الموجز
التمويه مجموعة من الصفات والتكيفات السلوكية والمظهرية التي تساعد الكائنات الحية على تقليل احتمال اكتشافها أو التعرف إليها من خلال التشابه مع عناصر البيئة المحيطة أو تشويش حدود الجسم وشكله. وتتعدد آلياته، فمنها مطابقة لون الخلفية ونقوشها، والتظليل المعاكس، وتغيير اللون، والتمويه القائم على الشكل أو السلوك، وفي بعض الأنواع على الإشارات الكيميائية.
يؤدي التمويه وظائف حيوية ترتبط أساسًا بتجنب المفترسات أو الاقتراب من الفرائس، وتختلف استراتيجياته تبعًا لطبيعة البيئة والضغوط الانتقائية التي يتعرض لها الكائن. ويظهر في طيف واسع من الكائنات؛ فبعض الرخويات، مثل الأخطبوط والحبار، قادرة على تغيير لون الجلد ونقوشه وقوامه، وتتخذ بعض الحشرات أشكالًا تشبه الأغصان أو الأوراق، فيما يتلاءم لون بعض الزواحف والبرمائيات والطيور والثدييات مع بيئاتها أو يتغير موسميًا. كما تظهر لدى بعض النباتات صفات لونية وشكلية تقلل من وضوحها للحيوانات العاشبة أو تجعلها تشبه عناصر البيئة المحيطة.
التمويه
التمويه مجموعة من التكيفات التي تُمكّن الكائن من تقليل احتمالية الكشف أو التعرف إليه عن طريق الاندماج مع البيئة المحيطة. يتحقّق ذلك من خلال تعديل المظهر عن طريق تغيير الألوان والنقوش وأحيانًا القوام، وهو ما يقلل التباين البصري (Contrast) مع البيئة[1]. يُعدّ التمويه أكثر أشكال التكيف انتشارًا في الطبيعة، ففي حين تستخدمها المفترسات لجذب الفرائس أو التقرب منها دون أن تهرب منها، تستخدمها الفرائس للهروب والتمويه من المفترسات[2]، وتتنوع آليات التمويه بين الأنماط الثابتة مثل المطابقة مع الخلفية والتظليل المعاكس، وبين الأنماط الديناميكية التي تتيح للكائنات تغيير مظهرها بسرعة فائقة استجابةً للتغيرات البيئية[3].
تحدد البيئة المحيطة نوع التمويه الذي تطوره الكائنات، إذ تختلف الاستراتيجيات بين المواطن المختلفة، ففي البيئات الصحراوية حيث تهيمن درجات اللون البني والرمادي، تعتمد الكائنات على مطابقة ألوانها مع رمال الأرض. في حين تعتمد كثير من الكائنات ألوان النباتات والنقوش الطبيعية في البيئات الخضراء الكثيفة. وقد طورت بعض الكائنات آليات تمويهٍ ديناميكية تمكنها من تغيير مظهرها في الزمن الحقيقي، مثل الرخويات التي تمتلك خلايا صبغية (Chromatophores) التي تستجيب للإشارات العصبية لتعديل ألوانها، وهو ما يمنحها مرونة كبيرة في مواجهة التهديدات المتغيرة[4].
إضافة إلى ذلك، لا يقتصر دور التمويه على تجنب الافتراس فحسب، بل يمتد إلى تعزيز فرص الصيد لبعض الكائنات التي تعتمد على الاندماج مع البيئة في اقترابها من فرائسها من دون لفت الانتباه. وهذا يشير إلى أن التمويه هو نتيجة لتفاعل معقد بين الضغوط الانتقائية والعوامل البيئية والسلوكية، وهو ما يبرز أهمية هذا التكيف في الحفاظ على التنوع البيولوجي واستمرارية الأنواع[5].
آليات التمويه
التمويه اللوني (Color camouflage)
تلوين التمويه-المطابقة مع الخلفية- (Background matching)
يعتمد هذا النوع من التمويه على تطابق لون الكائن الحي مع لون البيئة المحيطة. فمثلًا، تتميز بعض الفراشات بألوان تطابق ألوان أوراق الأشجار، وهو ما يجعلها غير مرئية للحيوانات المفترسة[6].
تغير لوني (Color change)
تمتلك بعض الكائنات القدرة على تغيير لونها لتتناسب مع البيئة المحيطة. يُعدّ الأخطبوط والحرباء مثالين على هذه الآلية، إذ يمكنهما تغيير لونهما في ثوانٍ معدودة. يعتمد تغير اللون في هذه الكائنات على وجود خلايا صبغية متخصصة تستجيب لمنبهات عصبية أو هرمونية لتغيير لونها بسرعة. تحتوي هذه الخلايا عدة أنواع من الصبغات، مثل صبغة الميلانين(Melanin) التي تعطي الألوان الداكنة مثل البني والأسود، إضافة إلى صبغات الكاروتينويدات (Carotenoids) التي تعطي الألوان الصفراء والبرتقالية، وصبغات البترينات (Pteridines) التي تسهم في إنتاج الألوان الحمراء والصفراء[7].
التشبه بكائنات أخرى (Batesian mimicry)
في هذا النوع يتشبه (يقلد) كائن غير ضار بكائن آخر سام أو خطير لردع المفترسات. على سبيل المثال، تظهر بعض الفراشات أو الأفاعي غير السامة أنماط تلوين مشابهة للفراشات أو الأفاعي السامة لكي تتجنبها المفترسات[8].
التظليل المعاكس (Counter shading)
يُعدّ التظليل المعاكس استراتيجية أخرى للتمويه اللوني، إذ يكون لون الكائن داكنًا أكثر في الجزء العلوي وأفتح في الجزء السفلي. يُساعد هذا التدرج في تقليل تأثير الضوء الطبيعي وإخفاء الظلال، وهو ما يجعل الجسم يبدو مسطحًا وأقل ثلاثية الأبعاد[9]. تنتشر هذه الطريقة بين الحيوانات البرية والبحرية وتسهم في إخفاء ملامح الجسم عن أنظار المفترسات.
التمويه النمطي (Pattern Camouflage)
يتضمن التمويه النمطي وجود أنماط تلوينية على الجسم تشبه البيئة المحيطة، مثل الخطوط أو البقع. هذه الأنماط تدعى أنماط ألوان تشتيتية/ تشويشية (Disruptive coloration patterns) تساعد الحيوان في الاندماج مع الخلفية، وهو وما يصعب على المفترس اكتشافه وتحديد شكله[10]. مثل تمويه النمر السيبيري والحمار الوحشي، إذ تساعد التخطيطات في الاختباء بين الأعشاب الطويلة والأشجار.
التمويه الشكلي (Shape camouflage)
في هذا النوع من التمويه، يتخذ الحيوان شكلًا يشبه/ يحاكي (Mimics) الأجسام غير الحية في البيئة، مثل الأوراق أو الأغصان أو الحجارة. مثل حشرة العصا (العود) (Stick insect) التي تشبه العصي بشكل كبير، وهو ما يجعلها صعبة الاكتشاف[11].
التمويه السلوكي (Behavioral Camouflage)
إلى جانب التمويه الجسدي، تؤدي السلوكيات دورًا كبيرًا في التمويه. بعض الحيوانات تبقى ساكنة لفترات طويلة (مثل الحرباء) لتجنب الاكتشاف، في حين تُقلِّد أخرى حركات البيئة المحيطة. على سبيل المثال، بعض العناكب تقلد حركة الأوراق المتساقطة لتجنب المفترسات[12].
التمويه الكيميائي (Chemical Camouflage)
بعض الكائنات تستخدم مواد كيميائية لإنتاج تأثيرات للتمويه. فمثلًا، بعض الحشرات العطرية تفرز مواد تمويه رائحتها عن المفترسات. كذلك،الضفادع السامة تطلق سمومًا تخدع الحيوانات المفترسة وتجعلها تتجنبها، ومن الأمثلة على هذه المواد القلويدات السامة (Alkaloids) التي تفرزها بعض الضفادع السامة، والمركبات الفينولية (Phenolic compounds) والتربينات (Terpenes) التي تنتجها بعض الحشرات والنباتات، التي تساعد في إخفاء الرائحة أو ردع المفترسات. ويمكن أيضًا لبعض الحشرات الاجتماعية مثل النمل استخدام الفيرومونات (Pheromones) لتغيير الإشارات الكيميائية في البيئة المحيطة، وهو ما يساعدها في التمويه الكيميائي أو تجنب اكتشافها من الكائنات الأخرى.[13]
[الشكل 1] آليات التمويه
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الوظائف الحيوية للتمويه
تجنب الافتراس
يُعد التمويه أحد أهم آليات الدفاع لدى الفرائس، إذ يزيد من فرص بقائها على قيد الحياة عن طريق تقليل احتمالية اكتشافها من المفترسات[14].
زيادة فرص نجاح الصيد
بالنسبة إلى المفترسات، يساعد التمويه في الاقتراب من الفرائس من دون أن تُكتشَف، وهو ما يزيد من فرص نجاح الصيد[15].
التواصل الاجتماعي
في بعض الحالات، يُستخدم التمويه في التواصل بين أفراد النوع نفسه، مثل تغيير الألوان لإظهار الاستعداد للتزاوج أو لإثبات الهيمنة[16].
التمويه في البيئات المختلفة
التمويه في البيئات المائية
يعدّ التمويه في البيئات المائية أكثر حساسية بسبب شفافية الماء؛ ولذلك فإن كثيرًا من الأسماك والكائنات البحرية تستخدم التمويه اللوني والنمطي والتظليل المعاكس للتخفي من المفترسات. فمثلًا، تموّه سمكة الحجر (Stone fish) نفسها بسبب شبهها بالصخور المرجانية، وهو ما يجعلها غير مرئية تقريبًا[17].
التمويه في البيئات الصحراوية
في البيئات الصحراوية، يعتمد التمويه على الألوان الفاتحة والأنماط التي تشبه الرمال والصخور. كثير من الزواحف مثل الزواحف الصحراوية تستخدم هذه الاستراتيجية لتجنب المفترسات[18].
التمويه في الغابات
في الغابات، تعتمد الحيوانات على الألوان الخضراء والبنية والأنماط التي تشبه الأوراق والأغصان. تستخدم الفراشات والعناكب والحشرات الأخرى هذه الاستراتيجيات للاختفاء بين النباتات[19].
[الشكل 2] التمويه في البيئات المختلفة
[الشكل 2] التمويه في البيئات المختلفة
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
أمثلة على التمويه
الرخويات
تمثل الرخويات مثل الأخطبوط والحبار والسلطعون ذروة التمويه الديناميكي؛ بسبب قدرتها على تغيير لونها وقوام جلدها بسرعة، تصبح هذه الكائنات مفاجئة سواء بوصفها فرائس أو مفترسات. على سبيل المثال، يمكن للحبار أن يغير من مظهر جلده لينتج نقوشًا معقدة تُحاكي قوام الصخور أو الشعاب المرجانية أو الرمل[20] (الشكل 3).
[الشكل 3] التمويه في الأخطبوط والحبار
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الحشرات
توفر الحشرات مجموعة متنوعة من أمثلة التمويه. تُعدّ الحشرات التي تحاكي الأغصان أو الأوراق، مثل حشرة العود أو الحشرة الورقية، أشد قدرة على التمويه ؛ إذ تشبه تمامًا الأغصان أو الأوراق حتى تصبح غير مرئية تقريبًا للمفترسات[21]. وتُظهر أيضًا كثير من أنواع الفراشات نقوش تمويه نمطية تشويشية، إذ تُسهم أنماط أجنحتها في تعطيل الخطوط الخارجية لجسمها، وهو ما يجعلها أقل بروزًا عند استقرارها على لحاء الأشجار أو بين الأوراق[22].
[الشكل 4]
[الشكل 4] التمويه في الفراشات
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الزواحف والبرمائيات
تستخدم كثير من الزواحف والبرمائيات التمويه بفاعلية. على سبيل المثال، تشتهر الحرباء بقدرتها على تغيير ألوانها استجابةً للظروف البيئية والإشارات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن تغير اللون لدى الحرباء ليس مقتصرًا على التمويه فقط، فإنه يؤدي دورًا مهمًا في تجنب المفترسات والتواصل داخل النوع[23]. وبالمثل، تعتمد كثير من أنواع الضفادع على التظليل المعاكس والمطابقة مع الخلفية لتندمج مع أوراق الشجر أو سطح الماء حيث تعيش[24].
[الشكل 5] التمويه في الزواحف
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
الطيور والثديات
تستخدم الطيور والثدييات استراتيجيات التمويه للبقاء على قيد الحياة. تمتلك الطيور التي تبني أعشاشها على الأرض ريشًا يتماشى مع ألوان التربة والنباتات في بيئتها، وهو ما يقلل من ظهورها للمفترسين[25]. ومن ناحية أخرى، يُعد تغير لون بعض الثدييات، مثل الأرنب ذي الحذاء الثلجي الذي يتحول من اللون البني في الصيف إلى الأبيض في الشتاء، مثالًا على كيفية تعديل التمويه لمواكبة التغيرات الموسمية في البيئة[26].
[الشكل 6] التمويه في الثدييات
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
التمويه في النباتات
على الرغم من أن النباتات لا تتحرك، فإنها تُظهر بعض الخصائص التي تعمل بوصفها نوعًا من التمويه. تطورت بعض الأنواع لتظهر ألوانًا ونقوشًا تساعدها في الاندماج مع البيئة المحيطة، وهو ما يقلل من احتمالية استهدافها من الحيوانات العاشبة[27]. على سبيل المثال، تعرض بعض النباتات الصحراوية أوراقًا بنمط متبقع أو متنوع يشبه الصخور أو الرمال المحيطة، وهو ما يجعلها أقل جذبًا للحيوانات المفترسة. ويمكن أيضًا للنباتات استخدام المحاكاة بوصفها وسيلة دفاعية، إذ تطورت بعض الأنواع لتُشبه أوراق نباتات سامة أو غير مستساغة، وهو ما يخدع الحيوانات العاشبة ويجعلها تتجنبها[28].
[الشكل 7] التمويه في النباتات
حذف الصورة؟
سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.
المراجع
Cott, H. B. Adaptive Coloration in Animals. London: Methuen & Co., 1940.
Endler, J. A. "Progressive background matching in moths, and a quantitative measure of crypsis." Biological Journal of the Linnean Society. vol. 22, no. 3 (1984). pp. 187-231.
Hanlon, R. T. et al. “Cephalopod dynamic camouflage: bridging the continuum between background matching and disruptive coloration.” Philosophical Transactions of the Royal Society B. vol. 364, no. 1516 (2009). pp. 429-437.
Merilaita, S., N. E. Scott-Samuel & I. C. Cuthill. "How camouflage works." Philosophical Transactions of the Royal Society B. vol. 372, no. 1724 (2017), article 20160341.
Ruxton, G. D., Thomas N. Sherratt & Michael P. Speed. Avoiding Attack: The Evolutionary Ecology of Crypsis, Warning Signals, and Mimicry. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Stevens, M. & S. Merilaita. “Animal camouflage: Current issues and new perspectives.” Philosophical Transactions of the Royal Society B. vol. 364, no. 1516 (2009). pp. 423-427.
Teyssier, J. et al. “Photonic crystals cause active colour change in chameleons.” Nature Communications. vol. 6, article no. 6368 (2015).
[1] M. Stevens & S. Merilaita, “Animal camouflage: Current issues and new perspectives,” Philosophical Transactions of the Royal Society B, vol. 364, no. 1516 (2009), pp. 423-427.
[2] Graeme D. Ruxton, Thomas N. Sherratt & Michael P. Speed, Avoiding Attack: The Evolutionary Ecology of Crypsis, Warning Signals, and Mimicry (Oxford; Oxford University Press, 2004).
[3] S. Merilaita, N. E. Scott-Samuel & I. C. Cuthill, "How camouflage works," Philosophical Transactions of the Royal Society B, vol. 372, no. 1724 (2017), article 20160341.
[4] R. T. Hanlon et al., “Cephalopod dynamic camouflage: bridging the continuum between background matching and disruptive coloration,” Philosophical Transactions of the Royal Society B, vol. 364, no. 1516 (2009), pp. 429-437.
[5] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[6] J. A. Endler, “Progressive background matching in moths, and a quantitative measure of crypsis,” Biological Journal of the Linnean Society, vol. 22, no. 3 (1984), pp. 187-231.
[7] R. T. Hanlon et al. op. cit.; J., Teyssier et al., “Photonic crystals cause active colour change in chameleons,” Nature Communications, vol. 6, article no. 6368 (2015).
[8] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[9] H. B. Cott, Adaptive Coloration in Animals (London: Methuen & Co., 1940).
[10] Stevens & Merilaita, op. cit.
[11] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[12] Merilaita, Scott-Samuel & Cuthill, op. cit.
[13] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[14] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[15] Stevens & Merilaita, op. cit.
[16] Teyssier, op. cit.
[17] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[18] Stevens & Merilaita, op. cit.
[19] Endler, op. cit; Stevens & Merilaita, op. cit.
[20] Hanlon, op. cit.
[21] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[22] Endler, op. cit.
[23] Teyssier, op. cit.
[24] Cott, op. cit.
[25] Stevens & Merilaita, op. cit.
[26] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.
[27] Merilaita, Scott-Samuel & Cuthill, op. cit.
[28] Ruxton, Sherratt & Speed, op. cit.