp. 16-17.