الموجز
انقلاب سامي الحناوي (14 آب/ أغسطس 1949)، ثاني انقلاب عسكري في سورية، قاده العقيد سامي الحناوي ضد رئيس الجمهورية حسني الزعيم، بعد أقل من خمسة أشهر على وصول الزعيم إلى الحكم بانقلاب عسكري على الرئيس شكري القوتلي.
نتج عن الانقلاب اعتقال الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي وإعدامهما رميًا بالرصاص، وتشكيل مجلس الحرب الأعلى، وتكليف هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة انتقالية. أشرفت الحكومة على انتخابات جمعية تأسيسية لإعادة الحياة الدستورية، وبدأت مفاوضات بشأن الاتحاد مع العراق. وفي 19 كانون الأول/ ديسمبر 1949، أطاح أديب الشيشكلي بالحناوي وعطّل مشروع الاتحاد.
سياق الانقلاب
في 29-30 آذار/ مارس 1949، انقلب رئيس الأركان حسني الزعيم على الرئيس شكري القوتلي، بمعاونة مجموعة من الضباط وفي مقدمتهم صديقه المقدم سامي الحناوي الذي كان قد خدم معه في جيش الشرق الفرنسي، وفي حرب فلسطين عام 1948. تولى الزعيم قيادة البلاد، وانتُخب رئيسًا للجمهورية في 26 حزيران/ يونيو 1949، وخلال هذه الفترة، رُفع الحناوي مرتين، من "مقدم" إلى "عقيد،" ثم إلى "زعيم" وعُين قائدًا للواء الأول[1]. على الرغم من الصداقة التي جمعت بينهما، بدأ الحناوي بالابتعاد عن الزعيم بسبب رفض الزعيم الدخول في مشروع الهلال الخصيب الذي دعا إليه رئيس وزراء العراقنوري السعيد، وانحيازه إلى المحور المصري- السعودي[2]. كذلك فإنه نفر من الزعيم بعد حادثة أنطون سعادة، رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أُعطي حق اللجوء السياسي في سورية بعد حركته الانقلابية الفاشلة في لبنان[3]، لكن الزعيم سرعان ما سلم سعادة إلى السلطات اللبنانية التي أعدمته في 8 تموز/ يوليو 1949[4]. بعد تنامي نقمة السوريين القوميين الاجتماعيين عليه، فصل الزعيم 15 ضابطًا محسوبين على الحزب السوري القومي الاجتماعي من الجيش، وفي مقدمتهم أديب الشيشكلي[5].
حسني الزعيم
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
المشاركون في الانقلاب
شُكلت قيادة الانقلاب من العقيد سامي الحناوي ومعه العقيد علم الدين قواص وخالد جادا وحسين الحكيم،[6] وقد شارك معهم أمين أبو عساف، وفضل الله أبو منصور، ومحمد معروف، وعصام مريود، ومحمود الرفاعي، ومحمد ذياب، وفريد سيد درويش، ومصطفى المالكي، وجميل أسعد، وتنتمي غالبيتهم إلى القوات الخاصة السابقة في جيش المشرق الفرنسي[7]. راقب الحناوي تحركات الزعيم من خلال العقيد عزت الطباع[8]، واتفق مع آمر حرسه الشخصي الملازم عبدو جحت على ألا تكون في المنزل مقاومة لحظة الاعتقال. كان معظم حراس الزعيم من العسكريين الشركس، وتمكن الحناوي من ضمان تعاونهم من خلال ضابطين شركسيين، وهما: خالد جادا وسليمان ناجي[9]. كذلك تمكن من تحييد المرافقين الشخصيين للزعيم، الملازمين: هيثم الكيلاني، وعبد الحميد السراج[10]. كذلك تواصل الحناوي مع الحكومة العراقية لدعم الانقلاب[11]، من خلال عديله أسعد طلس، وكان قد اتفق مع الضابط الطيار عصام مريود على نقله بطائرته إلى بغداد في حال فشل حركتهم[12].
تنفيذ الانقلاب
في الدقيقة 24 بعد منتصف ليلة 14 آب/ أغسطس 1949، تحرك فوج المدرعات الأول من معسكر قطنا تجاه بلدة يعفور، ومنها إلى دمشق التي وصلها في الساعة الثانية صباحًا[13]. بعد قطع الاتصالات عن المدينة من خلال الضابط عبد المسيح داعوم من سلاح الإشارة[14]، توجه فضل الله أبو منصور إلى منزل الزعيم لاعتقاله على رأس 30 جنديًا وست مصفحات[15]، يعاونه الملازم الأول مصطفى الدواليبي، في حين اعتقل عصام مريود محسن البرازي. كانت أوامر الحناوي بألّا يُقتل الزعيم، وأن يأتوا به إلى الأركان لتقرير مصيره، أما بقية المشاركين في الانقلاب فكانت مهماتهم كالتالي:
- محمود الرفاعي: مهمة اعتقال المقدم إبراهيم الحسيني (قائد الشرطة العسكرية).
- مصطفى المالكي: مهمة اعتقال نذير فنصة، عديل الزعيم ومدير مكتبه.
- محمد معروف: تطويق القلعة.
- حسين حدة: السيطرة على مقر الأركان وحمايته.
- غالب شقفة: السيطرة على إذاعة دمشق.
- محمد ذياب: الاستيلاء على مقر الشرطة العسكرية.
- جميل أسعد: تطويق مقر بنك سورية ولبنان والسيطرة عليه.
- فريد سيد درويش: السيطرة على الهاتف الآلي.
- عبد الغني دهمان: قيادة فرقة عسكرية احتياطية جاهزة للتحرك في حال فشل القادة
إعدام حسني الزعيم ومحسن البرازي
خلافًا لخطة الانقلاب المكتوبة التي قضت بإحضارهما حيَّين إلى مقر الأركان، اقتيد الزعيم والبرازي إلى منطقة خاوية في المزة، وكان الأول يرتدي نصف بدلته العسكرية في حين كان الثاني بالبيجاما ومعه ابنه خالد. ارتجف البرازي من الخوف فقال له الزعيم باللغة الفرنسية، وبنبرة واثقة: "لا تخف؛ إنهم لن يستطيعوا فعل شيء معنا"[16]. أما نذير فنصة، المعتقل معهما، فيقول في مذكراته إن آخر ما قاله الزعيم كان: "أنا حسني الزعيم [...] أنا الذي جعلت لكم كرامة، وللجيش هيبة، تقتلونني بدلًا من قتل هؤلاء الكلاب السكارى؟!"[17]. ويروي فضل الله أبو منصور أنه صفع الزعيم عند اعتقاله قبل تنفيذ حكم الإعدام. وفي الساعة 3:15 فجرًا، أطلق ثلاثة ضباط الرصاص على الزعيم والبرازي، وهم: عصام مريود، وحسين الحكيم، وفضل الله أبو منصور. وعلق فنصة في مذكراته: "لقد استمر إطلاق النار على الزعيم زهاء خمس دقائق، كان خلالها يحترق جسمه كخيط من نار، وقد قام الضباط الثلاثة بدوس جثته بأرجلهم"[18].
بعد إعدام الزعيم والبرازي، تذكر إحدى الروايات أن أديب الشيشكلي أخذ قميص الزعيم وقدمه إلى جوليت المير، أرملة أنطون سعادة المقيمة في دير صيدنايا، وقال لها: "إليك بالدليل على انتقامنا من الغادر"[19].
دُفن الزعيم سريعًا في قرية أم الشراطيط القريبة من دمشق، بلا جنازة أو شاهد قبر، وظل قبره مجهولًا حتى التعرف عليه في كانون الثاني/ يناير 1950، حيث نُقل رفاته إلى دمشق ودُفن في مقبرة الدحداح[20].
ما بعد الانقلاب
شكل الحناوي مجلس الحرب الأعلى، ودعا السياسيين القدامى إلى اجتماع في مبنى الأركان العامة[21]، حيث تألفت لجنة لإعادة الحياة البرلمانية من رئيس الجمهورية السابق هاشم الأتاسي، ورئيس الوزراء السابق فارس الخوري، وأكرم الحوراني عن حزب الشباب في مدينة حماة، ورشدي الكيخيا رئيس حزب الشعب، وناظم القدسي الرجل القيادي الثاني في حزب الشعب[22]. أعلن الحناوي أنه سيعيد الجيش إلى الثكنات، وأنه لا يريد أن يتسلم الحكم، مكتفيًا بمنصب رئيس الأركان، فتقرر أن يترأس الأتاسي حكومة وفاق وطني تضم جميع الأحزاب (14 آب/ أغسطس– 14 كانون الأول/ ديسمبر 1949).
شرعت الدولة السورية في مفاوضات الوحدة مع العراق، بإشراف أسعد طلس، الذي تسلم الأمانة العامة لوزارة الخارجية[23]. توصل الطرفان إلى اتفاق مبدئي، وفي 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1949، زار دمشق الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله لمناقشة مشروع الاتحاد مع الأتاسي والحناوي[24]، غير أن انقلابًا عسكريًا قاده أديب الشيشكلي أطاح بالحناوي في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1949، وعطّل مفاوضات الوحدة السورية العراقية. وكان الشيشكلي قد أُعيد إلى الجيش بأمر من الحناوي، وتسلم قيادة اللواء الأول خلفًا له، وبقي الحناوي في السجن حتى إطلاق سراحه بعد بضعة أشهر (في أيلول/ سبتمبر 1950)، ثم انتقل إلى بيروت، حيث اغتاله حرشو البرازي، ثأرًا لمحسن البرازي، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1950.
المراجع
العربية
برازي، بسام وسعد فنصة. أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيبة. بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2022.
بطرس، أنطوان. 8 تموز: قصة محاكمة أنطون سعادة وإعدامه. بيروت: منريخ للطباعة والنشر، 2002.
جمعة، سامي. أوراق من دفتر الوطن 1946-1961. دمشق: دار طلاس، 2000.
الحكيم، حسين. لعنة الانقلابات من 1946 إلى 1966. دمشق: [د. ن.]، 1999.
الخير، هاني. أديب الشيشكلي صاحب الانقلاب الثالث في سوريا: البداية والنهاية. ط 3. دمشق: مكتبة الشرق الجديد، 1995.
أبو عساف، أمين. ذكرياتي. دمشق: [د. ن.]، 1996.
فنصة، نذير. أيام حسني الزعيم: 137 يومًا هزت سورية. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1982.
كوراني، أسعد. ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت. بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2000.
معروف، محمد. أيام عشتها 1949-1969: الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية. بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2003.
أبو منصور، فضل الله. أعاصير دمشق. بيروت: [د. ن.]، 1959.
الأجنبية
Rathmell, Andrew. Secret War in the Middle East: The Covert Struggle for Syria 1949-1961. London: I. B. Tauris, 2014 ]1995[.
Seale, Patrick. The Struggle for Syria: A study in post-war Arab Politics 1945-1958. London: I. B. Tauris, 1986.
________. The Struggle for Arab Independence: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
[1] أمين أبو عساف، ذكرياتي (دمشق: [د. ن.]، 1996)، ص 233.
[2] نذير فنصة، أيام حسني الزعيم: 137 يومًا هزت سورية (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1982)، ص 47-48.
[3] أنطوان بطرس، 8 تموز: قصة محاكمة أنطون سعادة وإعدامه (بيروت: منريخ للطباعة والنشر، 2002)، ص 58.
[4] Patrick Seale, The Struggle for Arab Independence: Riad el-Solh and the Makers of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 684–685.
[5] بسام برازي وسعد فنصة، أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيبة (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2022)، ص 108.
[6] أبو عساف، ص 234.
[7] المرجع نفسه، ص 237.
[8] المرجع نفسه، ص 246.
[9] أسعد كوراني، ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2000)، ص 228.
[10] فنصة، ص 72.
[11] فضل الله أبو منصور، أعاصير دمشق (بيروت: [د. ن.]، 1959)، ص 83.
[12] Patrick Seale, The Struggle for Syria: A study in post-war Arab Politics 1945-1958 (London: I. B. Tauris, 1986), p. 73.
[13] محمد معروف، أيام عشتها 1949-1969: الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية (بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، 2003)، ص 126-128.
[14] كوراني، ص 228.
[15] معروف، ص 127.
[16] حسين الحكيم، لعنة الانقلابات من 1946 إلى 1966 (دمشق: [د. ن.]، 1999)، ص 80.
[17] فنصة، ص 98.
[18] المرجع نفسه، ص 99.
[19] هاني الخير، أديب الشيشكلي صاحب الانقلاب الثالث في سوريا: البداية والنهاية، ط 3 (دمشق: مكتبة الشرق الجديد، 1995)، ص 56-57.
[20] فنصة، ص 99.
[21] كوراني، ص 228.
[22] معروف، ص 135.
[23] Andrew Rathmell, Secret War in the Middle East: The Covert Struggle for Syria 1949-1961 (London: I. B. Tauris, 2014 ]1995[), p. 51.
[24] سامي جمعة، أوراق من دفتر الوطن 1946-1961 (دمشق: دار طلاس، 2000)، ص 101-102.