تسجيل الدخول

اللاسامية



الموجز

اللاسامية هي كراهية اليهود لكونهم يهودًا، وتبرير ذلك بمزيج من الأفكار المُسبَقة السلبية اللصيقة بهم، التي تُعدّ من منظور معاداة السامية جزءًا من طبيعتهم بوصفهم يهودًا. وقد استندت التوجهات اللاسامية، منذ ظهور هذا المصطلح بصفته تسميةً ذاتية لهذه التوجهات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى "نظريات" عرقية شبه علمية صعدت بدورها في القرن التاسع عشر، وقد صنّفت هذه النظريات البشريةَ في فئات (تسميها أعراقًا)، بناء على صفات جسدية ظاهرة، أو جينات متوارثة في الدم؛ ووزَّع بعضُها هذه الفئات بناء على تفاوت متوارث مزعوم في القدرات الذهنية والثقافة والأخلاق ناجم عن الاختلاف العرقي، ورتبها هرميًا من الأعراق الأدنى إلى الأرقى.

استُعير لفظ "السامية" في وصف اليهود كأنهم عرقٌ قائم بذاته من التوراة، حيث ترد في سفر التكوين أسماء أبناء نوح الذين تشكلت الأجناس البشرية، وفقًا للأسطورة، من نسلهم، ومنهم سام، الذي يتحدّر منه الساميون، بمن فيهم اليهود. وهو هنا استعارة فقط؛ فالنظريات العرقية ليست مقولات دينية، بل عُدَّت نظريات علمية في سياقها التاريخي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكن جزءًا كبيرًا من الأفكار المُسبَقة والتنميطات التي رُوِّجت في إطار الأدبيات والدعاية اللاسامية يعود إلى الثقافة المسيحية في العصر الوسيط، التي سادت فيها مواقف وأفكار سلبية ضدّ اليهود بوصفهم الآخر بالنسبة إلى هذه الثقافة في تلك الفترة. وخطيئتهم الأولى هي التنكُّر لرسالة المسيح والتحريض على صلبه. وثمة اعتقاد أن عصيانهم إرادة الخالق تسبب بفرض عقوبة إلهيه عليهم، تمثّلت في تشتّتهم في أنحاء الأرض، وهو اعتقاد غير بعيد عن تفسير التقليد الديني اليهودي للشتات بوصفه عقوبة إلهيه؛ ولكن العقوبة في نظر الكارهين المسيحيين تتضمن ابتلاءهم بصفات كريهة، ومن ضمنها رذائل أخلاقية، وحتى صفات جسدية منفّرة. ومع أن كراهية اليهود في العصر الوسيط على خلفية دينية لم تُسمَّ "لاسامية"، يَصعُب فهم اللاسامية التي نشأت في العصر الحديث من دون الخلفيّة الدينية هذه.

نُبذ اليهود في مجتمعات العصر الوسيط المسيحية، وحُدِّدت مهنُهم وأماكن سكنهم، وتعرضوا لحملات اضطهاد في الأزمات، مثل الأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية. كما نُسبت إليهم ممارسات تتضمن القتل واستخدام دم الضحايا في شعائر دينية (فرية الدم، Blood libel)، وكلّها خرافات سَهُلَ ترويجها في أوساط شعبية.

صعدت اللاسامية في العصر الحديث في تلك المرحلة بالذات التي شهدت تحرر اليهود ومنحهم الحقوق المدنية، ولاحقًا السياسية، في العديد من دول أوروبا الغربية، وذلك من خلال شملهم في المواطنة. في تلك المرحلة، منذ نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر، احتدم السجال بشأن صحّة هذه الخطوات واستحقاق اليهود لها، واستعر مجددًا بعد الحرب العالمية الأولى. وتأثرت هذه النقاشات بنقمة الطبقات التقليدية، الأرستقراطية والفلاحين والفئات الأخرى المتضررة من عمليات التصنيع والتحديث وتفكك البنى التقليدية والتَّمَدْيُن، مثل الروابط الحِرَفية، وسهولة توجيه نقمة هذه الفئات نحو من سَهُلَ عدّهم تجسيدًا للشر الكامن في صيرورة التحديث، وهم اليهود؛ ولا سيّما أن اليهود ارتبطوا في الأذهان بممارسة التجارة والإقراض بالربا، وهي عمليًا سلف البنوك التي انخرطت عائلات يهودية شهيرة في ملكيتها وإدارتها في العصر الحديث. وقد جسّدت التجارة والبنوك في نظر هذه الفئات رمزًا للعمل غير المنتج، والبرجوازية وما رافقها من انحلال أخلاقي في نظرها. لقد اتُّهم اليهود بأنهم مسؤولون عن سيئات الرأسمالية، وعن الحركات الشيوعية المعادية للرأسمالية في الوقت ذاته.

وقد راجت أفكارٌ لاسامية في أوساط شعبية، ولم تخل منها أوساط ذات مشارب فكرية متعددة، يمينية وليبرالية ويسارية وقومية. وتجذّرت أصول اللاسامية في الفئات الاجتماعية والسياسية المحافظة؛ ولاقت بصورة خاصة رواجًا في أوساط اليمين، ولا سيّما بين مفكريه وأحزابه، وحملت رايتها قوى سياسية منظمة في فرنسا وألمانيا والنمساالمجر). أما اللاسامية بوصفها أيديولوجيا متكاملة تطرح رؤية للعالم من منظور دور اليهود العالمي المفسِد للدول والشعوب، فلم يستلهمها أي تيار سياسي قوي ومؤثر إلّا في ثلاثينيات القرن العشرين، مع نشوء النازية وأحزاب أصغر شبيهة بها في دول أوروبية عديدة. وتولّد عن ذلك الكارثة الكبرى ليهود أوروبا، المتمثّلة في إقدام النازية على تنفيذ مشروع منهجي متكامل لإبادتهم والتي دُعيت بـ "الهولوكوست" أو "المحرقة"، وإبادة ما لا يقل عن ثلث يهود أوروبا فيها.

 قبل ذلك الحين، كانت الأيديولوجيا اللاسامية هامشية، خلافًا لبعض الأفكار المسبَقة الرائجة عن اليهود. وبعد الحرب العالمية الثانية، حوربت هذه الأيديولوجيا بشدة، وكذلك الأفكار السلبية عن اليهود بوصفهم يهودًا، وحُظرت في وسائل الإعلام والتعليم، وفي الفن والثقافة والسينما في أوروبا وأميركا الشمالية، وأصبحت فعلًا حركة هامشية غير شرعية، ومجرّمة قانونًا.

وقد انتقلت بعض الأفكار اللاسامية إلى العالم الإسلامي والعربي الذي عومل فيه اليهود في العصر الوسيط، وفي ظل السلطنة العثمانية، بوصفهم رعايا من الدرجة الثانية، مثل بقية غير المسلمين "أهل الذمة"، من دون تخصيص، وتراوح سلوك الحكام تجاههم بين التساهل والتشدد وفقًا للمرحلة التاريخية، وكان الاضطهاد العنيف هو الاستثناء. وخلافًا للثقافة المسيحية، خلت الثقافة الإسلامية من موقف كارهٍ لليهود من منطلقات لاهوتية، مع أن الثقافة الدينية الإسلامية السائدة لم تخلُ من أفكار سلبية عنهم. أما الأفكار اللاسامية فاستُقبِلَت في ظل السلطنة العثمانية من خلال الأقليات المسيحية المتأثرة بالثقافة الأوروبية في المشرق، ومن خلال جزء من موظفي الاستعمار الفرنسي في بلدان المغرب الذين كانوا متعصبين من النواحي اليسوعية الكاثوليكية؛ وسهّل تبني تلك الأفكار التنافس بين الأقليات في المجالات الاقتصادية نفسها، وعلى الوظائف في مرحلة ربط السلطنة العثمانية بالسوق العالمية، وبداية تدخُّل القوى الأوروبية الكبرى فيها.

ولكن القفزة الكبيرة في انتشار الأفكار المعادية للسامية عربيًا من دون أن تصبح أيديولوجيا متكاملة حصلت في مرحلة الصراع مع الصهيونية، التي اختلطت خلالها بعض المعتقدات بشأن دور اليهود العالمي بالموقف من الصهيونية وإسرائيل، ولا سيّما في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، أي في مرحلة ما بعد نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، والحروب العربية الإسرائيلية، والمدّ القومي، وأيضًا من خلال استعارة الحركات الإسلامية لبعض الأفكار اللاسامية من أوروبا، وربطها انتقائيًا بتراث إسلامي من سياقٍ آخر، مثل الآيات القرآنية التي نزلت في سياق حروب جرت بين المسلمين وقبائل يهودية في يثرب وواحة خيبر، وفي سياقات أخرى أيضًا. ولم يُقصد بها التعميم كونيًا عن اليهود الذين عُدّوا، كما سبق أن ذُكر، من أهل الذمة.

من ناحية أخرى، جرت محاولات إسرائيلية لإلصاق تهمة اللاسامية بكل نقد لإسرائيل، وبالصراع الفلسطيني من أجل العدالة. ومن هنا، نشأ صراع مُتجدِّد حول تعريف "اللاسامية". فبموجب التعريف المذكور، إن اللاسامية هي كراهية اليهود لكونهم يهودًا، في حين أن نقد "دولة إسرائيل"، وحتى معاداتها أو محاربتها في سياق صراع وطني، أو مقاومة احتلالها، لا يُعدّ معاداةً للسامية، إلّا إذا كان سبب الموقف منها ومبرره هو كونها يهودية، بحيث يرافقه دمغ اليهود بصفات ذميمة.


كراهية اليهود واضطهادهم قبل ظهور اللاسامية

لم يكن العداء للسامية أيديولوجيا متكاملة ظاهرةً مركزية متجذّرة أيديولوجيًا وقانونيًا ومؤسّسيًا، بل كان ظاهرة هامشية حتى في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكن النازية حوّلتها إلى ظاهرة مركزية في ألمانيا بعد أن وصلت الى الحكم، وبعدما أصبح كل مواطن تقريبًا مضطرًا إلى إثبات أنه ليس يهوديًا[1]. ولا تكمن المعضلة في مقاربة ذلك العداء وكأنه ظاهرة مركزية أشغلت الناس في فترة ما بين الحربين العالميتين فحسب، بل أيضًا في إسقاطه على تاريخ اليهود، كأنه تاريخ متصل من المعاناة، وكأن كل ما شهده اليهود عبر العصور من تمييز ضدهم أـو اضطهاد بوصفهم أقلية دينية، هو شكلٌ من أشكال ظاهرة واحدة ممتدة هي اللاسامية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وحين يُكتَب تاريخ إقصاء الأقليات الدينية وتعرضها للاضطهاد في مجتمعات متديّنة في مراحل معينة، تُذكَر حوادث الاضطهاد كأنها سلسلة متصلة، فيبدو كأنها تاريخ قائم بذاته، تاريخ من الاضطهاد. يُشكِّل كتاب المؤرخ الفرنسي ليون بولياكوف (Léon Poliakov، 1910–1997) حول تاريخ معاداة اللاسامية، الذي بات منذ صدوره في أربعة مجلدات (1955-1977) مرجعًا كلاسيكيًا حول الموضوع، نموذجًا لكتابة تاريخٍ واحد لمعاداة السامية، بدءًا من مراحل ما قبل الميلاد، حتى منتصف القرن العشرين. ومع أنه يُميّز بين عصورٍ مختلفةٍ وثقافات مختلفة، إلّا أنه كتب تاريخ التمييز ضد اليهود كأنه تاريخ واحد ممتد من معاداة السامية.

وما يسهّل هذا النوع من التفكير في حالة اليهود هو وجود أقليات دينية يهودية حافظت على تميّزها في مناطق عديدة من آسيا وأوروبا وأفريقيا طوال التاريخ البشري المكتوب، ما يوهِم بوجود تاريخ يهودي عالمي واحد، وموقف سلبي عالمي واحد ضد اليهود. ولكن ثمّة تواريخ لليهود، وليس تاريخًا واحدًا. وكل تاريخ منها متباين في ذاته؛ فالناس يتعايشون خلال فترات طويلة مع التنوّع، وذلك على الرغم من التمايز، وحتى التمييز الديني أو الطائفي ضدّ الأقليات من دون اضطهاد عنيف بالضرورة، ولا سيّما أن الطوائف الدينية تعايشت مع الحفاظ على تمايزها. فقد فُرض على اليهود في العالم المسيحي، في نهاية العصر الوسيط وحتى في بداية الحداثة، العيش في قرى وبلدات وأحياء خاصة بهم، أما في العالم الإسلامي، فعاشوا بالفعل في أحياء خاصة بهم متجاورة مع أحياء أخرى، مسلمة ومسيحية، ولكن من دون أن يُفرض ذلك عليهم.

وعلى الرغم من هيمنة الثقافة الدينية، لم يعش الفلاحون وسكان المدن على إيقاع الدين وحده، إذ اقتضى إنتاج الحياة المادية متطلبات أخرى عديدة غير الدين. وكانت ثمّة حالات من تأليب العامة على اليهود، لأسباب لا علاقة لها بالدين، لسهولة اتّهامهم وتحويلهم إلى "كبش فداء" في الأزمات. وكانت كراهية اليهود في العصر الوسيط في أوروبا، سواء أكانت كامنة أم ظاهرة، معلّلةً بأسباب دينية متعلقة بموقف اليهودية من المسيح ورسالته، والاعتقاد بتحريض اليهود على صلبه. ثم تطوّرت دينامية انتشار تنميطات سلبية لسلوكهم وأخلاقهم ونمط حياتهم، وحتى بعض صفاتهم الجسدية.

في ظلّ الحكم الروماني المتأخر الذي اعتنق المسيحية، عومل اليهود مثلما عومل الهراطقة. فمثلًا في ظل حكم جستينيان (Justinian، 482–565)، حاكم الإمبراطورية الشرقية منذ عام 527 حتى وفاته، حُرموا من الوظائف الإمبراطورية والمهن القانونية، ومن وراثة الأملاك وتوريثها، ومن الشهادة في المحاكم. كان هذا نقيض المزايا التي منحتها روما الوثنية لهم بعد القرن الأول للميلاد، إذ سُمِحَ لهم حينها بعدم عبادة الإمبراطور والعيش بموجب قوانينهم الخاصة في أرجاء الإمبراطورية، كما اعتُرِفَ بقيادتهم الدينية التي كان مقرّها (بعد قمع التمرّد اليهودي الثاني عام 135م) في طبريا، إلى أن اندثرت سلالة الزعامة الدينية عام 429م. ولكن بعد صعود المسيحية في الإمبراطورية، في القرنين الرابع والخامس، وتحوّلها إلى ديانة إمبراطورية، مُنِع اليهود من الزواج من المسيحيين، ومن ملكية عبيد مسيحيين، وتحويل دين عبيدهم إلى اليهودية، كما مُنعوا من بناء كُنُسِهم أو تصليح تلك القائمة (في ما يشبه أحكام أهل الذمة التي تبنّاها المسلمون).

عندما احتل بيبن الثالث (Pépin III، 715–768)، ملك الفرنجة (الفرانكيون) منذ عام 752 حتى وفاته، مناطق في جنوب فرنسا، سمح لليهود بالحفاظ على أملاكهم العقارية، وحتى بتشغيل مسيحيين أقنانًا (Serfs) لديهم. وتابع هذا التقليد ابنه شارلمان (Charlemagne، 740–814)، ملك الفرنجة بين عامي 768 و800، وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة منذ عام 800 حتى وفاته، وكذلك فعل خلفاؤه؛ فسمح لهم ابنه لويس التقي (Louis the Pious، 778–840)، الذي حكم منذ عام 814 حتى وفاته، بتحويل خدمهم إلى اليهودية إذا شاؤوا، ولكن الامتيازات التي منحها لليهود أدت إلى ردة فعل سلبية لدى عامة الناس، لا سيما أن العديد من اليهود خدموا في بلاطه.

لم يُجبَر اليهود في تلك المراحل على العيش في معازل، كما امتلكوا الأراضي وعملوا فيها، ولم يكن ذلك أمرًا نادرًا في القرن العاشر الميلادي، وقد اندمجوا في محيطهم في بعض المناطق. ونشأت نزعات دينية يهودية قوية ضد الاندماج إلى درجة فرض عقوبات على من يخرقون الشريعة اليهودية خلال القرن الثاني عشر، أي نشأ رد فعل لدى اليهود خشية من التخلي عن الشريعة اليهودية نتيجة الاختلاط بالمسيحيين، وصدرت فتاوى يهودية تمنع تناول الطعام والشرب من الأواني نفسها التي استخدمها مسيحيون.

وفي المرحلة نفسها، ظهر تطبيق الفتاوى الموجهة ضدّ الهرطقة على اليهود أيضًا. وظهرت التنميطات السلبية لليهود بوصفهم يعملون بالمال، وراجت إلى درجة اشتقاق فعل الإقراض المالي (Judaizare) من كلمة يهودي[2]. حظر قادة الكنيسة، مثل القديس أوغسطين (Saint Augustine، 354-430) والباباوات الأوائل في نهاية القرن السادس الميلادي التعرّض لليهود؛ لأن الكنيسة، وهي جماعة المؤمنين التي يمكن لأي إنسان الانضمام إليها، وقد حلّت محل "شعب الله المختار" لناحية الرسالة في الحياة الدنيا والخلاص في الآخرة، تؤمن بالتوراة، وإن كانت الأولوية للعهد الجديد. واليهود هم الشهود على العهد القديم، أي التوراة التي حدّدت دور المسيح المخلّص في التاريخ، ما يفرد لهم مكانة في الرؤية الكنسية للعالم، ويسمح لهم بالبقاء في البلدان المسيحية والعيش فيها، ولكن، لأنهم تنكّروا للمسيح وتمرّدوا على الرسالة الإلهية، وصولًا إلى صلبه، لا يُغفَر لهم إلّا باعتناق المسيحية. وعلى الرغم من موجات الاضطهاد التي تعرضوا لها، كانت اليهودية الديانة غير المسيحية الوحيدة التي سُمح لأتباعها بالعيش في ظلّ المسيحية في العصر الوسيط.


لم تدعُ المؤسسة الدينية المسيحية إلى قتلهم أو إبادتهم، لكنها مَكَّنتهم من أداء أدوار وتأدية وظائف دنيا ومحتقرة، ولا يمكن الاستغناء عنها. فالمسيحية لم تُشجّع على التجارة، كما حظرت الربا. وبسبب ارتباط اليهود بالتجارة والإقراض، أصبح اشتغالهم هذا نوعًا من الاستعارة التي استخدمها عديد من المفكرين الأوروبيين، لكنها استعارة متحققة في الواقع، أي استعارة من لحم ودم[3]. ويشير الباحث روبرت مور إلى قائمة من الأدبيات التي تتفق على أن أوضاع اليهود حتى القرن الثاني عشر كانت في ازدهار في غرب أوروبا، وأن صياغة تعاليم واضحة ضدّ اليهود بدأت أيضًا في ذلك القرن، بما في ذلك ما أصبح يُعدّ في القرن التاسع عشر تنميطات معادية للسامية[4].

بعد مراحل طويلة من الازدهار اليهودي في غرب أوروبا بدأت المواقف والممارسات تتخذ مسارًا معاكسًا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر بالتدريج، فملك الفرنجة، فيليب الثاني أغسطس (Philippe II Auguste، 1165–1223)، الذي ملَك منذ عام 1180 حتى وفاته، طرد اليهود من مناطق سيطرته عام 1182، وسمح لهم بالعودة عام 1198. ومثله فعل لويس التاسع (Louis IX، 1214-1270) عام 1306، ولكن قراره طُبق جزئيًا فقط. كما طردهم إدوارد الأول (Edward I، 1239-1307) من إنكلترا عام 1290، وفقط في عام 1656 أتاح أوليفر كرومويل (Oliver Cromwell، 1599-1658) لليهود الاستقرار في إنكلترا رسميًا. وأسهم الملك ريتشارد الأول (Richard I، 1157–1199)، الذي حكم إنكلترا منذ عام 1189 حتى وفاته وشارك في الحملة الصليبية الثالثة، في إذكاء حمّى ملاحقة اليهود إلى إنكلترا؛ فقد حُرِقت منازل العديد من يهود لندن عند تتويجه، في 3 أيلول/ سبتمبر 1189[5]، كما تعرض حوالي مئة وخمسين يهوديًا للقتل في مدينة يورك (York) في عام 1190. ووفقًا لروبرت ويستريش، أُدخِلَت العلامة الفارقة على ملابس اليهود (Badge of Shame) حوالي عام 1220 في إنكلترا[6]. راحت أوضاع اليهود تتدهور في كافة أنحاء أوروبا، إذ لم يكن لديهم حقوق تمّلك الأرض ووراثتها، ولا حماية المحاكم الملكية (Public Courts) في أنحاء مختلفة من غرب أوروبا، ومن هذه الناحية كانت أوضاعهم تُشبه أوضاع الهراطقة. ولكن في كثير من الأحيان، لم يكن بالإمكان الاستغناء عن رأسمالهم ومهاراتهم.

بدأ التغيير في القرن الحادي عشر مع الحملة الصليبية الأولى (1095م)، ومع الحملات الصليبية ضدّ المسلمين في إسبانيا. يَصعُب تقدير عدد الضحايا اليهود في هذه الحملات، لا سيما في الحملة الصليبية الأولى. كما قَتَل العديد من اليهود أنفسهم وعائلاتهم كي لا يُجبرهم المشاركون في تلك الحملة على تغيير دينهم[7].

جرى في تلك الفترة تنميط اليهود بوصفهم أعداء المسيح والمسيحيين العاملين بالإقراض بالربا، وما يرتبط بذلك من أعمال. من ناحية أخرى، في تلك المرحلة، راج اعتبارهم أقنان الملك، أي أنهم ليسوا فلاحين أقنانًا عند الإقطاعيين أو تابعين لمدينة، وإنما يتبعون الملك مباشرة، كأنهم خدمه أو عبيده. وربما كانت هذه عبارة عن استعارة في البداية، ولكنها طُبّقت أحيانًا بالفعل بمصادرة أملاكهم بوصفها أملاك الملك. وفي حالات محددة، يذكرها روبرت مور بالتفصيل، جرت قوننة تبعية اليهود للملك، بحيث تعود أملاك اليهودي إليه بعد وفاته، أو حتى من دون ذلك، إذا شاء الملك ألّا يُسدد ديونه لمقرضين يهود مثلًا. ففي عام 1179، عاقب الملك فيلب الثاني أغسطس اليهود بسبب الكراهية الشخصية، وأيضًا بسبب الجشع، فبعد أن طردهم صادر أملاكهم غير المنقولة لصالحه، كما وجّه إليهم تهمة ممارسة الربا وقتل المسيحيين وتدنيس مقدسات مسيحية. ويقول مور إنه من الواضح أن اليهود في هذه الحالة عُدّوا أقنانًا عند الملك بأثر تراجعي، أي بعد أن أتمّ عملية النهب[8].

في نهاية القرن الثامن عشر أصبحت مظاهر إقصاء اليهود، مثل حرمانهم من الانضمام إلى النقابات الِحَرفية، بديهيةً، وأصبح مجال العمل المتاح لهم هو المهن المُذلّة، وأيضًا العمل بالتجارة بالمال وإقراضه، ولكن ثمة استثناءات حتى في تلك الفترة، فظلّ هناك صاغة يهود وأطباء وآخرون يعملون بمهن أخرى[9]. لم يكن اليهود دائمًا تجّارًا، لقد أصبحت نسبة كبيرة منهم تعمل في التجارة في العالم المسيحي، في العصر الوسيط، على غرار التجّار المتحدرين من الشعوب المهاجرة الأخرى؛ أي الشعوب المشتتة في العديد من الأقطار، مثل الأرمن واليونان (والصينيون في المشرق). طوَّر هؤلاء التجّار شبكات عابرة للحدود من أبناء ملّتهم. ونتيجة لعدم ارتباطهم بأرض محددة ومهن مستقرة، فإن ثروتهم اقتصرت على المال؛ لقد راكموا قوة مالية يرافقها عجز سياسي. إنها قوة اقتصادية هشّة ومُعرّضة للخطر؛ لذلك غالبًا ما نجدهم يبحثون عن تحالفات وحماية، وقد يُفسّر ذلك التودّد الدائم للسلطات القائمة.

كان اليهود في العصر الوسيط هم الآخر الديني في مجتمع تهيمن فيه ثقافة دينية. ولكن الثقافة الدينية كانت مهيمنة أيضًا في الجماعات اليهودية ذاتها، متضمنةً موقفًا شديد العداء للمسيحية، تمثّل بنعت المسيح بالنبي الكذاب، وأمه، ذات المكانة الخاصة لدى المسيحيين، بـ "مريم الزانية"، ورفض الاختلاط بغير اليهود، أو تناول الطعام على موائدهم. وقد أصرّ اليهود على التميّز عن محيطهم منذ العصور القديمة، العصر الهيليني والروماني وغيره. وعناصر تميّزهم التي جعلتهم يعيشون في مجتمعات منغلقة هي المحرّمات من الأطعمة وسُبل إعداد الطعام، التي منعتهم من الأكل والشرب مع غير اليهود، والحفاظ على حُرمة يوم السبت، ورفض الزواج المختلط، إضافة إلى الشعور بالتفوّق على الديانات الوثنية التي سادت آنذاك، واحتكار الله الواحد بوصفه إلههم وحدهم، وهم شعبه، والتعامل مع المسيحية باعتبار أنها إيمان بنبوّة كاذبة. كان هذا كله في مرحلة انتشر فيها اليهود في منطقة حوض المتوسط منذ ما قبل الميلاد بقرونٍ كثيرة.

وقد أشار العديد من المفكرين والباحثين إلى أن الاعتقاد أن اليهودية متفوّقة على الديانات الأخرى بتقديرها قيم المساواة والتسامح هو خداع ذاتي، ومثله الاعتقاد أن اليهود كانوا دائمًا مسالمين ومُعرّضين للاضطهاد والملاحقة؛ ففي البيئة المسيحية كان العداء والرفض متبادلين بين اليهود والمسيحيين. كما أن اليهود المتدينين عمومًا اعتبروا أن الوجود في هذه المجتمعات منفى وعقوبة إلهية، وهي بطبيعتها مؤقتة، تنتهي بالخلاص مع قدوم المسيح المنتظر. وأشار أحد أهم مؤسسي علم التاريخ في الجامعات الإسرائيلية، يعقوب كاتس (1904-1998)، أنه عندما كُشِفَ الجانب الآخر، وهو العداء العنيف في التقليد اليهودي ضدّ المسيحيين، أصيب الجمهور اليهودي بالاندهاش[10].

تعرّض اليهود للنبذ والاضطهاد في فترات معيّنة من مرحلة هيمنة الكنيسة في منتصف العصر الوسيط بسبب مقاومتهم لضغوطها. ولكن فقط في القرنين التاسع عشر والعشرين أصبح العداء للسامية عائقًا أمام اندماج اليهود في مجتمعاتهم (في زمن تبلور الدولة الوطنية التي تبنى فيها الأمة على أساس القومية لا الدين، التي شهدت صعود مكانة المواطنة إلى درجة تحوّلها إلى المكوّن الأولي للأمة في بعض الدول)ممة عل، لأنه حتى القرن التاسع عشر، لم يكن الاندماج من دون تغيير الدين مطروحًا، ولم يرغب اليهود أصلًا في الاندماج ولم يتطلّعوا إليه.

لقد تغلغلت المسيحية في حقبة هيمنتها فعليًا في الفئات الشعبية في أوروبا، في نهاية القرن العاشر للميلاد، بعد الانتصار الكامل على الوثنية وتمدّد الكنيسة والرهبنات. وانتشرت معها القصص عن عجائب المسيح وصلبه ومسؤولية اليهود عن ذلك. وتجلّى التديّن الشعبي المسيحي المحمّل بالقصص التي تحطّ من شأن اليهود وتشيطنهم إبّان انطلاق الحملة الصليبية الأولى، التي نكّل فيها الحجاج المتجهون نحو القدس باليهود الذين صادفوهم حينما اجتاحوا وسط أوروبا في طريقهم نحو المشرق، "لتخليص الأراضي المقدسة من الكفار" ومن أجل "الخلاص الذاتي" للمحررين أنفسهم، وقتلوهم، ولا سيّما يهود منطقة الراين في عام 1096. ففي مدن حوض الراين وبلداته "قُتل مئات عديدة من الرجال اليهود، فيما اغتُصبت نساؤهم وبناتهم وأبناؤهم أمام أعينهم. وقتلَ كثيرٌ من اليهود أنفسهم وأبناءهم حين أُجبروا على التنصُّر بالقوة"[11].

فلقد شاعت فرية استخدام دم الأطفال المسيحيين في شعائر اليهود الدينية في تلك المرحلة. وهي فرية قديمة سبق أن استُخدمت ضدّ المسيحيين الأوائل الذين كانوا مُلاحقين في الإمبراطورية الرومانية، فاتّهموا بأنهم يذبحون الأطفال في شعائرهم الدينية. في القرن الحادي عشر، جرى إحياء هذه الفرية من خلال الادعاء أن الهراطقة الذين أُحرقوا في مدينة أُرْلِيَن (Orléans) في عام 1022 أدينوا بارتكاب جريمة استخدام رماد الأطفال الذين وُلدوا نتيجة لممارستهم الجنسية غير الشرعية في شعائرهم، فصنعوا منه مسحوقًا يؤدي تناوله إلى نشوء رابطة وثيقة لا تنفصم بين من تناولوه[12]. وقد راج لاحقًا توجيه تهمة ممارسة الطقوس السرية التي يُستخدم فيها دم الأطفال ضدّ اليهود.

يجدر هنا التنبيه إلى أنه في مراحل العداء الشديد للآخر المختلف، تُروّج الخرافات بأن الفِرق الدينية المنشقة، أو أتباع الديانة المخالفة، يجتمعون اجتماعات سريّة ويمارسون طقوسًا منافية للأخلاق السائدة، مثل الممارسات الجنسية الجماعية، أو يستخدمون دم الأطفال في شعائرهم، إذ تُسقَط التهيؤات والكوابيس الأشد إثارة لخوف الناس و/ أو اشمئزازهم على ممارسات الآخر المكروه. وكان استخدام قتل الأطفال في الشعائر الدينية أساسًا لمئة وخمسين محكمة ضدّ يهود في العصر الوسيط المتأخر، وفقًا للباحث جوشوا تراختينبيرغ[13]. وقد ظهرت التُهم في القارة الأوروبية وإنكلترا في الوقت نفسه.

كان قد فُرِضَ على اليهود قرار العزل بموجب قرارات المجلس البابوي (المجمع اللاتيراني الرابع)، منذ عام 1215، الذي طلب من اليهود، كما في حالة أهل الذمة في الإسلام، وضع شارة تميّزهم عن المسيحيين. وثمة مقاربات تاريخية مفادها أن مصدر الاضطهاد الجماعي الرئيس لم يكن الكنيسة، بل كان العامل الأهم هو صعود قوة دنيوية لديها مصالح دنيوية متمثّلة بفئة المتعلمين المحيطة بالملوك، أي نشوء المجال السياسي. وأصبحت البابوية مرآة للسياسات الدنيوية من خلال نوع من الملكية البابوية. أدت الكنيسة دورًا في تشكيل ما يُسمّيه روبرت مور تكوين المجتمع المضطهِد (Persecuting Society)، ولكن ليس دور القيادة.

لقد بدأت ملاحقة اليهود بعد القرن الثاني عشر، مع نشوء فئة المُتعلِّمين الذين يخدمون في بلاط الأمراء، وكذلك لدى الإكليروس (Clergy)، أي بعد نشوء مهنة أو تخصص ذي علاقة بالحكم. هنا نجد وكلاء الاضطهاد ومنظّريه انطلاقًا من حماية مصالحهم وحماية مصالح النظام من خلال تحديد الآخر، العدو. صاغ هؤلاء الموظفون جميع الكلمات المستخدمة في وصف الهراطقة، وأيضًا المصابين بالجُذام واليهود، من جزئيات منتقاة من الواقع كما وجدوه، وبمساعدة نصوص قديمة، إذ تميّز هؤلاء الموظفون عن غيرهم بأنهم كانوا مطّلعين عليها، واستمدوا سلطتهم من هذا الاطّلاع. واستغلوا خوف الجماعات التقليدية من النجاسة ومن تهديد الغريب ضدّ الهراطقة والمجذومين واليهود والعاملات بالزنا والمشرّدين، وضدّ كل من يُمكن أن يُهدِّد الجماعات التقليدية. هم أيضًا الذين استبدلوا وسائل التحقيق البدائية، مثل امتحان المتهم بواسطة الماء أو النار، وأحلّوا محلّها التحقيق القائم على استجواب المتهمين، الذي هو أساس محاكم التفتيش. ولا يُمكن تفسير اضطهاد إحدى المجموعات المذكورة من دون الأخرى، كما أن الوسائل نفسها التي استخدمت ضدّ اليهود، استُخدمت ضدّ المتهمين بالهرطقة أو غيرها.

 لقد كان سياق الملاحقة أو الاضطهاد منذ القرن الثاني عشر نشوء صياغات وتعميمات عن الآخر ومجموعة فرضيات وإجراءات زادت من احتمال حصول الاضطهاد، وجعلته أكثر حدّة وديمومة من ذي قبل فلم يكن هذا هو الحال في حالة العنف بين الجماعات، أو داخل الجماعات قبل القرن الثاني عشر[14].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد رافق انتشار الطاعون في أوروبا في القرن الرابع عشر حملات تنكيل ضدّ اليهود بلغت ذروتها في عام 1391، ثم واقعة طرد يهود إسبانيا ومسلميها في عام 1492، ومن البرتغال عام 1496، بعد أن لجأ بعض يهود إسبانيا إليها، حين خُيِّروا بين التنصّر والطرد. لقد أدت حملة الإجبار على التنصير إلى اعتناق جماعي للمسيحية، كما أدت إلى هجرة جماعية يهودية من شبه جزيرة إيبيريا[15]. واستخدمت عبارة "صفاء الدم" (Limpienza de sangre) على نطاق واسع جدًا في إسبانيا من جانب السلطات وهيئات التفتيش الكنسية في تلك الفترة، وظهرت نزعة التشكيك باليهود الذين تنصّروا رغمًا عنهم؛ ما رمز إلى أن اليهودي يبقى يهوديًا.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

لم يختلف موقف الإصلاحي مارتن لوثر (Martin Luther، 1483-1546) الذي شقّ الكنيسة وأسس المذهب البروتستانتي، عن تلك المواقف؛ فبعد أن راهن في البداية على تحوّل اليهود إلى المسيحية بعد ظهور البروتستانتية، وتعاطف معهم ضدّ الكنيسة الكاثوليكية، عاد ونشر أكثر الكتابات حدّةً ضدّ اليهود، داعيًا المسيحيين إلى إبادتهم، وداعيًا الأمراء إلى تهديم معابدهم ومنازلهم، مستخدمًا في وصفهم نعوتًا تصمهم بالقذارة والخبث والمكر والجشع والتآمر على المسيحيين، وغيرها من الأوصاف التي تكرست في معجم العداء للسامية لاحقًا بعد الانتقال من الكراهية الدينية إلى الكراهية العرقية، ما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة منهم قسريًا، ولا سيما إلى بولندا التي طوّروا فيها لاحقًا لغتهم الألمانية إلى اللغة اليديشية.

ونظرًا إلى أنهم لم ينتموا إلى أي من الفئات الاجتماعية/ الاقتصادية القائمة، الفلاحين والنبلاء الإقطاعيين ورجال الدين المسيحيين والحرفيين المؤطرين في روابط مهنية (أخويات نقابية Guilds)، بسبب تميّزهم الديني والتمييز ضدّهم، فقد عملوا في مِهَن محتقرة ومنبوذة، مثل جمع النفايات وحفر القبور، وبعض المهن غير المؤطرة في أخويات نقابية حرفية، وكذلك في التجارة، ولاحقًا الإقراض المالي، وهي المهن الوسيطة بين الوحدات الإنتاجية، والعابرة للإقطاعيات والإمارات المختلفة. كان اليهود هم الآخر بالنسبة إلى المجتمع الإقطاعي القائم على نظام أبوي (بطريركي) مسيحي. وكان النظام الزراعي المُغلق القائم على وحدات كوربوراتية بحاجة إلى من يؤدي دور الوساطة بين الوحدات الاجتماعية/ الاقتصادية المعزولة نسبيًا بالتجارة والإقراض وغيرها، ما جعل من اليهود نفسهم وحدة كوربوراتية قائمة بذاتها بين المجتمعات. وفي شرق أوروبا، حيث كانت أغلبية اليهود في العالم تعيش في نهاية العصر الوسيط، عمل اليهود أيضًا في ورش عند أصحاب عمل يهود، كما عملوا في الزراعة وسائر المهن في بلداتهم الخاصة بهم، فشكّلوا مجتمعات قائمة بذاتها.

لقد حوّلتهم عزلتهم وعدم اندماجهم في الطبقات الاقتصادية/ الاجتماعية القائمة إلى "شعب طبقي"، وفقًا لبعض الباحثين، أو "جماعة طبقية"، مثل المهاجرين اليونان والأرمن. وهذا تعميم مسقَط من الحاضر على الماضي؛ فلم توجد في العصر الوسيط طبقات اقتصادية محض، بل تشابك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في بنية الجماعات. فثقافة الملوك والنبلاء (وأحيانًا حتى لغتهم) اختلفت عن الفلاحين، الذين اختلفت ثقافتهم عن الحِرفين وأصحاب المهن في المدن. ولكن اليهود تميّزوا عن هؤلاء جميعًا بديانتهم. ومع نشوء الرأسمالية الحديثة، كانت قد تكرّست تعميمات في النظرة إلى اليهود ارتبطت بموقف شعبي وديني سلبي من الربا والإقراض، وحتى التجارة التي نظرت الكنيسة إليها بوصفها حبًا للمال والدنيا ونوعًا من الجشع، ونظر إليها النبلاء بازدراء، مع أنهم احتاجوا إليها، فقد احتاجوا إليها واحتقروها. وتأثر الفلاحون بمنظور الكنيسة، إضافة إلى سهولة إثارة الموقف السلبي من اليهود في المعتقدات الشعبية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

تميّز وضع اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر عن بقية المنبوذين المُعرَّضين للاضطهاد، مثل الهراطقة والمصابين بالجُذام والعاملات بالزنا، في علاقتهم مع أولياء الأمور، أي الملوك والأمراء، بسبب قضايا الإقراض والتجارة. ولذلك غالبًا ما رافق حالات التمرد أو الثورة على الأمراء هجمات على اليهود، وفقًا لأستاذ التاريخ جون موندي[16]. ثمّة تقليد ممتد من القرون الوسطى وبدايات الحداثة بتقريب الملوك والأمراء المقرضين اليهود إليهم للاستفادة من شبكة علاقاتهم على مستوى القارة، وللاستفادة من قدرتهم على تحصيل السلع النادرة، وتأمين المال لإقراض الملوك والأمراء أنفسهم. وكان الانقلاب على هؤلاء اليهود بمثل سهولة تقريبهم. راجت إذًا صورة عن اليهودي بأنه ثري ومُقرض بالربا، طفيلي ومتطفل على بلاط الملوك، وصاحب نصيحة خبيثة، لأنه يكره المسيحيين ويتمنى لهم الأذى في سره؛ وكان النموذج لما يُسمى "يهودي البلاط" في بداية القرن الثامن عشر في ألمانيا، هو المصرفي الألماني جوزيف زوِس أوبنهايمر (Joseph Suess Oppenheimer، 1698–1738)[17] الذي أُعدم بعد وفاة حاميه، دوق مقاطعة فوتنبيرغ. وقد راج اسمه في الثقافة الشعبية بصيغة شخصية "جود زوِس" (Jud Suess)، التي استخدمت في السينما والمسرح، وصناعة الثقافة النازية عمومًا. سهّلت هذه المعتقدات حرف النقمة عن الملوك وتوجيهها ضدهم، كما يحصل غالبًا حين توجَّه النقمة ضدّ البطانة السيئة. وفي حالة تحدُّر المقربين من أقليات دينية، تكون مهمة التحريض عليهم سهلة للغاية، ويصحّ ذلك على سائر الحضارات.

غالبًا ما يُنسى أن أغلبية اليهود في تلك البلدان، وفي تلك المراحل، لم يعملوا بالمال، وحتى الذين عملوا بالتجارة، "تخصصت" أغلبيتهم بالتجارة الرخيصة في أسفل السلم الاجتماعي، إذ كانوا بائعين متجولين، أو باعة ثياب مستعملة وخردة، أو عملوا زبالين أو حفّاري قبور، أو غيرها من المهن.

اليهود في ظل الحكم الإسلامي

كتب بولياكوف أن اللاسامية ليست سوى الإسقاط الاجتماعي للتوتر الخاص بين اليهودية والديانات التي تشعبت منها (أي المسيحية والإسلام وفقًا للكاتب)، ولم يحصل ما يشبه هذا التوتر بين اليهود وأتباع الديانات الأخرى في الهند والصين مثلًا[18]. ولكنه كتب أيضًا في موضع آخر أنه خلافًا لما حصل في الغرب، فإن اليهود في الشرق لم يكونوا، بتعابير يهودا هليفي (Judah Halevi، 1075–1141) "القلب المتألم للأمم" (The aching heart of nations)، ولم يكونوا خميرة ضارة أو متضررة في وسطها؛ لم يصدموا العالم بتاريخ من المذابح التي تعرضوا لها، ولم يؤدوا أدوارًا تاريخية غير متناسبة مع حجمهم ثقافيًا واقتصاديًا. باختصار، لم ينجم عن وجودهم أنهار من الحبر والدم[19].

لم يعرف الإسلام عمومًا كراهية تجريمية حادة لليهود من منطلق ديني، من نوع تجريم المسيحية اليهود بتهمة صلب المسيح. كما أن الإسلام لم يحتقر دافع الإثراء في المهن التي أُلصقت بهم، مثل التجارة، بل شجّع على التجارة أصلًا، وإن حظر الربا. ولكنّ طبيعة النظام الاقتصادي الذي نشأ في بلدان الفتح رفع من مكانة ملكية الأرض والفروسية، وعمل المسلمون في التجارة، لكنّ نسبة العاملين فيها من غير المسلمين، وفي مقدمتهم اليهود، كانت مرتفعة، ولا سيما في وظائفها الأساسية المتمّمة، مثل الصرافة والإقراض والسُّفتجة التي هي الكمبيالة (Letter de change) في مبناها واستعمالها[20]. وعُرف من يعمل في هذه الوظائف باسم الجهبذ الذي كان يحوز على مكانة اجتماعية وسياسية عالية في دار الخلافة ودواوينها، باعتبار أن الجهابذة هم التجّار الذين أخذوا يشتغلون بالصيرفة والائتمان[21]. وكان معظم الجهابذة يهودًا، كما عمل اليهود في بعض المهن غير المؤطرة في طوائف الحِرف، مثل الطبابة.

تضمنت الآيات المكية في القرآن موقفًا إيجابيًا من أنبياء بني إسرائيل الذين تبنّاهم القرآن، كما تكرر الآيات المتعددة مخاطبة الله لهم؛ لكنّ الآيات المُعادية لليهود (غالبًا ما تتغير فيها التسمية من بني إسرائيل إلى اليهود) هي الآيات المدنية في مرحلة الصراع مع قبائلهم في المدينة وفي واحة خيبر. وعمومًا، يُلاحظ أن علم الكلام والفقه الإسلامي يخلو تقريبًا من النقاشات الثيولوجية ضدّ اليهودية، مقارنةً بالنقاشات مع المسيحية. ويُعَدّ كتاب ابن حزم الأندلسي (ت. 456هـ/ 1064م) ضد صموئيل بن نغريلة (ت. 449هـ/ 1057م) الذي يُناقش فيه اليهودية، والذي صدر بعنوان: الرد على ابن النغريلة اليهودي، استثناءً بتضمنه نقاشًا لاهوتيًا ضدّ اليهودية، وتهمًا بتزوير التوراة الأصلية. وقد تميز ابن حزم بهذا الجهد، وبمعرفته التوراة وبعض النصوص اليهودية عن غيره ممن اهتموا باليهودية لغرض نقل المعلومات مثل اليعقوبي والمسعودي والمقدسي والبيروني والطبري[22]. ولهذا سوابق أيضًا. وفي كتب التاريخ التراثية والتراجم وغيرها توجد تعبيرات عن احتقار اليهود، وأخرى، أقل، عن إعجابٍ بهم[23]. لقد وردت الآيات القرآنية التي تذمّ اليهود في سياق حرب ضارية مع قبائلهم في المدينة في مرحلة تاريخية مبكرة؛ فعمومًا عُدَّ اليهود من أهل الذمة، كما أن التنافس والصراع الرئيس للحضارة الإسلامية ودولها المختلفة بعد مرحلة الدعوة كان مع الإمبراطوريات المسيحية. وكانت المسيحية عمومًا ديانة تبشيرية، أما اليهودية، فلم تعد كذلك في تلك المرحلة.

ووفقًا للباحث مارك كوهين، وقف كتّاب ومثقفون يهود خلف بعث فكرة الإسلام القروسطي المتسامح (وهي عبارة أنكرونية من خارج سياقها التاريخي) في مقابل صعود اللاسامية في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا في القرن التاسع عشر. وكان ذلك نقدًا لما يجري في أوروبا من خلال تعيير الأوروبيين بتفوّق الإسلام عليهم في هذا المجال. ولكن ثمة أساس لهذه الفكرة؛ فعمومًا، وحتى القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، أي في الفترة التي لم يواجه فيها الحكم الإسلامي تحديات خارجية، أظهرت الحضارة الإسلامية تسامحًا دينيًا وتعايشًا تعدديًا بين الديانات[24]؛ تعمّق التسامح مع أهل الذمة، وتوسّع مجاله من مرحلة الخلفاء الراشدين وحتى القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري)، لكنه تراجع بشدة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر (السادس والسابع الهجريين)، مع بدء ضعف الخلافة وتعرّضها لتحديات خارجية وداخلية تُهدِّد وجودها[25]. وعمومًا، يتدهور وضع الأقليات في حالات ضعف الدولة، لأن مكانتها الاجتماعية هشة جدًا، وغالبًا ما يكون المنتمون إليها أول ضحايا عدم الاستقرار والفوضى من دون حمايتها (إلّا إذا كانت الدولة ذاتها تتبنى عقيدة معادية للأقليات).

والحقيقة أنه في العصر الوسيط وحتى الحداثة المُبكّرة، لم يتمحور النقد ضدّ الإسلام في العالم المسيحي على عدم التسامح مع الديانات الأخرى؛ فلم يكن الأوروبيون في ذلك العصر متسامحين دينيًا، ولم يتوقعوا أن يكون الإسلام متسامحًا، بل كان النقد موجّهًا ضدّ عقيدة المسلمين. فعلى نقيض العالم المسيحي، كان التمييز السلبي هو القاعدة، والاضطهاد هو الاستثناء. حصل ذلك في مراحل الأزمات، فمثلًا، شهدت البلدان الواقعة تحت حكم الخلافة تشددًا في الموقف من أهل الذمة في حالة وجود تهديد خارجي، وكذلك مع صعود خلفاء رفعوا راية إحياء الدين وتطهيره من البدع بعدما اتُّهم سابقوهم بالتساهل الديني، كما في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت. 101ه/ 720م) في مرحلة حروبه مع بيزنطة، وبعد فترة من التراخي الديني اتُّهِم به سابقوه من خلفاء بني أمية؛ وفي عهد الخليفة العباسي جعفر المتوكل (ت. 247ه/ 861م) الذي تولى الخلافة بعد تبني الخلفاء (عبد الله المأمون والمعتصم بالله) موقف المعتزلة، والصدام مع أهل الحديث. ومن ضمن التشدد الديني الذي رافق صعودهم، جاء التشدد في إنفاذ أحكام أهل الذمة حيثما تصل يد الدولة. وقد كانت تلك موجاتُ تشدد مؤقتة.

لم يُفرض على غير المسلمين اعتناق الدين الإسلامي، والذين خُيّروا بين اعتناق الدين الإسلامي والموت هم الوثنيون. أما أهل الذمة ففُرض عليهم دفع الجزية، ولم يُفرض عليهم مكان الإقامة، كما حصل في الغرب في العصر الوسيط وحتى بداية الحداثة، كما لم يُقيّدوا في أنواع المهنة التي يحق لهم ممارستها[26]. ومبدئيًا، لم يختلف الموقف من اليهود عن الموقف من المسيحيين. كما لم يوجد في الإسلام أساس للعرقية، إذ لم يعرف الإسلام أرستقراطية متوارثة بالدم (سوى حالة سلالة الرسول، وسلالات الخلفاء والملوك)، أو ما يُشبه الطوائف والفرق الدينية المغلقة في الهند. وكان تعامل الحكّام المسلمين عمومًا مع أهل الذمة ألين وأكثر عملية من موقف العلماء والمُفسرين، فلم يكن هدفهم الإذلال، بل تحصيل الجزية والحفاظ على النظام[27]. وذكّرت شروط العهدة العمرية (المتغيرة النص) أهل الذمة بمكانتهم الدنيا مقارنة بالمسلمين، فقد كان اليهود والمسيحيون عرضة للتقييدات نفسها ضمن الحكم الإسلامي، التي شابهت ما تعرض له اليهود في ظل الحكم الروماني في مرحلته المسيحية، ولا سيما في ما يتعلق بالتميّز في المظهر عن المسلمين، والإقصاء عن المناصب العامة، وعدم ممارسة شعائرهم الدينية علنًا. لم يخترع المسلمون شيئًا جديدًا في هذا المجال، بل أخذوا هذه التقييدات عمّن سبقهم[28].

 وكانت الشكوى أو التذمّر من خيلاء أهل الذمة في حال وصل بعض منهم مناصب قريبة من الحكّام، أو مراكمة ثروات تجعلهم يتظاهرون بالغنى، من المقدمات التي مهدت لحملات الاضطهاد. فيبدو التنكيل بهم وكأنه تذكير لهم بمكانتهم وقدْرهم الحقيقي، ولا سيما من حيث المظهر والسلوك[29]. وقد شكّل أهل الذمة أكثرية الرعايا في الخلافة الإسلامية في بلدان الهلال الخصيب ومصر فترة طويلة امتدت حتى نهاية الإمارات الصليبية. ولكنّ تحديد الجماعة أو الأمة بالدين، وفسح المجال في الوقت ذاته لتغيير الدين واعتناق الإسلام، حوّلا الأقلية المسلمة في المشرق إلى أكثرية في نهاية الأمر.

ولا يستدلّ من تعرّض اليهود للتمييز باعتبارهم ليسوا مسلمين (وليس لأنهم يهود) على أنهم لم يكونوا جزءًا من المجتمع، أو لم يعيشوا مراحل من الازدهار في ظل الحكم الإسلامي[30]، ومن ذلك ظهور علم الكلام والفلسفة لديهم. كتب برنارد لويس أنه خلال المدة الأطول من العصر الوسيط، كان يهود العالم الإسلامي الأكثر حيويةً ونشاطًا بين اليهود في العالم، وكل ما هو عظيم وخلّاق ومبدع في تلك المرحلة في حياة اليهود حصل في العالم الإسلامي. وقد بدأ انتقال مركز ثقل الجاليات اليهودية ونشاطها إلى الغرب في نهاية القرن الوسيط[31].

في العالم الإسلامي، كانت هناك سلوكيات سلبية تجاه غير المسلمين لا تُشبه المزيج بين الخوف والكراهية الذي عرفته أوروبا، ويمكن تعريف الموقف الذي ساد في المجتمعات المسلمة من اليهود بالازدراء أو الاحتقار. إن ذَمَّ الخصم في الحضارة الإسلامية بالزعم أن أصله يهودي، أو أنه يهوديّ الأم، هي ممارسة قديمة. ويمكن القول إن هذا الهجاء لا يتعلق باليهود فحسب، فالتفاخر بالأنساب هي ممارسة قبلية، ومن ضمنها الحطّ من الخصم بنسب غير عريق أو بتحدّره من قبيلة غير مهمة، أو أنه بلا قبيلة يُفتخر بالانتساب إليها. إذًا، فإن أصل الذمّ بالإشارة إلى أصل يهودي، ومع أنه ينمّ عن احتقار للنسب اليهودي، ليس عرقيًا، بل قَبَليًا، لأن التفاخر في الأنساب هو عادة قبلية. والأمر الوحيد الأسوأ من أن يكون الشخص موضوع الذمّ من قبيلة صغيرة أو غير مهمة، هو أن يفتقر إلى النسب القَبَلي. لكنّ الحطّ من شأن الآخر وذمّه أو شتمه بنسب أصل يهودي كاذب له ما زال قائمًا، ولا سيما في تراشق التهم في سياق الخصومة السياسية، وهو يدل على رواج صورة محتَقَرة عن اليهود، سواء أكانت مستوردة أم غير مستوردة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


ويبدو أن إيقاع حياة أهل الذمة من غير المسلمين في العالم الإسلامي، في غير مراحل الأزمات وموجات الاضطهاد، جرى بموجب عادات وأعراف وأعراف أقل تشددًا من نصوص أحكام أهل الذمة، أي إن مقتضيات الحياة المشتركة فرضت تساهلًا مع تطبيقها. ولا تُستبعَد الغفلة عنها والجهل بها فترات طويلة في بعض الأرجاء. وفي بعض المراحل، شهد العالم الإسلامي تشددًا أكثر من المطلوب في أحكام أهل الذمة، يتجاوز فرض التمايز الخارجي وجباية الجزية إلى الاعتداء على اليهود والمسيحيين؛ أي إن أحكام الشريعة كانت هي القواعد النظرية، لكنّ واقع الحياة كان إما أكثر أو أقل تشددًا منها. عانى الذميّون جراء صعود حكّام أتقياء يريدون إحياء الدين وتنقيته من الشوائب، وأيضًا من صعود حركات متطرفة خلاصية، مثل حركة الموحدين عند البربر التي أسسها محمد بن عبد الله بن تومرت (ت.574 هـ/1130م) في القرن الثاني عشر الميلادي، وامتدّ حكمها على المغرب الكبير وصولًا إلى الأندلس، كانت هذه في جوهرها حركة مهدوية خلاصية، اعتُبِرَ قائدها المهدي المنتظر. وتحت وطأة سياسات الدولة الموحدية قُضِي على وجود المسيحيين في المغرب، إذ خُيّروا بين الإسلام والهجرة، وتشددت مع اليهود. وحين أصبح الموقف تجاه غير المسلمين في البلدان المغاربية أكثر تسامحًا كان الوجود المسيحي فيها قد اندثر[32].

موجات الاضطهاد وانعتاق اليهود وبدايات اللاسامية في العصر الحديث

بلغ تعداد اليهود في العالم في عام 1800 حوالي 2.5 مليون، وفي عام 1840 بلغ نحو 4.5 مليون، بمعدل نمو قدره 1.5 في المئة سنويًا. أما في عام 1888 فوصل عددهم إلى ما يقارب 8 ملايين، بمعدل نمو قدره 1.2 في المئة سنويًا. وفي عام 1900 وصل عدد اليهود إلى 10.5 مليون، بمعدل نمو قدره 2.6 في المئة سنويًا، هو الأعلى في السلسلة، وفي عام 1939 وصل عددهم إلى 17 مليونًا، بمعدل نمو قدره 1.4 في المئة سنويًا[33].

في بداية الحداثة، خلال القرن السابع عشر، كان 90 في المئة من يهود العالم يسكنون في بلدات وأحياء خاصة بهم، في المناطق الواقعة في عصرنا في بولندا وبيلاروسيا وأوكرانيا ومولدافيا ولتوانيا، وأغلبيتها أجزاء ضُمَّت إلى روسيا أو فُصِلَت عن بولندا في مراحل مختلفة من التاريخ[34]. وخلافًا ليهود غرب أوروبا، وفي ما عدا حالات المدن الكبرى في النمسا وهنغاريا وألمانيا، التي نجح فيها اليهود بسرعة في ارتقاء السلم الطبقي من خلال النشاط التجاري وإتاحة التعليم الجامعي، والمبادرات الاقتصادية والثقافة وإتقان عدة لغات، عاش يهود وسط أوروبا وشرقها في فقر مدقع حتى نهاية القرن العشرين، وتكلمت أغلبيتهم لغات محلية ولغة الييدِش، وهي خليط من الألمانية (أساسًا) والعبرية، وبعض العناصر من اللغات السلافية، وتُكتب بأحرف عبرية. وقد وفد العديد من اليهود إلى أراضي السلطنة العثمانية في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر من جنوب أوروبا، ولا سيما إسبانيا. وتكلموا لغة اللادينو، وهي خليط بين الإسبانية والتركية واليونانية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كانت المحطة الأولى في ذاكرة اليهود بشأن معاناتهم في العصر الحديث في بولندا، بما فيها أوكرانيا في تلك الفترة، وهي اضطهادهم إبّان ما يُسمّى تمرُّد خيملنسكي عام 1648، حين بدأ تراجع التعددية والتسامح الديني في المملكة البولونية - اللتوانية التي هاجرت إليها أقليات دينية عديدة، ومن ضمنها اليهود وفرق بروتستانتية منشقّة مضطهدة. إذ أدى تمرّد القوقاز الأوكرانيين بقيادة بودان خملينسكي (Bohdan Khemlnytsky، 1595–1657) ضدّ الحكم البولندي إلى مذابح ضدّ اليهود. ويقدَّر أن 100 ألف يهودي فقدوا حياتهم في بولندا وأوكرانيا في الفترة الواقعة بين عامي 1648 و1658. وبعد ذلك، ازداد نفوذ روسيا في المنطقة، ما لم يحسّن وضع اليهود بطبيعة الحال، وحتى في مرحلة حكم الإمبراطورة كاثرين الثانية (Catherine II، 1729–1796)، إمبراطورة روسيا منذ 1762 حتى وفاتها، التي عُرفت بتنوّرها ودعوتها الأجانب إلى روسيا والمشاركة في تحديثها، إلّا أنها استثنت من ذلك اليهود، في ما يبدو مسايرةً للأجواء الشعبية الدينية المعادية لهم[35].



نتيجة لتقسيم بولندا نهاية القرن الثامن عشر، توزّع اليهود بين بروسيا وإمبراطورية آل هابسبورغ (النمسا)، التي سيطرت على البلقان وروسيا القيصرية. وتجمّعت أغلبيتهم في منطقة غرب روسيا، من بحر البلطيق شمالًا إلى البحر الأسود جنوبًا (The Pale of Settlement)، حيث استمر تقييد وجودهم فيها رسميًا بين عامي 1791 و1915. وحُظِر عليهم السكن خارجها، إلّا استثناءً. وكانت عمومًا منطقة متخلّفة اقتصاديًا، وقد شكّل اليهود نسبة عالية من السكان فيها. 

وخلال القرن التاسع عشر، ازداد عدد اليهود في شرق أوروبا على نحوٍ مضطرد، من 1.5 مليون في بداية القرن، إلى 8 ملايين في نهايته. كان معدل النمو السكاني لهؤلاء اليهود أعلى بكثير من معدل النمو السكاني لغير اليهود في محيطهم في أوروبا الشرقية[36]. ولا يعقل أن يتضاعف النمو السكاني عدة مرات في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية تقتصر على الفقر والاضطهاد؛ وبناء على ذلك، لا يصحّ اختزال عيشهم على مثل تلك الظروف، فهي قاصرة عن تفسير النمو السكاني الكبير وحتى الازدهار في بعض المجالات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أما المحطة الثانية فكان الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في روسيا منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد اغتيال القيصر الإصلاحي ألكسندر الثاني (Alexander II، 1818-1881) يوم 13 آذار/ مارس 1881، الذي أعقبه سياسات قمعية متشددة عمومًا ضدّ أي معارضة في عهد ألكسندر الثالث (Alexander III، 1845-1895) ونيقولاي الثاني (Nicholas II، 1868-1918). وأدت حملات الاضطهاد إلى هجرة واسعة نحو غرب أوروبا والولايات المتحدة. وفي بداية القرن العشرين، اشتهرت مذبحة كيشنيف (pogrom Kishinev) ربيع 1903، التي كان لها أثر كبير في صعود الصهيونية في شرق أوروبا وروسيا. منذ تلك المذبحة، انتشرت كلمة بوغروم (Pogrom) في اللغات الأوروبية، وهي كلمة روسية تعني تدميرًا عنيفًا. وحتى بعد علمنة العداء لليهودية في العداء العرقي للسامية، ظلّ العداء لليهود في روسيا مُصاغًا بلغة دينية. وفي المقابل، كان التنصّر الأرثوذكسي كافيًا لكي يندمج اليهودي في المجتمع ويتبوأ مناصب مرموقة في الدولة[37].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أدّت زيادة عدد السكان والكثافة الديمغرافية اليهودية في مناطق واسعة إلى انتقال أعمالهم من التجارة، على أنواعها، إلى العمل المأجور في وِرَش يملكها يهود. وعمل أقل من نصفهم في التجارة، فيما عملت نسبة مماثلة في الورش المختلفة. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أصبحت منطقة غرب روسيا بوتقة تشكّل الاشتراكيين اليهود. وبين عامي 1880 و1914، هاجر 2-2.5 مليون يهودي من هذه المنطقة، توجّهت أغلبيتهم إلى أميركا الشمالية[38]. أما الأعمال التي عملوا فيها في أميركا، ولا سيما حين وصلوا إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة، فكانت النسيج والتجارة المتجوّلة وغيرها من المهن الفقيرة. وأصبح بعضهم أصحاب محلات تجارية صغيرة، ولكن الفرص التي أتيحت لهم من دون تمييز، خلافًا لمواطنهم السابقة، سمحت لهم بتسلّق السلم الاقتصادي، من عمّال في مصانع النسيج إلى أعمال اقتصادية حرّة، ثمّ إلى ملكية مصانع نسيج وغيرها. حمل اليهود معهم إلى أميركا أفكارًا اشتراكية، وانتقلت هذه الأفكار بالتوارث داخل عائلاتهم، ولكنها انقرضت مع الوقت، لأن الأساس الاجتماعي لها، والمتمثّل بالحرمان وانعدام الفرص وغيرها، كان قائمًا في أوروبا الشرقية. أما في أميركا فأصبح الشغل الشاغل هو استغلال الفرص المتاحة التي وفرت دوافع محركة للإنجاز بعد طول حرمان في مواطنهم الأصلية.

أما في غرب أوروبا، فحين بدأت عملية نشوء الدولة الحديثة من خلال مركز السلطات في الملكيات المطلقة، كانت العائلات التجارية اليهودية قد راكمت ثروات وتجارب وخبرات في مجال الأعمال والتجارة، التي اندفعت فئات برجوازية غير يهودية واسعة إلى ممارستها. بيد أن التجّار والمقرضين اليهود كانوا الفئة السكانية الأكثر تأهيلًا لدخول الاقتصاد الرأسمالي، ليس بسبب تراكم الخبرة والثروة (بمعناها الرأسمالي الجديد، أي المتمثّلة بالنقود تحديدًا) فحسب، وإنما أيضًا بسبب شبكة علاقتهم المتشعبة العابرة للحدود، ومعرفة اللغات التي أمكن تسخيرها ليس في خدمة التجارة فحسب، بل أيضًا في الدبلوماسية والوساطة بين الأمراء والملوك الذين قرّبوا المتمولين اليهود منهم عند الحاجة.

ومع تقدّم التحديث على حساب الاقتصاد الزراعي، والهجرة من الريف إلى المدينة على حساب الجماعة الريفية، وتقدّم البرجوازية التجارية والصناعية على حساب الروابط الحِرَفية، أصبح من الممكن أيضًا توجيه نقمة المتضررين من التحديث (تذرير الأفراد وتسليع العلاقات الاجتماعية) ضدّ اليهود. وفي الوقت ذاته، بدأ التنافس بين التجّار والبرجوازيين وأصحاب البنوك، وزملائهم اليهود الأسبق إلى هذه المجالات. وقد انتشرت ظاهرة ربط اليهود بالتداول في المال والإقراض والتجارة لدى بعض فلاسفة التنوير، الذين تبنوا أيضًا موقفًا حادًا من أخلاقيات التوراة كما تجلّت في الأسفار الأولى.

دان ڤولتير (Voltaire، 1694–1778) هذا النشاط الاقتصادي ونسبه إلى اليهود، مع وسمه بالجشع والاحتيال، مع أنه كان هو نفسه متّهمًا بالاحتيال والجشع في التجارة، إلّا أنه حوّله إلى موقف من نشاط اليهود عمومًا منذ عهد إبراهيم، الذي رأى أنه كان موافقًا أن تعمل زوجته في الزنا من أجل المال حين حلّ في مصر[39]. ألصق ڤولتير الكثير من النعوت السلبية باليهود، وقد كرههم، ولكنه، وفق الكثير من التحليلات، كان يقصد بذلك أيضًا نقد المسيحية التي تبنّت التوراة. لقد شخّص في اليهودية كل ما ينتقده في الحضارة الأوروبية في بداية الحداثة. ويرى يعقوب كاتس أنه على الرغم من أسلوب ڤولتير التاريخي العقلاني النقدي، فإنه بقي في الحقيقة مُحتفظًا بتنميطات مسيحية سلبية لطباع اليهود، وربما استقرت في عاطفته، وإن غادرها عقلانيًا[40].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد أثّر تعليل الفيلسوف اليهودي الأصل باروخ سبينوزا (1632–1677) كراهية اليهود للشعوب الأخرى في فلاسفة التنوير من بعده، مثلما أثّرت فلسفته في الدراسات النقدية للتوراة (studies Critical biblical). لقد كتب يقول إن حُبّ العبرانيين لوطنهم لم يكن مجرد حُبّ عادي، بل نبع من تقوى دينية، وإن كراهيتهم للشعوب الأخرى هي أيضًا جزء من تديّنهم وتقواهم. فقد عبّروا عن هذا الحُبّ للوطن وعن كراهية الشعوب الأخرى عبر الطقوس الدينية اليومية التي لم تعزز شعورهم بالتميّز والفرادة عن الشعوب الأخرى، وتختلف عن طقوس الأمم الأخرى فحسب، بل كانت أيضًا مناقضة تمامًا لديانات الشعوب الأخرى. وتولّد عن التميّز إلى درجة الشعور بالتفوّق شعورٌ مستمر ومتبادل بالكراهية بينهم وبين الشعوب الأخرى، لا سيّما أن هذه الكراهية بحد ذاتها جزء من التديّن والتقوى لدى العبرانيين[41]. ويرتبط الأمر، وفقًا لسبينوزا، ليس بالتديّن والشعور بالتفوّق فحسب، بل أيضًا بصورة الله (يهو) في التوراة وغيرته وغضبه وانتقامه من الآلهة الأخرى. وكانت جالية أمستردام اليهودية قد طردت سبينوزا من صفوفها بكتاب حرمان، وهو المتحدّر من عائلة يهودية قدِمت إلى الأراضي الواطئة هربًا من الاضطهاد في البرتغال. وثمّة تقليد نقدي في دراسة التوراة يتواصل حتى القرن التاسع عشر، يرفض ربط المسيحية باليهودية ثقافيًا وأخلاقيًا. وقد ربط إرنست رينان (Ernest Renan، 1823-1892) القيم المسيحية، مثل العطاء ومحبة الآخرين، بأسلافهم الوثنيين لا باليهودية، لأن شخصيات التوراة، مثل الملك داود، كانت أنانية ووحشية، فضلًا عن يهوشع بن نون الذي أباد سكان أريحا بأمر من يهو، الذي أمر أيضًا بإبادة شعب العماليق، كما أمر النبي إيليا بقتل عائلة الملك آخاب وأنصاره بوحشية[42].


ومن النادر أن نجد مواقف غير سلبية من اليهود عند أحد من فلاسفة التنوير، ولم يكن الدافع عنصريًا بقدر ما اختلطت المواقف السلبية الرائجة بالنقد التنويري لعادات اليهود وانغلاقهم ونمط تديّنهم. ولم تخلُ فلسفة إمانويل كانط (Kant Immanuel، 1724-1804) الأخلاقية، وقوامها علمنة للأخلاق المسيحية اللوثرية كما تصوّرها، من أفكار مناهضة لليهود، ولا تتفق مع منحهم حقوقًا متساوية. وتشكّل أفكار يوهان فيشته (Johann Gottlieb Fichte، 1762-1814) تحوّلًا إلى القومية المترافقة مع موقف سلبي من اليهود. ثمّة مشكلتان عند اليهود وفقًا لفيشته: أولًا الازدواجية الأخلاقية، ولا سيما إجازة عقيدتهم التعامل غير الأخلاقي مع غير اليهود؛ وثانيًا إيمانهم بإله كاره للبشر (Misanthropic). ويكاد يستحيل على اليهود تجاوز هذه الحواجز، من منظوره، ولذلك يكفي منحهم حقوق إنسان أساسية، لا حقوق مواطنة[43]. ولأن أول مراسيم تحرير اليهود في ألمانيا صدرت عن نابليون في مرحلة احتلاله لها، لم تخلُ الحركة القومية الألمانية (بما فيها الليبرالية) من نبرات معادية لليهود (وقد مرّ العرب بتجربة شبيهة حين رُبطت حقوق الأقليات الدينية المسيحية واليهودية بالضغط الخارجي الغربي في نهاية العهد العثماني، وفي ظل الاستعمار).

بعد جيل على وفاة ڤولتير، بدأت عملية منح الحقوق لليهود، فأصدر جوزيف الثاني (Joseph II، 1741-1790)، الذي يُعدّ نموذج المستبد المستنير، قيصر الإمبراطورية النمساوية منذ عام 1765 حتى وفاته، أول مرسوم للتسامح مع اليهود في عام 1781[44]، في إطار عملية إصلاح واسعة. واصطُلِحَ على العملية التي بدأت حينها "انعتاق اليهود" (Jewish Emancipation). لم يقتصر المرسوم على تحرير اليهود بمنحهم حقوقًا وإلغاء التقييدات القانونية والقيود من ناحية حرية الحركة ونوع المهن التي يعملون بها، بل فُرضت أيضًا خطوات ترمي إلى اندماجهم ودفعهم إلى العمل الزراعي والمنتج، وإلى الاندماج ضمن نظم التعليم الجديدة. أدى ذلك ليس إلى ردّات فعل سلبية تجاه اليهود فحسب، بل أيضًا إلى ردّات فعل سلبية من اليهود أنفسهم، ولا سيما القيادات الدينية.

لقد تحرّر يهود أوروبا الغربية في العصر الحديث على نحو متدرّج، وذلك ليس بسبب انتشار أفكار الثورة الفرنسية فحسب، بل أيضًا بسبب تفكك العلاقات التقليدية والامتيازات الأرستقراطية، وانتشار الثقافة الفردية القائمة على السوق الحرة، وانحسار المجال الديني. وليست صدفة أن أول دولة منحت الحقوق لليهود بعد النمسا وفرنسا (1791) كانت هولندا، وسبق ذلك تحريرهم بمرسوم نابليوني هناك، عام 1796. وكانت بريطانيا قد بدأت هذه العملية في منتصف القرن الثامن عشر، ثم منحتهم الحقوق في بريطانيا نفسها، وفي مستعمراتها أيضًا، بدءًا من عام 1829، وشمل ذلك السماح بعضويتهم في البرلمان عام 1858.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

توقفت عملية تحرير اليهود ومنحهم حقوقًا مدنية خلال موجة الردّة الرجعية العامة في القارة الأوروبية بعد هزيمة نابليون حتى عام 1830، ثم عادت صيرورة التحرر هذه إلى مجراها؛ ففي بروسيا أُقرّت المساواة القانونية عام 1866، وفي إمبراطورية النمسا - المجر عام 1867، وفي إيطاليا عام 1870، وفي سويسرا عام 1874، أمّا في روسيا، فحصل ذلك فقط بعد الثورة البلشفية، إذ استمر فيها التمييز القانوني ضد اليهود والعداء لهم مدة طويلة. وفي كثير من الحالات كانت أجهزة النظام القيصري توجّه نقمة الجماهير ضد اليهود، كما طردهم نظام القيصر من موسكو في عام 1891؛ وهو توقيت تاريخي متأخر لمثل هذا الفعل، إذ نفّذته دول أوروبية قبل قرون من ذلك التاريخ. وفي ما عدا فبركة الصيغة الأخيرة من بروتوكولات حكماء صهيون، شجّع النظام القيصري المذابح ضدّ اليهود، ولا سيما بعد ثورة 1905. وحتى في عام 1911، حوكم رجل يهودي بتهمة قتل صبي مسيحي لاستخدام دمائه في الشعائر الدينية[45].

انتشرت موجة انعتاق اليهود وخروجهم من الغيتو والاستعداد للاندماج في المجتمع كليًا، من خلال المساواة المواطنية في أوروبا بروح الثورة الفرنسية وتداعياتها، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكانت ردّة الفعل على هذه الموجة من منح المساواة المدنية وإتاحة الاندماج من عوامل صعود اللاسامية في القرن التاسع عشر. وأسهمت الهجرة اليهودية الوافدة إلى غرب القارة من شرقها في انتشار اللاسامية، وذلك بعد تعرّض يهود شرقِها (خلال الأزمات الاقتصادية الاجتماعية التي مرت بها، وصعود السياسة الجماهيرية والقوميات الإثنية) إلى حملات متتالية من الاضطهاد. فقد قذفت الهجرة بمئات آلاف اليهود البؤساء من روسيا وأوكرانيا إلى المدن الغربية في المرحلة نفسها التي تحرر فيها سكانها اليهود من الغيتو، وراحوا يندمجون في مجتمعاتها.

كان هؤلاء المهاجرون الوافدون الذين نبذتهم القوميات الإثنية الصاعدة في شرق أوروبا، التي انضافت إلى التمييز على أساس ديني، مختلفين تمام الاختلاف عن اليهود الذين انخرطوا في عملية اندماج في مجتمعات البلدان الغربية، بفضل العلمنة وصعود المواطنة المتدرّج (وأيضًا بسبب قلة عددهم). لقد تكلموا لغات أخرى، وكان مظهرهم البائس مختلفًا، ومارسوا عادات مختلفة، هذا عدا التشرّد والتسوّل، ما أسهم في طرح المسألة اليهودية من جديد في الغرب أيضًا، وعزّز حملات العداء للسامية. كان العداء للسامية في تلك المرحلة نوعًا من العداء للهجرة، مصاغًا بلغة عنصرية تطاول أيضًا اليهود المقيمين. وقد خشي يهود غرب أوروبا، المندمجون، من عواقب هذه الهجرة اليهودية إلى بلدانهم، وأصبح المتموّلون من بينهم جاهزين لدعم الحركة الصهيونية وتوجيه الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ومن دون هذه الهجرة، طُرحت أسئلة مثل صعوبة اندماج اليهود، بمعنى التجانس الكامل، حتى في فرنسا، فعلى الرغم من المظهر الخارجي، ظلّ اليهود المندمجون يمارسون شعائرهم الدينية في المجال الخاص. وكان من السهل أيضًا الإشارة إلى نشاطهم في مجالي التجارة والبنوك لبروزهم فيها، وربما أيضًا في الثقافة والفن والصحافة الصاعدة وغيرها؛ ففي القرن التاسع عشر اندفع عديد من اليهود بقوة لإثبات جدارتهم بالمواطنة التي حصلوا عليها، وللتفوّق في كافة مجالات الحياة، وحققوا إنجازات حقيقية في تلك المرحلة. لكن ذلك لفت النظر وأثار الريبة والشكّ، وأيضًا الحسد. وقد كتب فريدريك نيتشه (1844-1900) عام 1878 في هذا السياق تحديدًا، ملتزمًا بنهجه في تقدير أخلاق القوة والنجاح في مقابل أخلاق العبودية والفشل، أن كراهية اليهود ناجمة عن حسد الفاشلين للناجحين، وهو الحسد المولّد للضغائن، وحاجة الأمم الحديثة إلى كبش فداء للتضحية به باعتبار أنه سبب جميع الموبقات العمومية والخاصة[46].

ومع انتشار السياسة الجماهيرية، وانتشار الطباعة والصحافة الجماهيرية، اتخذ التنافس بين الأحزاب مسارًا شعبويًا، ولا سيما عند خوض الانتخابات، وشمل ذلك استغلال سهولة تعرّض عامة الناس لآراء مسبقة قديمة مُصاغة بلغة السياسة الحديثة. وصدرت العديد من الكتابات الرافضة لمنح الحقوق الكاملة لليهود، والتي تحذر من سيطرتهم على الاقتصاد والثقافة، واحتمال سيطرتهم على السياسة لاحقًا، إذا تواصلت هذه الصيرورة.

ظلّ الكثير من اليهود جماعة متميّزة بعد تجنّسهم، وحتى بعد اندماجهم. وبرزت أفكارٌ مناهضة لتحرير اليهود مستندة إلى هذه الحقيقة، تَعُدّ أن الشعوب المسيحية هي الخاسرة من عملية التحرر هذه. ويُحدّدها المؤرخ يعقوب كاتس بمحطات، مثل أحداث عام 1875 في هنغاريا، ونشاط القس أدولف شتوكر (Adolf Stoecker، 1835–1909) ضدّ حقوق اليهود في ألمانيا، وبدء النشاط المنظّم المعادي للسامية في برلين عام 1879، ولا سيّما نشاط الصحافي ڤيلهلم مار (Wilhelm Marr، 1819–1904) بعد نشر كراسته انتصار اليهودية على الجرمانية (1879)، ونشاط الصحافي إدوارد دريمو (Édouard Drumont، 1844–1917) في فرنسا، ولا سيّما من خلال كتابه الصادر في عام 1886 بعنوان فرنسا اليهودية. لم تكن مطالب هؤلاء تتمثل في إبادة اليهود، أو حتى إلى عزلهم مجددًا، بل إعادة النظر في الحقوق الممنوحة لهم. وقد توجّه شتوكر إلى اليهود أنفسهم مطالبًا إياهم بالتواضع في مطالبهم[47]. ويُشدّد كاتس على ظهور الواعظ شتوكر لمكانته الخاصة في برلين، وتحليلات المؤرخ الألماني البارز وعضو البرلمان هاينريش فون ترايتشكه (Heinrich von Treitschke، 1834-1896) للمسألة اليهودية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

نشأت في تلك المرحلة ما سُمّي في حينه "حركة برلين" التي كانت معادية للسامية، وشملت شخصيات وجماعات. وثمّة علاقة وثيقة بين ردة الفعل على التحرر اليهودي في تلك الفترة والأزمة الاقتصادية التي تعرّضت لها ألمانيا، والتي راحت كتابات صحافية عديدة تحمّل البنوك وبورصة الأسهم مسؤوليتها، وتُشدِّد على أسماء العائلات اليهودية المتنفّذة فيها[48]. لكن الحزب اللاسامي الوحيد الذي فاز بالتمثيل كان الحزب النمساوي المسيحي الاجتماعي، الذي أصبح رئيسه كارل لوغر (Karl Lueger، 1844–1910)، رئيس بلدية فيينا، بأغلبية ساحقة. وعلى الرغم من التحريض اللاسامي الذي انتُخِب على أساسه، فإنه لم يتّخذ أي إجراءات ضدّ اليهود. وكان الخطيب والبرلماني النمساوي، جورج فون شونرر (Georg Ritter von Schönerer، 1842-1921)، الشخصية الأهم في تأسيس تقليد العداء للسامية. وقد بدأ طريقه عضوًا في حزب التقدم الليبرالي، ثم أصبح زعيمًا للحركة القومية الألمانية، ولقّبه أتباعه بالـ "فوهرر" (Führer)، أي الزعيم أو القائد. ولاقت خطبه ضد اليهود شعبية واسعة، ولا سيّما بعد هجرة يهود روسيا في إثر مذابح عام 1881 في روسيا. وقد أثر في أدولف هتلر (Adolf Hitler) نفسه وحزبه النازي مباشرة، إذ تبنى اللاسامية العرقية، وعدّ اليهود عدوًا وجوديًا للألمان، ودعا إلى انفكاك الألمان النمساويين عن الإمبراطورية التي تتضمن السلاف، وعن الكاثوليكية، والانضمام إلى ألمانيا وتبني البروتستانتية اللوثرية، كما فعل هو. وفي عام 1901، حازت حركته على 21 مقعدًا في البرلمان. وقد أكدت حنة أرندت (1906-1975) على أن حركته أصبحت نموذجًا للحركات اللاسامية، وأثّرت لاحقًا في الصنف النازي من اللاسامية[49].

كانت عمليتا الانعتاق والاندماج ذاتية أيضًاـ وتمثّلت في حصر الدين في المجال الخاص لليهودي المتحرر الذي اندفع إلى الاندماج في المجتمع القائم وثقافته ومؤسساته، بما في ذلك الخدمة العسكرية. وكانت ثمّة ردة فعل يهودية دينية محافظة انعزالية ضدّ هذا الاندماج في مجتمعات غير اليهود (أمم العالم، وفقًا للتسمية الدينية اليهودية أو Gentiles) ومؤسساتها الدنيوية. كما نشأت لاحقًا أيضًا ردة فعل الصهيونية على بوادر اللاسامية، التي رأت أن الاندماج ليس حلًا للاسامية. ولكن الصهيونية لم تلقَ رواجًا في البلدان التي حصل فيها الانعتاق، بل في البلدان التي ظلّت تحرم اليهود من الحقوق.

خرافة الأعراق وأسطورة العرق السامي

يكمن الفرق بين العنصرية المبرَّرة بالعرقية والتمييز السلبي على أساس الدين في أن العنصرية العرقية تُبرِّر تفوّق جماعة على أخرى ببراهين شبه علمية على وجود فوارق عرقية. ولا شك في أن العصور القديمة لم تخلُ من تصنيف لأجناس البشر، سواء عند الكتاب اليونانيين أم عند المسلمين أو غيرهم (في العصر الوسيط). فقد صنف الرحّالة المسلمون الأجناس من حيث اللون والهيئة والشكل، وأيضًا من حيث العادات والثقافة، وذلك من دون ترتيب هرمي لهم.

ليس الاعتقاد بالتفوّق المتوارث ظاهرة جديدة؛ إذ يشتمل الإرث الثقافي، منذ نهاية العصر الوسيط وبداية الحداثة، على الاعتراف بتوريث التفوّق الاجتماعي للأرستقراطية أو النبالة الإقطاعية؛ فثمّة نبالة بالدم قدِّر لها أن تتحكم بالفلاحين. وكان من المفروغ منه أن المَلكية هي ملكية بالدم، وهي من حق عائلات مَلكية محددة في أوروبا، غير مرتبطة بوطن معين، بل يمكن أن يحكم أفرادها أي وطن أوروبي. للتفكير العرقي جذور أرستقراطية تعود إلى ما قبل صياغات العلوم الاجتماعية الحديثة لجماعات اللغات والأعراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وخلال التفاعل مع واقع استعمار الشعوب الأخرى، وظهور العلوم القائمة على التصنيف واستقراء التعميمات من الجزئيات، انسجم التفكير الأرستقراطي، الذي يبرر السيطرة بنبالة الدم، مع فكرة تفوّق الشعوب التي تحكم شعوبًا أخرى، ومن هنا جاء حقّها باستعبادها، ونشأ الاعتقاد بنوع من الهرمية العرقية. لقد رأت الطبقات الحاكمة في الدول المستعمِرة أن عامّتها وسُوَقتها الذين تعدّهم حثالات بشرية في بلدانها، متفوّقون عرقيًا على الشعوب المستعمَرة. فالعرقية بدايةً هي أرستقراطية عابرة للحدود بين الدول والشعوب، ومناهضة للنزعة القومية الساعية إلى جمع طبقات الشعب في أمة واحدة ضمن حدود سياسية.

ومثلما أن لفظ السامية مشتقّ من نسل سام في التوراة، أي أنه كان قائمًا قبل أن يُستعار من سفر التكوين وقصة الطوفان وتفرّق أبناء نوح، سام وحام ويافث، في جهات الأرض، فإن مصطلح العرق كان موجودًا قبل استخدامه بوصفه مصطلحًا علميًا أو شبه علمي، وكذلك فكرة نقاء الدم. لقد كانت فكرة نقاء الدم تُستخدم من دون ربطها بعلم أعراق أو غيره في حياة القبائل والمجتمعات التقليدية، ولا سيّما عند التفاخر بالأنساب، وفي سياقات مثل المصاهرة وغيرها.

شهدت بداية عصر النهضة الأوروبي عملية علمنة للتمييز الديني؛ إذ استُخدمت العنصرية العرقية في تبرير التفوّق الثقافي أو الحضاري، أو حتى الروحي. كان الموقف السلبي من "الغريب"، على أساس دينه أو لغته أو ثقافته المختلفة، قابلًا للتغيّر، مع تبنّي دين الأغلبية التي بات يقيم وسطها، أو النطق بلغتها، أو الاندماج في الجماعة التي تحمل الموقف السلبي من ثقافته، إذا كان ذلك متاحًا. غير أن إسبانيا القرن السادس عشر شهدت ظاهرة جديدة، هي استمرار الشكّ بالمسلمين واليهود الذين اعتنقوا المسيحية وبقوا في شبه الجزيرة الإيبيرية بعد احتلالها وطرد أغلبية أبناء مللهم منها. لقد وُضعت حدودٌ بين المسيحيين "القدامى" و"الجدد" (Conversos) (ولا سيّما اليهود منهم)[50]، وتواصلت أجيالًا بعد تحولهم إلى المسيحية، وأسهمت في ذلك دوافع مصلحية، مثل الطمع بأملاكهم، والتنافس الاقتصادي والسياسي على الوظائف وغيرها، والخشية من تقلّد نسلهم مناصب عليا في الدولة. واستحدثت شهادات "طهارة الدم" لإثبات عدم وجود سلف يهودي أو مسلم في العائلة.

انتقل هذا الفكر العنصري إلى أميركا، ضد سكانها الأصليين، حتى أولئك الذين اختلطوا بالمستوطنين بعد أجيال من احتلالها، وظهرت شهادات إثبات بياض اللون (Whiteness). كما انتقلت هذه العنصرية إلى المستعمرات الأوروبية الأخرى عمومًا مع اكتشاف "العالم الجديد" والصدمة بوجود سكان في تلك المناطق، حيث جرى تبرير التمييز ضدّ السكان الأصليين والمخالف لتعاليم المسيحية، بالاستناد إلى "نظريات" تاريخية في منشأ بشرية قبل التوراة، مثل نظرية "ما قبل الآدميين" (Pre-Adamites) للفيلسوف البروتستانتي الكالفني الفرنسي إسحق دي لابيرير (Isaac La Peyrère، 1596–1676)، التي تفيد أن التوراة لم تروِ قصة بشر عاشوا قبل آدم وحواء، وسكان هذه المناطق المكتشفة الأصليين هم من نسل غير نسل آدم المعروف من التوراة[51].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

في المقابل، برزت المواقف الإنسانية لرجال دين، مثل بارتيلومي دي لاس كازاس (Bartolomé de Las Casas، 1484–1566)[52]، الذي شهد أبشع المذابح إبان احتلال كوبا. واشتهرت مناظرته الفكرية مع خوان سيبولفيدا (Juan Sepulveda، 1489-1573) في عام 1550، حول شرعية استعمار إسبانيا لأميركا واستعبادها للشعوب الأصليين[53]، إذ استند الأخير في تبريره لموقفه من استعباد السكان الأصليين في مستعمرات إسبانيا إلى فلسفة أرسطو في كتابه السياسة، والتي تسلم بوجود بشر هم عبيد بالطبيعة، لأنهم غير قادرين إلّا على استخدام أجسادهم، ومن ثمّ، من حق المتفوّق عقليًا عليهم أن يستخدمهم.

لم تنشأ النظرة العرقية إلى اليهود من خلال قطيعة مع الديني دائمًا، بل ثمّة انتقالات تدريجية كذلك، استُخدم فيها الدين في تبرير الصفات السلبية الثابتة التي تُلصق باليهود، كما في حالة إسبانيا. ففي ألمانيا، صدر عام 1803 كتاب بعنوان (Wider Die Juden) (ضد اليهود)، منطلقًا من فكرة أن الله عاقب اليهود بسبب خيانتهم له بمجموعة آفات وعلل كريهة. وبالمجمل، إن الصفات الكريهة لليهود قائمة فعلًا تبعًا لهذا الرأي، ومصدرها تلك العقوبة الإلهية. وهذا موقف ديني عرقي في الوقت ذاته؛ إذ يعيد الصفات السيئة المنسوبة لهم إلى عقوبة إلهية، مثل لعنة تكرّس مساوئهم.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

لكن الكتاب الذي أصبح لاحقًا مصدرًا كلاسيكيًا للدعاية اللاسامية، مع أنه كُتب من منطلق لاهوتي قبل أن يوجد مصطلح السامية أو اللاسامية، هو كتاب عالم اللغات المتخصص باللغات السامية يوهان أندرياس آيزنمنغر (Johann Andreas Eisenmenger، 1654–1704) بعنوان (Entdecktes Judenthum) (اليهودية المكتشفة)، أو كشف الغطاء عن اليهودية. وهو كتاب ضخم نُشر في مجلدين (1711 و1714)، واعتمد أساسًا على بحث حقيقي معمّق في التلمود والتراث اليهودي (يذكِّر بالأبحاث التي أجراها مستشرقون وعلماء اللغات الشرقية على المصادر التراثية الإسلامية)، موردًا اقتباسات كاملة مترجمة عن العبرية والآرامية من دون تعليق، ومن هنا مرجعيته. لقد حاول آيزنمنغر، بنجاح نسبي، أن يبيّن بالاقتباسات أن التلمود عبارة عن فقه معادٍ لغير اليهود وللمسيحية على نحو خاص، وأنه يشتمل على معايير أخلاقية مزدوجة لليهود وغير اليهود، وأنه يتيح لليهود ممارسات غير أخلاقية ضد غير اليهود. ولكنه شمل أيضًا محاولاتٍ لإثبات وجود أصل في التلمود لصل فادعاءات سائدة في ذلك العهد، مثل قيام اليهود بتسميم الآبار، ونشر الطاعون، وإجازة قتل غير اليهود. وباختصار أظهر آيزنمنغر أن أصل السيئات التي ينسبها الناس لليهود عائد إلى ديانتهم ذاتها. وأصبحت هذه المقولات، ذات الأصل الديني، مكونًا أساسيًا في الدعاية اللاسامية في العصر الحديث.

لا ينكر نقّاد هذا الكتاب جديته ورصانته ومنهجه العلمي[54]، ولكن الملاحظة الرئيسة عليه هو أنه يخلط بين ما كُتب بين الأعوام 500 و400 قبل الميلاد (وهي مرحلة تأليف التلمودَيْن العبري والآرامي وفقًا للتقليد اليهودي)، وسلوك اليهود المتغيّر في الزمان والمكان، مثلما تتغير أيضًا تفسيرات هذا التراث وفقًا للظروف. لقد انتهج الكاتب الأسلوب الذي انتهجه العديد من الباحثين في الحضارة الإسلامية، باشتقاق الثقافة والسياسة والسلوك من بعض النصوص التراثية مباشرة. فبحث في النصوص عن أصل للعادات الذميمة المنسوبة لليهود، ولا سيما ازدواجية الأخلاق، وعدم التزامهم بأي معايير أخلاقية في العلاقة مع غير اليهود.

لاحقًا، واستنادًا إلى هذا الكتاب، نشر الأستاذ في جامعة براغ، أوغست رولينغ (August Rohling، 1839–1931) كتابًا بعنوان (Der Talmudjude, 1871) أي يهوديّ التلمود. وتُرجم الكتاب إلى لغات أوروبية عديدة، وكذلك إلى اللغة العربية بعنوان اليهودي على حسب التلمود. كان تبني أستاذ جامعي في مرحلة انعتاق اليهود لخرافة الشعائر اليهودية التي تستخدم دم الأطفال، التي خصص لها جزءًا كبيرًا من الكتاب، مؤشرًا خطيرًا. وقد دُحضت هذه الأساطير في سلسلة من الردود، واضطر صاحب الكتاب إلى الاستقالة من منصبه في الجامعة. ومع ذلك، حوكم بين الأعوام 1867 و1914 في ألمانيا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية 12 يهوديًا بتهمة استخدام دم الأطفال غير اليهود في الشعائر الدينية، ولكن 11 منهم برِّئوا، وأُدين واحد فقط بالقتل، من دون مسألة الشعائر هذه، إذ لم يتجاوب القضاء مع هذه الافتراءات[55].

لقد تطورت الأفكار العنصرية من خلال نظريات شبه علمية أو علمية زائفة في مرحلة الثورة العلمية[56]. فكتب الثيولوجي والفيلسوف الهولندي البروتستانتي كورنيلوس دي باو (Cornelius de Pauw، 1739–1799)، الذي يُعدّ خبيرًا ومرجعًا أوروبيًا في الشؤون الأميركية في القرن الثامن عشر، من دون أن يزور أميركا، وذلك في انتقاده لموقف الكنيسة الكاثوليكية المهتمة بتبشير السكان الأصليين؛ هؤلاء من منظوره ليسوا أشرارًا ولا أخيارًا، بل هم أقل من بشر، مبررًا ذلك "علميًا" بتأثير المناخ والجغرافيا على السكان الأصليين، إذ كتب أن "شعب العالم الجديد يُعتبر في أعين المؤمنين عرقًا من الحيوانات الغريبة"[57].

كما ظهر التنظير العلمي للعنصرية لدى مونتسكيو (Montesquieu، 1689–1755) في شرحه للون البشرة الأسود على أنه دليل تدهور بسبب أنماط حياة مُتدنية، وبسبب المناخ الحار. وجادل مونتسكيو في أثر المناخ في التفاوت في الشجاعة ورجاحة العقل والقابلية للاستعباد؛ فإما أن يجعل المناخ الإنسان أكثر قابلية للاستعباد، كما في آسيا التي عمّرت فيها الإمبراطوريات، أو أن يكون أكثر تطلّعًا إلى الحرية وأكثر شجاعة، كما هو حال الإنسان الذي يعيش في المناطق الباردة المعتدلة[58]. وبالمناسبة، كان موقف مونتيسكيو من اليهود إيجابيًا للغاية، فقد ربط دورهم بالتجارة واقتصاد المال، لكنه قيّم هذا النشاط عاليًا بسبب تقديره لدور التجارة والإقراض في تطور الحضارة الأوروبية الحديثة[59].

يُذكر هنا أن ابن خلدون (ت.808هــ/ 1406م)، ومن خارج سياق التقليد الذي قاد في النهاية إلى التفكير شبه العلمي بالأعراق، تبنّى قبل مونتيسكيو تحليلًا شبيهًا بشأن تـأثير الإقليم والمناخ على لون البشرة، وأيضًا على الأخلاق[60]. وقد كان ذلك من ثوابت الثقافة والمعارف العامة في ذلك العصر، إلّا أنه جدّد في نسب ما "حصل في اليهود" من "خلق السوء" إلى أوضاعهم الاجتماعية وما تعرضوا له من قمع، فكتب يقول: "وهكذا وقع لكلّ أمّة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف، واعتبره في كلّ من يملك أمره عليه [...] وانْظُرْهُ في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السّوء، حتّى إنّهم يوصفون في كلّ أفق وعصر بالحرج [وفي نسخة أخرى بالخرج]، ومعناه في الاصطلاح المشهور التّخابث والكيد وسببه ما قلناه"[61].

وظهرت نظرية أستاذ الطب وعلم النبات السويدي في جامعة أوبسالا (Uppsala University)، كارل فون ليناس (Carl Linnaeus، 1707-1778) في الأعراق، وكان أحد أشهر علماء عصره وأكثرهم تأثيرًا. بحث ليناس العلاقة بين متغيرات، هي الصفات الجسدية، مثل اللون والطول وملامح الوجه ولون العينين وغيره، من جهة، ومزاج الإنسان وسلوكه، مثل القدرة على تنظيم المجتمع، وكذلك المزاج (عصابي أو معتدل أو خامل) من جهة أخرى، وعلاقة هذا كله بالمناخ والبيئة الطبيعية والاجتماعية. وفي كتابه (Systema Naturae, 1735)[62]، أو نظام الطبيعة، حدد ليناس أربعة أعراق تترابط فيها هذه العوامل. وفيه صنّف أنواعًا من القردة في مراتب قريبة من الإنسان، قبل أن يفعل ذلك تشارلز داروين (Charles Darwin، 1809–1882) في نظريته التي توصّل إليها عام 1859.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وفي أميركا، أثبت أستاذ الطب جورج صاموئيل مورتون (George Samuel Morton، 1799-1851) نظريته في الأعراق البشرية على أساس "علمي" بقياسه حجم تجويف الدماغ لعدد كبير من الجماجم من مختلف الأعراق والمراحل التاريخية، لإثبات الفوارق الثابتة بينها، التي لم تتغير برأيه طوال 3000 عام. وبناءً عليه، صنّف مورتون ذوي البشرة البيضاء في المرتبة الأعلى، ويليهم الآسيويون ثم الهنود الحمر، والأفارقة في أدنى المرتبات. وكان التفسير الوحيد الممكن بالنسبة إليه هو أن أصول هؤلاء مختلفة[63]. لم تتطرق هذه النظريات إلى اليهود، الذين لم يُعدّوا عرقًا أدنى، بل أتباع دين مختلف، وإن زعم بعض المعادين لهم من منطلق ديني أن أصولهم آسيوية.

تلت هذه النظريات في أوروبا نظريات عرقية أكثر تفصيلًا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وظهر تأثير العلوم الزائفة في ربط المتغيرات الثقافية بـ "الثوابت الجسدية البيولوجية" في بعض النظريات شبه العلمية، وصولًا إلى تبني النازية لها بوصفها أيديولوجية متكاملة في فهم مجريات التاريخ الأوروبي.

حتى حدوث هذا التطور، لا حديث عن اليهود بوصفهم عرقًا. وقد استعير لفظ السامية، التوراتي تاريخيًا، لاستخدامه في وصف مجموعة لغات، وليست عرقًا بيولوجيًا، مثل مجموعة اللغات الهندو-جرمانية وغيرها. والذي سمّى لغات "الشرق الأدنى" لغات سامية هو أوغست لودفيج فون شلوتزر (August Ludwig von Schlözer، 1735–1809)، وذلك في عام 1781، إذ افترض وجود لغة واحدة سامية أصلية قبل نشوء ما يسمى اللغات السامية التي تفرعت عنها. وكان المؤرخ وليام جونز (William Jones، 1746–1794)، في مستهلّ دراسته للسنسكريتية، قد أعلن عن أوجه التشابه بين السنسكريتية واليونانية واللاتينية. وتعدّت هذه الفرضية حدود علم الفيلولوجيا المقارن. فأثر اكتشاف العائلة اللغوية الهندو-أوروبية، أو ما أصبح يسمى الآرية، في مجالات التاريخ وعلم الأساطير، وصولًا إلى عدِّها عرقًا في ما سميّ بـ "علم الأعراق". ويُعدّ عالم اللغات والديانات الشرقية الألماني فريدريش مولر (Friedrich Max Müller، 1823-1900) أحد أبرز المؤيدين لنظرية العائلات اللغوية ووجود عائلة هندو-أوروبية. واعتبر أن اكتشاف اللغة الهندية، أو السنسكريتية، وكذلك القرابة اللغوية بين السنسكريتية ولغات الشعوب الأوروبية الرئيسة، ثورة في منهجية دراسة تاريخ العالم البدائي ونقطة انطلاق لعلم جديد يدرس أصول البشر [64]

ولكن مولر الذي وضع مصطلح "آري"، سخِر من نظرية الأعراق، في عام 1883، قائلًا: "بالنسبة إلي، فإن أي عالِم أنثروبولوجيا يتحدث عن عِرق آري، عن عينيين آريين أو شعر آري، يرتكب خطأ كبيرًا يوازي خطأ عالِم لغة يتحدث عن علم نحوٍ مستطيل الرأس أو قصير الرأس"[65].

لا تدل الجماعات اللغوية على أعراق، ولا علاقة لها بالدم والجينات. قد تكون المميزات المشتركة التي تجمع العائلة اللغوية وتميزها عن غيرها قائمة فعلًا، ويوجد أسس لذلك في علم الأصوات، وفي النحو، وفي علم الدلالات. لكنّ المصطلح لم يستخدم في سياق ترتيب مجموعات اللغات هرميًا، إلّا من جانب بعض العلماء، مثل إرنست رينان الذي جاء في كتابه (Histoire générale et systèmes comparés des langues sémitiques, 1855)، أو التاريخ العام ونظم مقارنة اللغات السامية، أن اللغات السامية أدنى مرتبة من اللغة الهندو-جرمانية. لم يتحدّث رينان عن الأعراق، بل عن عائلات لغويّة، وبذل في نهاية حياته جهدًا في تفكيك فكرة أن اليهود عرق[66].

وقد تناول الباحث موريس أولندر في كتابه لغات الفردوس (Les langues du Paradis, 1989) النقاشات التي دارت بين باحثين حول أصل اللغات البشرية، بدءًا من لاهوتيي العصر الوسيط، ولاحقًا في عصر النهضة، وصولًا إلى القرن الثامن عشر، مع تطور علم الفيلولوجيا واللغويات المقارنة. ويبيّن أثر هذه النقاشات والدراسات المقارنة للغات المتعددة، ولا سيّما دراسات "الشعوب الآرية" ولغاتها التي جمعت تحت عنوان "الهندو-أوروبية" و"الشعوب السامية" ولغاتها، ولا سيّما اللغة العبرية، وبداية تصنيف اللغات عرقيًا، في أيديولوجيات وسياسات التمييز العنصري في القرن العشرين في أوروبا مع بروز الوعي القومي، وتبرير التفوّق العرقي والثقافي الآري بتفوّق اللغات. وراجع أولندر أعمال عدد من مفكري القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والفيلولوجيين والمؤرخين لفهم النقاشات والسياقات ما وراء بروز مصطلحي "آري" و"سامي" حتى عام 1892، أي حتى وفاة إرنست رينان، لأهمية مساهمته في دراسات العرق واللغة[67].

رأى رينان أن اللغات الهندو-أوروبية مرّت بتحولات وتطورت على مرّ الزمن، في حين بقيت اللغات السامية ثابتة لا تتطور منذ نشأتها، مثل التوحيد الذي ظهر لدى الساميين فجأة بالوحي "دون أي جهد" منهم. وربط رينان بين جمود اللغة العبرية والصورة التقليدية للعبرانيين (اليهود)، باعتبارهم شعب لا يتأثر بالتاريخ، وكأن اللغة تعكس روح الشعب الذي يتحدث بها. وفي حين ينُسَب للشعب العبري دور عظيم في التاريخ بظهور التوحيد لديهم، من غير حتى أن يُدركوا ذلك برأيه، إلّا أنه من الناحية الأخرى يشدد على وفائهم الشديد لدينهم، لدرجة أنهم فشلوا في قبول المسيحية بوصفها دينًا نهائيًا. وخلافًا للغات الهندو-أوروبية التي تطورت عبر التاريخ، اعتبر رينان أن اللغات السامية صمّاء من دون حروف علة وصلبة النواة؛ وتتلخص رسالتها ببساطة بتكرار فكرة أن "الرب هو الله". وهو يعتبر أن اللغات شكّلت روح الشعوب السامية، وهي تفتقر إلى الخيال، ولا تنتج ميثولوجيا، وتفتقر إلى الحافز للتغيير والتطور؛ هذا في القرن التاسع عشر، حين كان مقياس الأشياء هو مدى إسهامها في التطور والتقدّم. ووفقًا لرينان، ارتبط التوحيد الذي هبط على الساميين مثل معجزة بجمودهم وتصلّبهم وجفافهم، مثل جفاف بيئتهم الصحراوية.ـأدت أدت اللغة عند رينان وظيفة العرق، وهي "قالب" حاسم في تشكيل الشعوب، تمامًا مثل تأثير حجم الجمجمة في الأعراق بالنسبة إلى علماء الأنثروبولوجيا في عصره[68]، مع فرق أنه بعد مرور أجيال على تبنّي لغة أم وثقافة أخريين، يتغيّر العرق عمليًا.

وردًّا على رينان، حاول المستشرق اليهودي الهنغاري البارز إغناس غولدتسير (Ignaz Goldziher، 1850–1921) إثبات أن الساميين أيضًا قادرين على اختلاق أساطير، وهدف من كتابه (The Mythology of the Hebrews, 1876)، أو أساطير العبرانيين، دحض رأي رينان بأن الساميين لم ينتجوا أساطير، مبيّنًا أن التوراة تعجّ بالأساطير التي لا تختلف كثيرًا عن أساطير أخرى عرفتها شعوب الهلال الخصيب قبل اليهودأساطي. لقد انتقد محاولة رينان المستمرة، حتى نهاية حياته، في تعميم ظواهر حدثت في فترة تاريخية محددة للشعب العبراني على شعوب ما يسمى العرق السامي بأكمله، بمعنى الناطقون باللغات السامية. لا تعود نشأة الدين، من منظوره، إلى عامل واحد منعزل، بل إلى عدة عوامل تفسيرية، فمن الضروري دراسة الظواهر الدينية في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وعزل الأساطير ودراستها علميًا. ورأى غولدتسير أن كل دين هو نتاج التقاليد القديمة التي تبحث عن جعل الحياة أكثر مثالية وأخلاقية وسعادة؛ فالدين بالنسبة إليه هو نتاج هذه التقاليد، وكل دين يمثّل "طريقًا للخلاص"، ما يعني أن التسامح هو جزء منطقي وأساسي منه. لذا يجب ألّا يُعدّ التسامح تنازلًا أو تساهلًا مع معتقدات الفرد الدينية[69]. كان المستشرق غولدتسير مفكرًا إنسانيًا، كما كان ناقدًا للصهيونية.

ومع ذلك، استمرت المسيرة نحو العنصرية العرقية غير آبهة بهذه النقاشات. فاستُخدم لفظ السامية في وصف العرق، في سياق نقل نظريات من عالم الحيوانات إلى عالم البشر، تارةً بربط ما يسمى العرق بنوع الدم، وأخرى بحجم الجمجمة وشكل الأنف والعينين والشفتين ولون البشرة، وغيرها من الصفات الجسدية التي ميّزت أعراقًا بعينها، ورُتِّبت الأعراق البشرية مثلما رتّبت الداروينية الكائنات الحية من أدنى إلى أرقى. ولكنّ من كتبوا في تطبيق نظرية الأعراق من خلال تدريجها تراتبيًا، عبروا عن أيديولوجية سياسية، ولم يكونوا علماء فعلًا، مثل هيوستن ستيوارت تشمبرلين (Houston Stewart Chamberlain، 1855-1927) المتأثر بآرثر دي غوبينو (Arthur de Gobineau، 1816–1882)، الذي كان له دور في أرينة إيران (اعتبار أن الفرس آريون عرقًا)، وكان قد أوفد إليها سفيرًا. خلط هؤلاء بين مقولات شبه علمية وآراء أو أفكار شعبية رائجة. وساد خلاف في مدى انطباق العرق على اليهود، إذ اعتقد كثيرون أن اليهود ليسوا عرقًا، بل خليطًا من الأعراق، لأنهم اختلطوا بشعوب كثيرة، وهي ميزة سلبية جدًا بافتراض أن نقاء العرق من أهم مقومات رقيّه.

اعتبر الكُتّاب الذين عملوا على تبسيط النظريات العلمية أن العرق السامي عرقٌ منحطٌ تارة، وخليطٌ ملوِّثٌ للعرق تارة أخرى؛ وكانوا في الحقيقة يقصدون اليهود، وإنْ تطرقوا نظريًا إلى الساميين عمومًا. أي إن العداء الديني أو الاجتماعي، أو ربما القومي، لليهودية صيغ صياغة شبه علمية. فكارهو اليهود بين عامة الناس الذين استقبل بعضهم فكرة العرق، لم يعبروا بالضرورة عن كراهية لمجمل الشعوب السامية، وإنْ احتقروها.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

إن أول محاولة لتوظيف "علم" الأعراق في تشييد بنية هرمية تراتبية للبشرية في العصر الحديث، معدّة للنشر إلى عامة الناس، هو كتاب الكونت آرثر دي غوبينو، بعنوان (Essai sur l'inégalité des races humaines)، حول اللامساواة بين الأعراق البشرية، الذي نُشر عام 1854 (ونُشر الجزء الثاني منه عام 1855) وتضمّن مزيجًا من آراء مسبقة وصياغات شبه علمية. بالنسبة إليه، كانت الأعراق هي الأبيض والأصفر والأسود، وتفرّعت عنها أعراق فرعية. وإن مصدر الاختلاف بين البشر هو الأعراق التي يفرّقها الدم. لم يكن غوبينو ضد اليهود على نحو خاص، فلم يكونوا عرقًا أدنى بالنسبة إليه. ولكنه عدّ الجنس الآري أنقى مجسّد للعرق الأبيض. وراج مفهوم العرق في ألمانيا في الفئات المثقفة والمتعلّمة، ثم شعبيًا. وانتشرت الإشادة بالعرق الآري بوصفه قمّة العرق الأبيض في ألمانيا والعالم السكسوني.

وفي المرحلة نفسها، أي القرن التاسع عشر، نُسجت الأسطورة عن حكومة يهودية سريّة تدير العالم في الظل منذ نهاية القرن الثامن عشر، من جانب قوى محافظة معارضة، لقلب النظام الاجتماعي والسياسي بعد الثورة الفرنسية. فزعم يسوعي فرنسي اسمه أوغسطين بارويل (Augustin Barruel، 1741–1820) في كتاب أصدره عام 1797 أن الثورة الفرنسية كانت نتاج مؤامرة يهودية. وقد تلقى رسالة عام 1806 من شخص يدعي أنه إيطالي وأن اسمه سيمونيني، وتروي الرسالة (على لسان شهود حضروا اجتماعات مزعومة لممثلي يهود من أوروبا في مدينة بيدمونت الإيطالية) تفاصيل مؤامرة يهودية للسيطرة على أوروبا من خلال الماسونية وغيرها من الحركات التي يمكن جمعها تحت تسمية "المتنورين". وهي وفقًا للرسالة حركات أسسها اليهود. لم ينشر بارويل الرسالة، ولكنها نشرت عام 1878 بعنوان (Simonini Letter) [70]. ويعدّها باحثون سلفًا للسردية التي تضمنها كتاب بروتكولات حكماء صهيون الذين يتآمرون لإفساد الحضارة المسيحية بأدوات الاشتراكية والليبرالية. يلاحظ هنا أنه لم يُنظر إلى اليهود بوصفهم عرقًا أدنى أقل عقلًا أو ذكاءً، بل بوصفهم أذكياء ودهاة، ولكنهم أشرار. ومن هنا فإن هذا النوع من العنصرية ضدّ اليهود لم يكن عنصرية ضدّ الأدنى الأضعف، بل ضدّ المختلف (الذي قد يكون أقوى وأنجح) الذي يثير الخوف نتيجة لشرِّه من جهة، مثلما يثير الاشمئزاز والنفور المعنوي والجسدي من جهة أخرى. وهذه المقاربة الشعورية هي التي ميّزت اللاسامية، وإنْ ادّعت النظرية تفوّق الآريين وانحطاط اليهود بموجب سلم عرقي.

لاقى الكتاب رواجًا كبيرًا في أوروبا، كما راج في المشرق (له عدة ترجمات عربية) خلال القرن العشرين. لقد ظهر لأول مرة عام 1903، مواصلًا أسطورة رسالة سيمونيني بشأن حكومة يهودية تحكم العالم، وهذه المرة من خلال سرد تفاصيل مشوّقة عن محاضر اجتماعات (24 جلسة) لهذه الطغمة السرية ومخططاتها الجهنمية. لم تُروِّج بروتوكولات حكماء صهيون للعرقية ولا للتحريض الديني على اليهود، إنما ذهبت مباشرةً للزعم بوجود مؤامرة يهودية للسيطرة على العالم[71]، وأصبحت من أهم أدوات الدعاية اللاسامية.

وقد اتّضح لاحقًا أن من ألّف صيغته الأخيرة منتحل مواد من رسالة سيمونيني ومن كتب سخرية سياسية وأعمال أدبية وغيرها وطبعه، هو المخابرات الروسية في عهد مكافحة النظام القيصري للحركات الشعبية واليسارية والليبرالية المعارضة. ولم يتنشر خارج روسيا إلّا بعد الثورة البلشفية عام 1917. فقد استخدم الروس البيض البروتوكولات خلال الحرب الأهلية (1918–1921) باعتبار أن قيادات البلاشفة هم يهود، وأن الثورة البلشفية هي مؤامرة يهودية. وربطت هذه البروتوكولات كل رذيلة، من الانحلال الأخلاقي لأبناء النبلاء وصولًا إلى نشوء الرأسمالية والأفكار الاشتراكية، بالمؤامرة اليهودية. وقد أسهم هنري فورد (Henry Ford، 1863–1947)، الصناعي الأميركي الشهير، في ترويج الكتاب وتوزيعه في عشرينيات القرن العشرين، ولكنه اعترف عام 1927 أن الكتاب مزيّف.

استُخدم مصطلح معاداة السامية لإضفاء طابع علمي على كراهية اليهود أو تبريرها علميًا[72] بمفاهيم العلم وأدواته في القرن التاسع عشر. وبيّن تطوّر العلم أنه لا توجد أعراق بمعنى جماعات مبرمجة جينيًا، وحاملة لصفات ثابتة، ولا تنجم حتى ثقافة القبائل وقيمها وصفات أفرادها، وهي الأقرب إلى حمل صفات وراثية مشتركة مما يسمى الأعراق التي تجمع العديد من الشعوب، عن برمجة جينية مسبقة. لا يوجد أي إثبات علمي على ذلكيأي.

ليست مقولة العرق مقولةً علمية مثبتة، بل تحريفًا لتصنيف الجماعات اللغوية، بتحويله إلى تصنيف يقوم على الفوارق الجسدية التي يحددها الدم. وحتى بافتراض وجود أعراق، فإن اليهود لا ينتمون إلى عرق واحد. ووفقًا لهاليفي وزند وباحثين يهود آخرين، لم تكن الديانة اليهودية مغلقة ومنعزلة دائمًا، ومن ثم فلا مبرر للاعتقاد أن اليهود ظلوا دائمًا جماعة ذات أصل مشترك، ولا مبرر لعدّهم عرقًا واحدًا، حتى بمفاهيم القرن التاسع عشر. ففي الفترة الواقعة بين ظهور المسيحية وظهور الإسلام، جرت تحوّلات دينية كبرى في منطقة ما بين النهرين والجزيرة العربية وفارس، ومساحات واسعة من آسيا تعيش فيها قبائل تركية وغيرها، وانتشرت اليهودية خارج فلسطين، ليس بالهجرة وحدها، بل بواسطة التبشير أيضًا. هكذا اعتنق بعض عشائر اليمن المرتبطة بمملكة حِميَر اليهودية قبل ظهور المسيحية، وتهوّدت ملوك/ خانات مناطق الخزر شمال البحر الأسود، امتدادًا الى بحر قزوين في آسيا[73]. لم يكن هؤلاء مهاجرين من فلسطين بعد "خراب الهيكل الثاني"، كما في الرواية التوراتية التي تبنّتها السردية الصهيونية، بل جماعات، شعوبًا وقبائل، مقيمة في مناطق مختلفة من العالم، ولا يجمعها عرق أو إثنية أو غيرهما.

 وفي سياق دحض انتماء اليهود إلى عرق سيامي يجدر التذكير أن الادعاء باستحالة أن يكون العرب معادين للسامية، وذلك لكونهم ساميين، هو تأكيد على خرافة؛ فلا يوجد عرق سامي أصلًا ليكون العرب ساميين. إن لغتهم لغة سامية وفقًا لتصنيف العائلات اللغوية، لكنهم لا ينتمون إلى عرق سامي بمعنى الخصوصية الجينية.

 يمكن أن يكون العربي مثل غير العربي معاديًا للسامية، إذا فهمنا معنى العداء للسامية على أنه كراهية اليهود لكونهم يهودًا على أساس وجود صفات مطبوعة فيهم، أي إذا ألبس كراهية لليهود، بما هم يهود، لبوس نظرية الأعراق. وهذه لم تنشأ في المشرق، لا عند العرب ولا عند المسلمين الذين تعاملوا مع اليهود بدرجات متفاوتة من التسامح والتمييز. وقد تحوّل التمييز إلى اضطهاد في بعض الحالات، ولكن ليس على نطاق واسع، بل محليًا في بعض الأماكن. كما لم تعرف الحضارة الإسلامية نزعة للإبادة على الإطلاق. وعمومًا، كان التمييز ينتهي بمجرد تغيير اليهودي دينه واعتناق الإسلام، فقد كان هذا كافيًا ليعامل بوصفه مسلمًا من ناحية الحقوق والواجبات. لقد استوردت المقاربة العرقية في العصر الحديث إلى العالم العربي، وتأثر مستخدمو لغتها الذين يرددون مصطلحاتها ببعض منظري القومية الإثنية الألمانية، وبالصراع مع الصهيونية.

العرقنة والمحرقة

ظهر مصطلح "معاداة السامية" في منتصف القرن التاسع عشر. ورد التعبير في معجم لأول مرة في معجم الدولة روتيك - ڤيلْكيشن في ألمانيا (Rotteck-Welckeschen Staatslexikon) عام 1865، وفي كراسة مؤسس أول تنظيم معروف تخصص في معاداة السامية، الصحافي ڤيلهلم مار، بعنوان (Der Sieg des Judenthums über das Germanenthum : vom nicht confessionellen Standpunkt aus betrachtet , 1879)، أي انتصار اليهودية على الجرمانية: منظور إليه من زاوية غير مذهبية، حيث وُصِف اليهود بأنّهم غرباء شرقيون ينتسبون إلى العرق السامي. وقد دعا مار في العام نفسه إلى تأسيس رابطة المعادين السامية (Die Antisemitenliga). حرّر مار كُتيبات شعبية، وأصدرها تحت عنوان أوراق معادية للسامية. وأنشأ عريضة تُطالب أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck)، مستشار الرايخ في حينه، بإلغاء قانون المساواة القانونية الذي ساوى حقوق المواطنين اليهود ببقية المواطنين. ودارت نقاشات أكاديمية، بين عامي 1879 و1881، بين مؤرخين مثل هاينرش فون ترايتشكه وتيودور مومزن (Theodor Mommsen، 1817-1903) حول الموضوع[74]، فقد عارض مومزن، مؤرخ العصور القديمة، العداء للسامية وانتقد موقف زميله ترايتشكه السلبي من اليهود، معتبرًا أن الصفات السلبية وشخصية المرابي اليهودي قائمة فعلًا، ولكنّ الاندماج كفيل بالقضاء عليها[75].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ولكنّ أمثال ڤيلهلم مار نشروا المصطلح شعبيًا، وقد راج على نحو خاص بعد الحرب العالمية الأولى، حينما نشرت قوى يمينية متطرفة فرية لوم اليهود والشيوعيين والاشتراكيين على الهزيمة في تلك الحرب، بالادعاء أنهم خانوا الوطن وطعنوا ألمانيا في الظهر. ووجد المصطلح تكثيفه وأوج استخدامه لاحقًا في كتاب كفاحي (Mein Kampf, 1925) لهتلر[76]، الذي حوّل اللاسامية إلى أيديولوجية كاملة ورؤية للعالم.

يعتبر عالم القانون فرانز نويمان (Franz Leopold Neumann، 1900-1954)، وهو من مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية، في أحد أهم الكتب حول نظام الحكم النازي وفكره، أن من روّج النظرية العرقية في ألمانيا هو كتاب أسس القرن التاسع عشر لهيوستن ستيوارت تشمبرلين الذي كان في رأيه اقتباسات من كتاب الكونت غوبينو. ويجدر الانتباه إلى أن تشمبرلين من أصول إنكليزية، وغوبينو من أصول فرنسية، أي لم يكن أي منهما ألمانيًا. كانت منطلقات غوبينو الأيديولوجية أرستقراطية معادية للثورة الفرنسية وأفكارها. والتراتب الهرمي للأعراق، وفقًا لوجهة نظره، هو تراتب يُكرّس العرق الجرماني بوصفه العرق الأنقى والأرقى، والعرق الأسود هو الأدنى مرتبة. والطبقات الأرستقراطية هي المُمثل الأنقى للعرق الأنقى[77]، ولكنه لم يخصّ اليهود بالتبخيس. وقد رأى باحثون مثل المؤرخ جورج موسي (George Mosse، 1918-1999) وغيره، أن غوبينو أسقط على الأعراق الأخرى رأيه في العوام الفرنسيين ورؤيته للفلاحين في بلاده[78].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

أعاد تشمبرلين وريتشارد فاغنر (Richard Wagner، 1813-1883)، المؤلف والملحن الألماني الشهير، صياغة نسق غوبينو العرقي، وحوّلاه إلى أداة للإمبريالية العرقية ومعاداة السامية (معاداة اليهود). ويعتبر تشمبرلين أن العرق الآري، الذي يسميه العرق التيوتوني، هو خميرة الحضارة البشرية في العصر الحديث. وقد شدد تشمبرلين في كتابه على وجود مؤامرة يهودية لدحر العرق الآري[79]. ولذلك، يُعدّ نويمان الفصل عن السامية أهم فصول كتاب تشمبرلين هذا، ويتناول فيه "المؤامرة اليهودية"، وهي أيضًا الأفكار التي تبناها الملحّن الشهير ريتشارد فاغنر وحلقته الفكرية ذات التأثير الواسع على الحياة الثقافية في ألمانيا، حتى بعد وفاته. وقد كتب نورمان كوهين أن النوع المميت من اللاسامية التي تنجم عنه إبادة، هو ليس ذلك المتعلق بصراعات المصالح، ولا حتى بالتمييز العنصري، وإنما ذلك الذي يقوم على الاعتقاد أن اليهود جميعًا في كل مكان يُشكّلون جسمًا تآمريًا يهدف إلى إفساد بقية الإنسانية من أجل السيطرة عليها. وقد جرى تحديث هذا الاعتقاد القروسطي عن اليهود وعلمَنَته. وكان الاعتقاد السائد في مراحل متأخرة من القرون الوسطى، هو أن اليهود عُصبة من السحرة الذين وظّفهم الشيطان من أجل تخريب المسيحية[80]، وقد علمَنَ أمثال تشمبرلين هذا الاعتقاد في العصر الحديث.

ما يميّز العداء العرقي للسامية عن أشكال كراهية اليهود الأخرى هو قابليته للتحوّل إلى اشمئزاز ونفور جسدي، وما يميّزه بوصفه أيديولوجية هو قابليته للتحوّل إلى رؤية شاملة للعالم، والقوى التي تحركه، و"كيف يدار"، "كيف يشتغل". وليس المقصود العداء لليهود الأفراد فحسب، بل أيضًا لليهود غير الظاهرين، للمؤامرة اليهودية المتوارية خلف الأحداث. ومن هنا، لا يقتصر هذا العداء على الكراهية والاشمئزاز تجاه اليهود، بل يندفع نحو الرغبة بإزالتهم، إبادتهم، بوصف ذلك "حلًا نهائيًا". وهذا ما ميّز اللاسامية النازية. وقد ثابرت النازية في تصوّرها العرقي للعالم إلى درجة عدّ اليهودية نوعًا من جرثومة أو مرض يهدد نقاء العرق الآري ويهدد أوروبا بأكملها.

كانت اللاسامية مركزية في فكر هتلر، كما يظهر بوضوح في كتابه كفاحي، لكنه لم يتمكّن من إخراج فكره العنصري إلى حيّز التنفيذ قبل الوصول إلى الحكم واستخدام أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي عملت بانسجام في خدمة الأهداف نفسها في ما أصبحت تُعَدّ دولة شمولية نموذجية. ومع أنه وصل إلى الحكم بالانتخابات، لكنه لم ينل أغلبية الأصوات قبل وصوله إلى الحكم وفرض نظامٍ من الإرهاب؛ فقد كان تعيينه مستشارًا بفعل تحالف أو ائتلاف حزبي في البداية. وبعد وصوله إلى الحكم عام 1933، بدأت عملية تغيير القوانين التي كان هدفها الفصل بين الأعراق، وباشرت بفصل اليهود من العمل في مؤسسات الدولة، وانتهت إلى قوانين نوريمبرغ (15 أيلول/ سبتمبر 1935) التي منعت الزواج المختلط، وحظرت تحت طائلة العقوبة أي علاقة جنسية بين أفراد العرق الآري مع اليهود. كان هتلر مؤمنًا بأن تحقيق العرق الآري طاقاته الكامنة يقتضي توسيع مجاله الحيوي (Lebensraum)، ولكنّ العائق سيكون دائمًا وجود اليهود، سواء داخل ألمانيا أو في أوروبا، وأن الحرب تتطلّب التخلّص من اليهود[81]. وقد خاطبت الدعاية النازية اللاسامية في التعبئة ضدّ اليهود ميولًا مختلفة، بل متناقضة؛ فهم مؤسسو الشيوعية وقادتها في الخطاب الموجه لكارهي الشيوعية، وهم رأسماليون طفيليون في الخطاب الموجه للفئات الشعبية والعمال ذوي الميول الاشتراكية. إنهم جرثومة تلوّث العرق، ويجب القضاء عليها، وهم ضعفاء الجسد والروح، يمكن الدوس عليهم كما يُداس على الحشرات، ولكنهم في الوقت نفسه أذكياء وخبثاء قادرون على السيطرة على العالم.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

حين وصل النازيون إلى الحكم، كان في ألمانيا 500 ألف يهودي، أي 1 في المئة من السكان، وكانوا مندمجين إلى درجة أنه لم يكن ممكنًا مقاطعتهم، فضلًا عن إبادتهم، من دون عزلهم عن بقية السكان، ولذلك فُرِضَت قوانين جعلت التعامل معهم خطرًا على أي ألماني وألمانية، حتى إذا لم يكونوا معادين للسامية. وهكذا، توقف التواصل معهم بالتدريج، وعُزلوا اجتماعيًا. لقد مُنعوا بدايةً من السباحة في المسابح العامة، ومن ملكية أجهزة الهاتف والراديو، ومن إرسال أبنائهم إلى المدارس، ومن ممارسة الطب والمحاماة والتدريس وغيرها من المهن[82]. وبعد احتلال ألمانيا للنمسا وازدياد عدد اليهود في نطاق الحكم الألماني، نفّذت مليشيات الحزب النازي أعمال التخريب المشهورة في "ليلة البلّور" (Kristallnacht) في 9–10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938، التي هاجموا فيها محلات اليهود ومساكنهم. وبعد احتلال بولندا ومحيطها، وقع تحت سيطرة النازية 2 مليون يهودي، ومع التوسع إلى بقية مناطقها أصبحوا 3 ملايين. شجّعت النازية الشعوب المحتلة في أنحاء أوروبا، شرقها وغربها، على المشاركة في قمع اليهود والاعتداء عليهم. ولاحقًا، عندما بدأت عملية الإبادة، أمرت قوات الاحتلال بتسليمهم للسلطات لنقلهم إلى معسكرات الاعتقال، تمهيدًا للإبادة.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


لم يبدأ تطبيق فكرة الإبادة باليهود، فالتجرؤ على التفكير بإبادة جماعية والإقدام عليها بدأ بالمعاقين بالولادة من الألمان، الذين قُتلوا على نحوٍ منهجي من منطلق صيانة العرق الآري وتحسين النسل في ألمانيا؛ وتجميلًا لها أُطلقت على هذه العملية تسمية الموت الرحيم (Euthanasia). ثم جاءت إبادة الجنود الأفارقة الذين كانوا يخدمون في الجيش الفرنسي بعد احتلال فرنسا. تجدُر الإشارة هنا إلى أن نظام الصحة العامة لتحسين النسل (Eugenics) يعود إلى القرن التاسع عشر. وقد استمر باعتباره سياسة دولة في السويد، من دون الإبادة، من عام 1934 وحتى عام 1976، فجرى خلالها التسبب بالعقم لرجال ونساء. وقد حاز ألكسيس كارّيل (Alexis Carrell، 1873-1944) الفرنسي على جائزة نوبل في الطب عام 1912 لعمله في هذا المجال، وساند سياسات هتلر في تحسين النسل. وكان كارّيل من أعلام العلم والثقافة في دولة المارشال فيليب بيتان (Philippe Pétain، 1856-1951)، الذي كان رئيسًا لفرنسا في ظل الاحتلال النازي (1940-1944)، وكتابه الإنسان ذلك المجهول المترجم إلى العربية نال انتشارًا واسعًا في العالم العربي. وكان مصدر إلهام لسيد قطب (1906-1966) وعلي شريعتي (1933-1977).

لقد بُنيت بالتدريج آلة قتل تتعامل مع فعل القتل كأنه عملية تقنية بيروقراطية. وبدأت عمليات قتل جماعية متفرقة للغجر واليهود، ثم وُضع مشروع متكامل لتجميعهم في معسكرات وإبادتهم. وقد سبق عملية التجميع إلزام كل يهودي/ة بوضع خرقة صفراء على صدره/ا بصورة نجمة داود في أيلول/ سبتمبر 1941. وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، بدأت عملية نقل اليهود إلى الشرق تمهيدًا لقتلهم جماعيًا[83]. وقد عقدت الإدارات النازية المتورطة في عملية الإبادة مؤتمرًا قرب برلين (Wannseekonferenz)، في 20 كانون الثاني/ يناير 1942، لضمان تعاون أجهزة الدولة كافة في تنسيق هذا "المشروع" وتنفيذه. وقد كتب كثيرون عن "صناعة الموت" التي أُنشئت لهذا الغرض، والتكنولوجيات التي اتُبعت، والبيروقراطية التي شاركت، وتوخّيها "النجاعة"، أي السرعة والتوفير وزيادة الإنتاجية، وفقًا للمنطق البيروقراطي الأداتي غير المعنيّ بالغايات، فكانت المحرقة وكارثة يهود أوروبا، التي لم تقطعها سوى هزيمة ألمانيا في الحرب.

بعد المحرقة النازية، أصبحت نظرية الأعراق منبوذة عالميًا. ولكن قبل ذلك، في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تبنّى حتى بعض الفيلوساميين (المعجبين باليهود و/ أو واليهودية) المقاربة العرقية. فمثلًا كان رئيس الوزراء البريطاني بنجامين دزرائيلي (Benjamin Disraeli، 1804–1881)، رئيس وزراء بريطانيا في عام 1868، وبين عامي 1874 و1880، المتنصّر اليهودي الأصل (عُمِّد طفلًا)، يعدُّ اليهود عرقًا، ولكنهم في نظره عرقٌ راقٍ ونخبوي، إلى درجة أنه عزا أصولًا يهودية إلى كثير من غير اليهود البارزين الذين أدّوا خدمات مهمة للإنسانية[84].

وقد لجأ بعض الصهاينة الأوائل إلى فكرة العرق لتبرير القومية اليهودية، وبدأ بذلك موزِس هِس (Moses Hess، 1812–1875)، فبعد مرحلته اليسارية الاشتراكية التي دعا فيها إلى الاندماج، انتقل في كتابه (Rom und Jerusalem: Die letzte Nationalitätenfrage, 1862)، أي روما وأورشليم: المسألة القومية الأخيرة، إلى التأكيد على فكرة وجود عرق يهودي لم يتغيّر منذ مصر الفرعونية، وعلى أن الحل لمشكلة اليهود في أوروبا لا يكمن في الاندماج، بل يتطلّب نهضة قومية يهودية في فلسطين. وتبنّى هذه النظرية أيضًا الطبيب اليهودي ليو (ليون) بينسكر (Leon Pinsker، 1821–1891)، مؤلف كتاب (Auto-Emancipation)، التحرر الذاتي، الذي نُشر في ألمانيا عام 1882. ترك هذان المؤلفان أثرًا كبيرًا في الفكر الصهيوني قبل استخدام مصطلح الصهيونية. كتب بينسكر أن منشأ اليهود من عرق راقٍ ونقي، وعليهم أن يفاخروا بعرقهم السامي أمام الآريين، وأن يعودوا إلى "وطنهم فلسطين"، وأن يعملوا في الزراعة ويمارسوا الرياضة والخدمة العسكرية، لإعادة السلامة لأجسادهم التي شوّهها العيش في ظروف غير صحية في الغيتو. كان هذا أيضًا رأي ناتان بيرنباوم (Nathan Birnbaum، 1864-1937) الذي بدأ باستخدام كلمة "صهيون" في وصف فلسطين عام 1890. وهو الذي كتب أن كتاب تشمبرلين العنصري البريطاني مُحقّ في فرضياته العامة في ما يتعلّق بالأعراق، لكنّه يُخطئ عندما يصف اليهود بأنهم "شعب أخلاط".

وفي المقابل، لم يؤمن ثيودور هرتسل (Theodor Herzl، 1860-1904) بوحدة العرق اليهودي أو تجانسه أو نقائه، على عكس ماكس نوردو (Max Simon Nordau، 1849-1923)، يده اليمنى والشخصية الثانية في الحركة الصهيونية، الذي آمن بوجود العرق واعتبر أن الحداثة تهديدٌ له، ودعا اليهود للاهتمام بأجسادهم، والعودة إلى الطبيعة والعمل في الزراعة، لإعادة بناء الجسد القوي والإرادة القوية. من ناحية ثالثة فإن ڨلاديمير جابوتنسكي (Vladimir Zhabotinsky، 1880-1940)، القائد التاريخي لليمين الصهيوني ومؤسسه، والذي كان علمانيًا مثل هرتسل، آمن بوجود العرق اليهودي[85]. وينطبق ذلك أيضًا على أحد أهم قادة الحركة الاستيطانية اليهودية، آرثر روبين (Arthur Ruppin، 1876-1943)، الذي يُعَدّ مؤسس السوسيولوجيا الصهيونية ومؤسس قسم علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس، ومدرس سوسيولوجيا اليهود فيها، ويظهر في أهم كتبه (Jews in the Modern World , 1934)، أي اليهود في العالم الحديث؛ أنه آمن بوجود عرق يهودي، وعارض أي زواج مختلط وعدّه تهديدًا للأجيال القادمة. 

وفي إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، تدار أبحاث في علم الجينات لإثبات التقارب الجيني بين اليهود، أو وجود جينات مشتركة بينهم من مختلف أنحاء العالم، تميّزهم عن غيرهم، وتعيد أصولهم إلى منطقة الشرق الأوسط بادعاء تشابه الجينات. وفي عُرف الصهيونية، يشكّل اليهود في أنحاء العالم كافة شعبًا وقومية، وبما أنه لم توجد لغة مشتركة، ولا ثقافة مشتركة، ولا دولة قبل قيام إسرائيل، اتجه التفكير إلى القومية الإثنية، بالمعنى الضيق للإثنية، وهو الأصل المشترك الذي لا يمكن أن يكون سوى أسطورة. ومع أن إسرائيل نفسها تعتمد التعريف الديني لليهودي، أي كل من وُلِد لأم يهودية ولم يغيّر دينه، وكل من اعتنق الديانة اليهودية، تهدف هذه المشاريع إلى إظهار أن اليهود ينتمون إلى أصل واحد جينيًا (من جهة الأم)، ما يعني عدم الاكتفاء بمقاربة دينية/ قومية للأمة، ولا بمقاربة إثنية للقومية، بل إنها تقارب الإثنية ذاتها من منظور عرقي. وحتى لو لم تربط هذه الأبحاث بين الجينات المشتركة والثقافة والقدرات الذهنية والأخلاق، فإنها تنطلق من تعريف عرقي للذات القومية لا يخلو من مفاخرة بالعبقرية اليهودية والدماغ اليهودي.

قضية درايفوس

احتلت محاكمة ضابط فرنسي يهودي يُدعى ألفريد درايفوس (Alfred Dreyfus، 1859-1935) بتهمة الخيانة في سياق الحرب الألمانية الفرنسية مكانة مهمة في التأريخ للعداء للسامية في أوروبا. فقد فتحت للنقاش مسألة استمرارية كراهية اليهود، على الرغم من علمنة الدولة ومساواتهم قانونيًا، وخلال انطلاق عملية اندماجهم في المجتمعات الأوروبية. وطوال ما يربو على العقد، بين عامي 1894 و1906، انقسمت فرنسا، ومعها الرأي العام الأوروبي الذي بانت معالمه من خلال انتشار الصحافة المطبوعة، حول إدانة درايفوس وإعادة محاكمته وتبرئته بين مؤيدين ومعارضين لإدانته، وأصبحت مسألة الموقف من اليهود مركزية في الحياة العامة.

توجز أرندت[86] تطورات قضية الضابط اليهودي الفرنسي درايفوس الذي اتُّهم بالتراسل مع الملحق العسكري الألماني في باريس وتقديم خدمات لألمانيا مقابل المال، وحوكم وأدين عام 1894، وجُرّد من رتبه العسكرية وأودع السجن. ونشأت لاحقًا شكوك بشأن رسالته المزعومة إلى الملحق العسكري الألماني، ومن ثم بشأن إدانته. ففي عام 1896، شكّك الكولونيل جورج بيكار (Georges Picquart، 1854–1914) في إدانة درايفوس، وخاطب رئيس الأركان مدعيًا أن درايفوس بريء، واتَّهم ضابطًا آخر بتزوير رسالة بخط درايفوس. لكن بيكار عُزِل، وعوقب بإرساله إلى تونس بعد 6 أشهر. وتطورت ضجة كبيرة أسهم فيها الصحافي والمثقف اليهودي الفرنسي الاندماجي برنارد لازار (Bernard Lazare، 1865–1903) من خلال نشاطه ضدّ الإدانة، وكتابه حول مجريات محكمة درايفوس. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1897، أطلق جورج كليمنصو (Georges Clemenceau، 1841–1929) نفسه حملة لمراجعة موضوع درايفوس قضائيًا. وانضم الكاتب الفرنسي إميل زولا (Émile Zola، 1840–1902) للدفاع عنه في رسالة بعنوان "إني أتهم"، نُشِرَت على الصفحة الأولى من صحيفة يومية في 13 كانون الثاني/ يناير 1898. في هذه الفترة، اعتُقِلَ بيكار، وحوكم زولا بتهمة إهانة الجيش. ولكن في عام 1898، عُزِل الضابط الذي اتُّهم بكتابة الرسالة وتزويرها من الجيش، واعترف بأنه هو الذي زوّر الرسالة بناءً على أوامر ضابط أعلى منه. وفي عام 1899، ألغت محكمة الاستئناف عقوبة درايفوس الذي كان سيقضي عقوبة عشر سنوات بالسجن، بعد أن نُفِيَ في البداية إلى جزيرة الشيطان. وبعد أسبوع من إلغاء العقوبة، أصدر رئيس الجمهورية إميل لوبيه (Emile Loubet، 1838–1929)، الذي تولى رئيسًا لفرنسا بين عامي 1899 و1906، قرارًا بالعفو عنه، ولكن من دون تبرئته فعليًا. وفي عام 1906، عندما أصبح كليمنصو رئيسًا للوزراء، ألغت محكمة الاستئناف القضية وبرأت درايفوس من جميع التهم.


لم تشتهر قضية درايفوس لفداحة ما عاناه، مقارنة بما تعرض له اليهود أفرادًا وجماعات في التاريخ الأوروبي الحديث. ولكن عندما أُثيرت القضية كانت مسألة اليهود وحقوقهم قد احتلت مكانة مركزية في أوروبا. وأصبح، بسبب مكانته واندماجه وعلمانيته وخدمته العسكرية في الجمهورية الثالثة العلمانية، رمزًا لها. فوفقًا لجيري مولر، بين عامي 1815 و1850 فقط، نُشر في ألمانيا وحدها 2500 نص حول المسألة اليهودية، بين كتاب ومقال وغيره، بما في ذلك النصوص التي كتبها اليهود[87]. وتورَد حادثة درايفوس هنا بسبب النقاش الواسع الذي أثارته في بداية عصر وسائل الإعلام (الصحافة المطبوعة) والسياسة الجماهيرية، والتنظير اللاسامي العلني، وانتشار تفاصيل القضية في مجمل أوروبا، بسبب رواج اللغة والثقافة الفرنسيتين في أوساط نُخبها، والانقسام الذي أحدثته في الفضاء العمومي، وأصبح يلحّ على سائر القوى السياسية والأدبية والفنية للتعبير عن موقف منه.

ومما أسهم في مركزية هذه القضية تاريخيًا أيضًا، أن صحافيًا يهوديًا ليبراليًا اندماجيًا، هو ثيودور هرتسل، غطى المحاكمة لصحيفة في ڤيّنا، وتأثر بها بشدة، إلى درجة الصدمة الوجودية في ما يتعلق بمساره الشخصي؛ فقد استنتج من المحاكمة أن الاندماج، أي الطريق الذي اختاره هو، واختاره درايفوس، ليس حلًا لمعضلة اللاسامية، وأنها متأصلة في الشعوب الأوروبية التي تتعامل مع اليهود بوصفهم غرباء ومتطفلين، ولا حلّ أمام اليهود سوى أن يندمجوا في العالم المتحضر ليس بوصفهم أفرادًا، بل بإقامة دولة قومية مثل بقية الشعوب الأوروبية، فيُعاد الاعتبار لهم لأنهم أعادوه لأنفسهم، وتندمج هذه الدولة في عالم الدول المتحضرة. لكنّ دعوته تلك وجدت صدى في أوروبا الشرقية، حيث لم يكن الاندماج ممكنًا، وليس في أوروبا الغربية.

ويشكّل برنارد لازار الذي دافع عن درايفوس نموذجًا لافتًا. فهذا الناقد الأدبي الفرنسي اليهودي الأناركي[88] هو صاحب أول كتاب حول تاريخ اللاسامية (L'Antisémitisme, son histoire et ses causes, 1894)، وقد اتُّهم باللاسامية بسبب كتابه، مع أنه رفض العرقية وتسمية السامية ذاتها، لأنه حمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن اللاسامية لليهود أنفسهم، لعدم قدرتهم على الاندماج، وممانعتهم قوانين البلدان التي عاشوا فيها، وإصرارهم على العيش بموجب التلمود، وبسبب شعائرهم الظاهرة التي لا تُمارس في المجال الخاص فحسب، واستمرارهم بالعمل في مهن ومجالات غير منتجة، مثل التجارة والسمسرة والإقراض وغيرها. أي إن أسبابها في نظره اقتصادية وسياسية واجتماعية، ومن ضمنها أحوال اليهود أنفسهم. ورأى لازار أن الشخصية اليهودية السلبية سوف تختفي في حالة ممارسة المواطنة الكاملة والاندماج. لكنه غيّر موقفه نسبيًا بعد محاكمة درايفوس ودفاعه المستميت عنه على مستوى الرأي العام، لأن اللاسامية مورست ضدّ يهودي مُندمج في الثقافة الفرنسية والجيش الفرنسي[89].

اليسار ومعاداة السامية

ي اكانت الطبقات التقليدية القديمة التي تضررت من نشوء الرأسمالية مصدر الدعاية اللاسامية الذي يخلط بين النظرية العرقية والتنميطات الدينية عمومًا. وقد استخدمت الفئات المتضررة من الرأسمالية، ولا سيّما في مراحل صعودها وفقدان الأرستقراطية مكانتها، وانهيار العلاقات التقليدية الزراعية والحِرف ومكانتها وروابطها، مصطلحاتٍ معادية لليهودية في وصف الرأسمالية، وهي المصدر نفسه للادعاءات بوجود مؤامرة يهودية تحرك الشيوعية واليسار عمومًا، من جهة أخرى. وتلاقت الأفكار اللاسامية مع بعض عناصر الثقافة الشعبية التي راجت فيها صورة اليهودي المشتغل بالربا والمجال المالي ثم البنوك. وكان من السهل إلقاء اللوم على اليهود عند حصول الأزمات المالية في ظلّ النظام الرأسمالي. وقد انجذبت الطبقات الوسطى القديمة، من حِرفيين وأصحاب ورش صغيرة وتجّار صغار وغيرهم، إلى الحركات القومية والوطنية التي تمنحهم انتماء بديلًا عن الجماعات التي قوّضتها الحداثة، وأيضًا إلى الأفكار الاشتراكية الرومانسية التي تتحدث عن اشتراكية أهلوية في إطار الجماعة القومية والعرقية، وبالعودة إلى تقاليدها القديمة.

يناهض اليسار عمومًا، أي الأحزاب الاشتراكية والشيوعية على أنواعها، ومفكّروه عمومًا، سواء أكان هذا اليسار ديمقراطيًا أم غير ديمقراطي، العصبيات الدينية والعنصرية بأشكالها كافة، وقد حاربها بلا هوادة. ويطرح عمومًا برامج سياسية وتصوّرات لنظام اجتماعي لا مكان فيه لها. ويصعب تعداد جميع هذه التيارات ومواقفها في السياقات التاريخية المختلفة. ولكن تداخلات اليسار مع التوق إلى الجماعة الأهلية المعبّر عنها بأوتوبيات ناقدة للحداثة الرأسمالية، وكذلك تداخل بعض تيارات اليسار مع القومية الإثنية في بلدانها، مكّنت من تسرّب اللاسامية إلى صفوفه في بعض الحالات.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد تبنّت أوساط اشتراكية، يمكن أن تسمى يسارية، آراءً مسبقة حادة ضدّ اليهود، كما في حالة كتابات منظرين اشتراكيين أوتوبيين مثل بيير جوزيف برودون (Pierre-Joseph Proudhon، 1809-1865) وغيره في فرنسا، إذ تجاوزت استخدام اليهود واليهودية بوصفها استعارة سلبية، كما في أسلوب كارل ماركس (1818-1883). وكان الاشتراكي الفرنسي شارل فورييه (François Marie Charles Fourier، 1772-1837) يائسًا من إمكانيّة إصلاح اليهود ودمجهم فعلًا في المجتمع، واقترح حلًا راديكاليًا لما بات يُسمى المسألة اليهودية. كتب شلومو زند أن فورييه هو أوّل اشتراكي معادٍ لليهود في القرن التاسع عشر، وهو أوّل صهيوني في الوقت ذاته. صحيح أنه لم يستخدم كلمة صهيونية، ولكنه دعا إلى إرسال اليهود إلى فلسطين، وأن يبعثوا بعثًا قوميًا، فهذا أفضل من "احتيالاتهم في البورصة" وغيرها، من منظوره[90]. وللمفارقة، فقد اعتقد أن الاستيطان المموَّل من البارون دي روتشيلد (Edmond James de Rothschild)، يمكن أن يشكّل قاعدة لتطبيق نموذجه بإنشاء جماعات إنتاجية شيوعية. لقد قاد الموقف السلبي من دور اليهود الاجتماعي وعدم قابليتهم للاندماج إلى أفكار صهيونية قبل نشوء الحركة الصهيونية.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.


اختلطت تعابير اللاسامية، في كثير من الحالات، بلغة الحركات الاشتراكية ضد الرأسمالية، سواء أكان ذلك نتيجةً للتأثر بالرائج في الوعي الشعبي حول رأس المال البنكي اليهودي والتجار اليهود، أو بسبب نقمة بعض القوى اليسارية الناجمة عن عدم اندماج اليهود في البنية الطبقية القائمة، وحفاظهم عمومًا على مسافة من الصراعات الطبقية في المجتمعات، وذلك أساسًا لسببين: العزلة الدينية ورفض الاندماج؛ والتطلّع الأقلّوي إلى تلقي الحماية من الدولة أو الطبقات الحاكمة، والخوف من الانضمام إلى الحركات الثورية لسهولة الانتقام من الأقليات عند قمعها. ولكن أقلية من بين اليهود (من المثقفين غالبًا) انضمت إلى الأحزاب اليسارية بسبب موقفها ضدّ السامية، وبسبب تطلّعها إلى مجتمع تسوده المساواة، وذلك على الرغم من كونهم أقلية فاقت نسبتهم في الأحزاب والحركات اليسارية وقياداتها نسبتهم من السكان بدرجات. فقد تحدّر قسم كبير من قيادات الحركات الاشتراكية من أصول يهودية أو يهودية متنصِّرة، وقد لفت وجودهم في القيادات النظر لكونهم يهودًا أو من أصول يهودية.

من ناحية أخرى، استخدم بعض اليساريين في وصف الرأسمالية تعابيرَ تحمل تداعيات سلبية عن اليهود بوصفها استعارات مقبولة شعبيًا، أو لأسباب متعلقة بإنكار الأصل اليهودي للمتكلم لدوافع ذاتية. لا يُعَد هؤلاء مُعادين للسامية بأي معنى من المعاني، فأيديولوجيتهم ترفض فكرة العرق، وتدعو إلى المساواة التامة، وتعدّ الطائفية والعنصريات على أنواعها، بما فيها اللاسامية، أيديولوجياتٍ، أي وعيًا اجتماعيًا مقلوبًا، بموجب التعريف الرائج بينهم للأيديولوجيا؛ وهذا ما ينتجه المجتمع الطبقي، ويزول بزواله.

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

يتطرق الباحثون الذين يرومون إلصاق تهمة اللاسامية بماركس إلى مقالته الشهيرة في مسألة اليهود (Zur Judenfrage, 1843)، وإلى مصادر أخرى مثل رسالته إلى فريدريك إنغلز (1820-1895)، المؤرخة في 30 تموز/ يوليو 1862، التي يسخر فيها من قائد نقابي شهير هو فرديناند لاسال (Ferdinand Lassalle، 1825–1864) مستخدمًا وصف "الزنجي اليهودي"[91]. كان ذلك في رسالة خاصة ليست للنشر، في زمن لم تسُد فيه معايير الصواب السياسي اللغوية. ومن الواضح أن الاستخدام جاء للسخرية من نقابي اشتراكي ألماني يتصرف كأرستقراطي، وليس للتعبير عن موقف عنصري.

كانت الرأسمالية بالنسبة إلى ماركس وإنغلز مبنية على استغلال العمل المأجور، وعلى انتصار تسليع الاقتصاد، وما يتبعه من تسليع كل شيء تقريبًا. وقد اعتقد أهم منظري اقتصاد السوق، مثل آدم سميث (Adam Smith، 1723-1790)، أن الأنانية الفردية والرغبة في الربح هي مُحرّك لتطور المجتمعات؛ أي إنه في ظل النظام الرأسمالي يُنسب للأنانية والجشع دورٌ إيجابيٌ وبنّاء. وبموجب هذا المنطق، يحقِّق العمل من أجل الربح الفردي من خلال اقتصاد السوق الحر نتائج لصالح المجتمع كله. لكنّ ماركس وإنغلز رفضا فكرة أن المصالح العمومية يمكن أن تقوم على دافع مثل الأنانية. وبما أن الموقف السلبي الشعبي المتوارث من الربا ناجم عن أن المرابي يربح من المال من دون عمل، فقد استخدم ماركس استعارة اليهودية السلبية هذه، ليس ضدّ اليهودية ذاتها، بل ضدّ الرأسمالية.

ولذلك ففي معرض ردّه على برونو باور (Bruno Bauer، 1809–1882)، كتب ماركس في مقالته "مسألة اليهود" (أو المسألة اليهودية كما ترجمت إلى العربية) مناقشًا حلوله العلمانية للمسألة اليهودية بتخلي الدولة عن دينها (دين الدولة)، وتخلي اليهود عن اليهودية (تديّنهم الجماعي)، لكي يحققوا التحرر السياسي في إطار تحرر المجتمعات الأوروبية نفسها من مسيحيتها، وليس بمعزل عنه[92]. انتقد ماركس صديقه باور لأنه يكتفي بالتحرر السياسي (تحرر المواطن) من خلال علمنة الدولة، ولا يتجاوزه إلى التحرر الاجتماعي الاقتصادي من الاستغلال (تحرر الإنسان). وأضاف أنه إذا كان الربا مرتبطًا باليهودية، كما يروّج، فاليهودية استعارةً هي أساس الرأسمالية، لأن أساس الرأسمالية هي الربح من دون بذل جهد أو عمل. وإذا كان اليهود أنانيين كما يقول باور، ففي المجتمع البرجوازي الجميع أنانيون. وإذا كان اليهود لا يأبهون بالصالح العام ويركزون على مصالحهم الخاصة، فالجميع يفعلون ذلك في الرأسمالية. وكلّ هذا نابعٌ من المشكلة الأساسية أو الخطيئة الأساسية، وهي الملكية الخاصة وتجلّيها في علاقات الإنتاج الرأسمالية. ومن ثم فإن تحرر اليهودي من يهوديته يكون بتحرر المجتمع من يهوديته، أي من الرأسمالية[93]. وهذا كله بلغة فلسفية هيغلية لم يتحرر ماركس الشاب منها بعد. لقد استخدم اليهودية استعارةً محلّ الرأسمالية. لكن بعض الكتّاب استخدموا مقولته هذه في الدعوة إلى تخليص المجتمع فعلًا من "آفة اليهود".

من ناحية أخرى انتشر لدى اليسار، في رأي أرندت، نوع من كراهية اليهودية (وليس اليهود) بربطها بالرأسمالية؛ لم يكن المقصود اليهود الأفراد، فقسم كبير من اليسار كانوا يهودًا. إن الادعاء اللاسامي عن اليهود بأنهم كانوا يديرون الدول من خلف الكواليس، ويمثلون دولة داخل دولة، لم يكن صحيحًا في نظر اليسار، ولكنّ الادعاء أنهم كانوا أمة داخل أمة كان صحيحًا نسبيًا من منظوره، لأنهم حافظوا على عزلتهم وتَميُّزِهم، وامتنعوا عن الاندماج ضمن صراع الطبقات، وفئات واسعة منهم قاومت الاندماج، حتى حين كان متاحًا[94].

في رسالة لفريدريك إنغلز، من 19 نيسان/ أبريل 1890، بعنوان "عن اللاسامية"، ونُشِرَت في 9 أيار/ مايو 1890 في العدد (19) من صحيفة العمال Arbeiter-Zeitung، كتب أن العداء للسامية "هو تعبير عن ثقافة مُتخلّفة ظلّت قائمة في بروسيا والنمسا وروسيا، أمّا من يريد إثارة اللاسامية هنا في إنكلترا أو في أميركا، فسوف يسخر منه الناس". وهاجم إنغلز الصحافي الفرنسي المعادي للسامية إدوارد دريمو، كما أعاد المصدر الطبقي لمعاداة السامية في ألمانيا إلى البرجوازية الصغيرة المُتضررة من تنافس الرأسمالية الكبيرة. وفقط في الدول المتخلّفة التي ما زال فيها الفلاحون والحِرَفيون عماد عملية الإنتاج، يبدو رأس المال يهوديًا وينتشر العداء للسامية. اللاسامية هي "ردة فعل طبقات قروسطية زائلة على المجتمع الحديث المؤلف من الرأسماليين وعمّال، ومن ثم تخدم اللاسامية مقاصد رجعية خلف غطاء اشتراكي مزعوم"[95]؛ وفيها "تظهر اللاسامية وكأنها صراع ضد الرأسمالية، هذه صورة زائفة"[96]. وفي سلسلة مقالات له بعنوان المسألة الفلاحية في فرنسا وألمانيا، نُشرت في عام 1894، في صحيفة الأزمنة الجديدةDie Neue Zeit، كتب إنغلز أن "اللاسامية إحدى وسائل إغلاق الطريق أمام الفلاحين نحو تحررهم"[97].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

كانت الأحزاب التي تبنّت اللاسامية أحزابًا محافظة أو قومية يمينة، حتى لو ادّعت أنها اشتراكية بمفهوم شعبوي قومي للاشتراكية. وكانت هذه عمومًا قوى هامشية في المجتمعات الأوروبية، ولم تصبح قوى مركزية سوى في مرحلة صعود الفاشية والنازية في أوروبا، في ثلاثينيات القرن العشرين. فمثلًا، عدّ أدولف ڤاغنر (Adolf Wagner، 1835-1917)، عالم الاقتصاد الاشتراكي، الجماعة المتفوقة جماعةً عرقية، وأن الثقافة الألمانية متغلّبة على سائر الثقافات، والإمبريالية التوسعية التي دعمها هي إمبريالية عرقية. وفي نظره، تفوّق العرق الجرماني على الفرنسيين في حرب 1870. وقد عدّ السياسة الاشتراكية هي الملائمة للعرق الألماني، وليس الليبرالية الإنكليزية[98]. هذا الاستخدام القومي العنصري للاشتراكية لا يجعل منه يساريًا، بل هو على النقيض من قِيم اليسار. قَرَن أدولف ڤاغنر الرأسمالية باليهودية، وانضم إلى القس المعادي للسامية أدولف شتوكر في حزب العمال المسيحي الاجتماعي عام 1878 لتأسيس حركة معادية للسامية ذات مسحة مسيحية محافظة واشتراكية في الوقت ذاته.

وقد انتشرت بعض الأفكار المعادية لليهودية في تلك الفترة بين أوساط من الاشتراكيين والأناركيين والليبراليين على حدٍ سواء. لكن الحركة الاشتراكية الديمقراطية، والماركسيين عمومًا، عارضوا ذلك بقوة. وسمّى أوغست بيبل (Ferdinand August Bebel، 1840-1913)، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، العداءَ للسامية "اشتراكية الحمقى"[99]، لأن الذين حملوا هذه الأفكار تعرضوا بسهولة لخداع القوى المحافظة نتيجة لاستعدادهم قبول فكرة أن العدو هو اليهود، لا النظام الاجتماعي القائم على الاستغلال الطبقي.

ومن ناحية أخرى، تعرضت الحركة الاشتراكية الماركسية لتهمة اليهودية في الأدبيات اللاسامية، وذلك في معرض نشر اللاساميين فكرة مؤامرة يهودية تتجسّد في تقسيم عمل بين رأسماليين يهود وحركة عمالية أو اشتراكية يقف اليهود خلفها. ولاحقًا استُخدمت حقيقة كون قسم كبير من قيادة البلاشفة من أصول يهودية لتعزيز هذا الادعاء. كسب هذا النوع من الدعاية المعادية للسامية الطبقات القديمة التي تأذّت من نشوء النظام الرأسمالي، وأيضًا بعض الفئات من العمال الذين لم يتحرروا من الأفكار الدينية المعادية للسامية.

يمكن فهم سلوك بعض القوى اليسارية في القرن التاسع عشر وحتى صعود النازية من خلال القياس على سلوك بعض القوى السياسية في العصر الحاضر بتحديدها عدوًا رئيسًا أو معركة رئيسة تخوضها، فتعتقد أن كل من يعادي عدوها الرئيس، وإنْ كانت دوافعه وأفكاره متناقضة قيميًا مع أفكارها، هو حليف "موضوعيٌ"، ولو مؤقتًا. فمثلًا، حين يحدَّد العدو على أنه الولايات المتحدة وسياساتها، قد تُغرى بعض القوى للصمت عن دوافع القوى المعادية لأميركا ومواقفها وقيمها، لأنها حليف مؤقت في المعركة ضدّ أميركا؛ وهو الحال عند بعض القوى الديمقراطية التي تحدد نظام الاستبداد الحاكم في الدولة بوصفه الخصم الرئيس، فيغريها ذلك لتجنّب النقاش ضدّ قوى عنصرية أو أصولية فاشية معادية له، بحجة أن هذا النقاش يحرفها عن الصراع الرئيس. ومن الواضح أن بعض القوى اليسارية قدَّرت أن الدعاية اللاسامية التي تقف وراءها بعض القوى الهامشية، لا تشكّل تحديًا أساسيًا يشغلها ما دامت موجهة ضدّ الرأسمالية، كما أنها تخاطب قواعد شعبية ليس لليسار مصلحة في استعدائها، أو بوصفها جزءًا من الصراع داخل الطبقة البرجوازية[100]. وقد عاد الاستخفاف بهذه الظواهر في كثير من الحالات وبالًا على اليسار ذاته.

معاداة اليهود في العالم العربي في العصر الحديث

أحيَت الهجرة اليهودية إلى أراضي السلطنة العثمانية من إسبانيا والبرتغال، وحتى من إيطاليا، في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، والتي تدهورت أوضاعها منذ القرن الثاني عشر. فقد ضُخّت ثروات ودماء جديدة متمثّلة بأفراد يتقنون لغات أوروبية وقدرة على نسج صلات بأوروبا، فترسخت مكانة اليهود في التجارة والصناعة، ولا سيّما مع تأسيس صناعة النسيج في السلطنة وأداء دور الوساطة مع أوروبا.

إن التقارير اليهودية عن التعامل العثماني مع اليهود، والتي تعود إلى تلك المرحلة، هي تقارير إيجابية للغاية. وقد أدخل اليهود الطباعة في ظلّ الحكم العثماني في سالونيك، بداية القرن السادس عشر، وسُمِح لهم بذلك شرط عدم استخدام الأحرف العربية، لكيلا تدنّس المطبعة لغة القرآن[101]. وحتى القرن السابع عشر، كان اليهود في ظلّ الحكم العثماني مُفضّلين عن أهل الذمة الآخرين، لا سيّما اليونان والأرمن والمسيحيين العرب، لكنّ وضعهم تدهور نتيجة ضعف السلطنة بعد القرن السابع عشر. يتجلّى هذا الضعف في ظاهرتين أساسيتين من شأنهما المسّ بالأقليات الدينية مباشرة: الأولى، فقدان الدولة للثقة بالنفس، ومن ثم الخوف من الآخر المُختلف، والانفعالية في التعامل مع الآخر؛ والظاهرة الثانية هي الفوضى الناجمة عن ضعف سلطة الدولة، وتعاني عواقبها الأقليات عمومًا؛ لأنها تعتمد على حماية الدولة من تجاوزات الأغلبية.

ومنذ نهاية القرن الثامن عشر وصولًا إلى منتصف القرن التاسع عشر، تدهور وضع اليهود على نحوٍ غير مسبوق، وساءت أوضاعهم إلى درجة الاعتداء عليهم جسديًا، وتحوّل رجم الأطفال لهم بالحجارة إلى عادة. لقد تدهورت أوضاع اليهود مع تدهور أحوال السلطنة عمومًا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد وصف الرحّالة الأوروبيين أوضاع الجاليات اليهودية في القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر بكونها في منتهى السوء[102].

أدّت نهضة اليهود الاقتصادية والتعليمية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتعاطف السلطنة مع اليهود لأنهم كانوا مثل المسلمين، ضحايا الأعداء الأوروبيين (روسيا) أنفسهم، إلى تحسّن أوضاعهم. وقد تواصلت هجرة يهودية من روسيا وبولندا إلى أراضي السلطنة، فكان من آثارها زيادة التنافس مع مسيحيي المشرق الذين عظم دورهم وكانوا يمرون بمرحلة نهوض تعليمي واقتصادي.

وفي عام 1835 أصبح منصب الحاخام باشي مركزيًا، إذ تتبع له المِلّة اليهودية في أراضي السلطنة كافة. وكانت المؤسسة الدينية اليهودية موالية للسلطان، ولكنها ظلت مناهضة لأي تحديث في الطائفة اليهودية ذاتها. وقد أُبطِلَت القيود على أهل الذمة، وأصبح رعايا السلطنة متساوين في الحقوق نظريًا، بموجب فرمان 1856 في إطار التنظيمات. وكانت ردة فعل رجال الدين المسلمين عمومًا، وأوساط واسعة من السكان، على هذا التغيير في وضع أهل الذمة سلبية، ولا سيّما أنه جاء بعد ضغوط من القوى الأوروبيةو أوروبية.

وخلافًا للمسيحيين، لم يُقبِل يهود المشرق على التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية الخاصّة. وعلى أهمية شبكة مدارس الأليانس التي تأسست في فرنسا بهدف النهوض بأحوال اليهود في المشرق تعليميًا ومهنيًا، فإنها لم تكفِ لجسر الهوة التعليمية التي فصلتهم عن المسيحيين في المشرق، ما عدا في العراق. أما يهود المغرب والجزائر وتونس، فكانوا أشدّ اندماجًا من المسلمين في مؤسسات الاستعمار، ومن ضمنها المؤسسات التعليمية. كما سهلت السلطات الاستعمارية حصول فئات واسعة منهم على الجنسية الفرنسية، التي أتيحت لكل يهودي جزائري منذ عام 1870. في هذه المرحلة التي شهدت صعود الأقليات من خلال ممارسة وظائف جديدة تطلَّبها تحديث مؤسسات الاقتصاد ومؤسسات الدولة، إضافةً إلى ازدهار التجارة مع الغرب، احتدم التنافس بين المسيحيين واليهود في المجالات الاقتصادية نفسها، ما زاد من قابلية المسيحيين لاستيراد الأفكار الأوروبية اللاسامية. أما يهود المغرب الذين عانوا (مثل يهود إيران في ظل الصفويين والقاجاريين) سوء الأحوال والسياسات قبل الانتداب الاستعماري والاستقلال، فتحسّنت أحوالهم نسبيًا مع الهجرات في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر من إسبانيا والبرتغال.

لقد استورِدَت خرافات "فرية الدم"؛ أي استخدام اليهود لدم غير اليهود في شعائرهم، من جانب مسيحيي بلاد الشام في هذه المرحلة. وقد راج استخدامها في مدن عديدة في القرن التاسع عشر، منها حلب وأنطاكيا ودمشق وطرابلس وبيروت والقدس، وانتشرت في مصر على نحو خاص[103]. لم تظهر هذه الخرافات في المشرق قبل القرن السابع عشر في حلب، وانتشرت من هناك في جنوب الأناضول وفي أنطاكيا، وصولًا الى واقعة "فرية الدم" المشهورة في دمشق عام 1840، التي كانت تحت سيطرة حاكم مصر محمد علي باشا (1749-1869) في تلك الفترة. وقد أسهم في التحريض على اليهود ونشر الفرية القنصل الفرنسي ورهبان فرنسيون، بعد اختفاء كاهن مسيحي وخادمه. واعتقل الوالي بعض "المشتبه" بهم وعرضهم للتعذيب، وأخذ 63 طفلًا يهوديًا رهائن لكي يعترف أهلهم بقتلهما واستخدام دمهما في خبز عيد الفصح. ولم تنتهِ الواقعة إلّا مع تدخّل إنكلترا والنمسا، ووصول لجنة برئاسة الإنكليزي اليهودي اللورد موزس مونتيفيوري (Moses Haim Montefiore، 1784-1885) إلى دمشق والقاهرة وإسطنبول[104]. أحدثت هذه الحادثة صدى كبيرًا في أوروبا التي كانت دولها الكبرى قد بدأت تتدخل في شؤون السلطنة. وبتأثير من الوفد البريطاني، أصدر السلطان فرمانًا يدحض فرية الدم. وفي عام 1890 نشر حبيب فارس كتاب الذبائح البشرية التلمودية الذي يروّج هذه الخرافة، وقد أُعيد نشر الكتاب عام 1962.

كانت فرنسا في القرن التاسع عشر مركز إنتاج الأدبيات اللاسامية في أوروبا الغربية، ونقلها مسيحيو بلاد الشام من هناك إلى العالم العربي، المتأثرون بالثقافة الفرنسية وبنفوذ فرنسا في المشرق. وقد صدرت أغلبية هذه الأدبيات المترجمة من الفرنسية في بيروت. فنُشِرَت في عام 1899 ترجمة عن الفرنسية لكتاب صدر أساسًا باللغة الألمانية، وهو كتاب أوغست رولينغ اليهودي على حسب التلمود، وقد أعيدت طباعته عدة مرات. ومن بوادر الأدبيات اللاسامية المترجمة إلى العربية أحد كتيبات قضية درايفوس بعنوان: قضية درايفوس وأسبابها السرّية عام 1898، حين كانت القضية محتدمة في فرنسا. وفي عام 1925 صدرت الترجمة الأولى لكتاب بروتوكولات حكماء صهيون في القاهرة، وهي ترجمة رجل دين ماروني هو أنطوان يمين[105]. لكنّ هذه الأدبيات ظلّت مجهولة للأغلبية الساحقة من السكان التي لم تعرف القراءة، كما أن نسبة قليلة ممن عرفوا القراءة في تلك المرحلة اطّلعوا على هذه الكتابات.

مع بداية القرن العشرين، انتشرت أفكار لاسامية لدى أوساط محافظة، فقد نسب المسلمون المحافظون ثورة 1908 بقيادة الاتحاد والترقي إلى تآمر يهودي، ولاحقًا اعتُبر رجالات الاتحاد والترقي، ومصطفى كمال (أتاتورك) (1881-1938) نفسه، منتسبين إلى يهود الدونمه في سالونيك، أي إن الحركة برمّتها نتاج مؤامرة يهودية. وبعد إلغاء الخلافة في عام 1924، كررت أدبيات السلفيين والحركات الإسلامية في المشرق هذه الشائعة وردّدتها طويلًا، وما زالت تردّدها من حين لآخر.

وبعد أن تكثّف النشاط الاستيطاني والسياسي الصهيوني في فلسطين، وبدأت أهدافه تتّضح للعرب بما يتجاوز الهجرة لأسباب دينية أو إنسانية، ظهر استخدام مصطلحات لاسامية على هوامش السجال ضدّ الصهيونية. في تلك المرحلة، كان اليهود قد أصبحوا مواطنين كاملين في الدول العربية الرئيسة، ولا سيّما العراق وسورية ومصر، وحازوا على امتيازات في ظلّ الاستعمار الفرنسي في الدول المغاربية. وظلت التيارات الرئيسة المهيمنة عربيًا تتجنّب أي تحريض على اليهود، بل وأبدى بعضها تفهّمًا لهجرتهم إلى فلسطين، في حال عدم ارتباطها بهدف إقامة دولة. وخارج هذا السياق، تأثرت الحركات القومية والوطنية الأولى بالدعاية النازية، ولا سيّما من خلال تقليد حركات الشبيبة للحركات الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا؛ وذلك ليس لأن إيطاليا وألمانيا كانتا عدوتين لفرنسا وبريطانيا، القوتين الاستعماريتين اللتين تقاسمتا العالم العربي فحسب، بل أيضًا لأن بعض الحركات الوطنية في العالم الثالث عمومًا تأثرت بالحركات القومية الأوروبية المتأخرة من دون علاقة باللاسامية، مثلما تأثرت بها تيارات حزبية داخل الحركة الصهيونية أيضًا. وقد تُرجم كتاب هتلر كفاحي أول مرة إلى العربية عام 1935، وصدر في بيروت[106].

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

بعد دحر الإنكليز حكومة رشيد عالي الكيلاني (1892–1965)، الذي تولى منصب رئيس وزراء العراق في الأعوام 1933، و1940، و1941، ومجموعة العقداء الأربعة الذين سُمّوا المربع الذهبي، تفجّرت أحداث الفرهود (1-2 حزيران/ يونيو 1941) ضدّ اليهود في بغداد، في سياق المظاهرات ضد الاحتلال الإنكليزي الثاني للعراق، التي قُتل فيها وفق لجنة التحقيق الرسمية 110 من اليهود والمسلمين ممن حاولوا حمايتهم، فيما تورد أغلبية المصادر غير العربية رقم 175 قتيل يهودي، وأكثر من ألف جريح، بالاستناد إلى تقديرات الجالية اليهودية التي رفضتها لجنة التحقيق. كما نُهبت مئات من محلات اليهود ومنازلهم، وقُتل مئات من المهاجمين بنار قوات الأمن التي تحركت لقمع الشغب. شكّل هذا الحدث استثناءً كبيرًا في تاريخ العراق الحديث حتى تلك الفترة. فقد تطوّر وضع اليهود في العراق في نهاية الحكم العثماني، وتمثّلوا في مجلس المبعوثان، وأسهم التعليم في مدرسة الأليانس في بغداد، إضافة إلى نجاحهم في التجارة، في تعزيز مكانتهم. كما تمتعوا بحقوق المواطنة الكاملة نسبيًا للظروف التاريخية في ظل الحكم الملكي، ومكانة اجتماعية اقتصادية مرموقة في المدن، ولا سيّما بغداد والبصرة[107]. وقد شارك يهود في الحكومات، وحتى في صياغة دستور العراق. وتكررت مثل هذه الأحداث في عدة مدن عربية في الأربعينيات، وعلى نحوٍ خاص بعد نكبة فلسطين وقيام إسرائيل. واستفادت منها الحركة الصهيونية التي نشطت في البلدان العربية، ولكنها لم تنجح بمدّ جذور في أوساط الجاليات اليهودية العربية من أجل إقناع اليهود العرب بالهجرة إلى إسرائيل قبل النكبة. وتزايد منسوب العداء لليهود و/ أو شعورهم بالخطر، حصل ذلك أيضًا بعد الحروب العربية الإسرائيلية الأخرى، وفي مصر بعد إعدام يهوديين مصريين عام 1955 كلّفتهما المخابرات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات إرهابية[108] (معترف بها إسرائيليًا تحت عناوين مثل "الفضيحة").

حذف الصورة؟

سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

ويؤكد برنارد لويس أن تحوّل اليهود العرب إلى الصهيونية نجم عن ظواهر مستجدة، مثل موجات العنف ضدّ اليهود في الدول العربية في أربعينيات القرن العشرين، وعلاقات الحاج أمين الحسيني (1895-1974) مع النازية. فبين عامي 1941 و1948، حصلت عدّة أعمال عنف في العراق وسورية ومصر واليمن وشمال أفريقيا، قُتل فيها مئات اليهود، وطردوا من أعمالهم ونُهبت متاجرهم وبيوتهم؛ وراجت ادعاءات عن استفزازات لنشطاء صهاينة في البلدان العربية في تلك الفترة التي حصلت خلالها هجرة يهودية واسعة من الدول العربية إلى فلسطين وأميركا[109].

ثمة أمثلة على استخدام حكّام عرب بعد الحرب العالمية الثانية، مقولات من برتوكولات حكماء صهيون وغيرها من الأدبيات، واستخدام زعماء عرب (وسياسيون وصحافيون كثيرون) اقتباسات من هذا الكتاب في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، للتذكير بشرور إسرائيل والحق العربي في مواجهتها. ولكنهم لكم يكونوا معادين للسامية، وشدّدوا، بتفاوت، على رفض العنصرية وعلى فضائل تسامح الحضارة الإسلامية مع أتباع الديانات التوحيدية، بمن فيهم اليهود؛ وغالبًا ما شدّدوا على التمييز بين الصهيونية اليهود. ولا شك أن اقتباس البروتوكولات، الذي غالبًا ما نمّ عن جهل بحقيقتها، أساء للحق العربي، إذ ربطه بقضايا غير عادلة وخرافات ونظريات مؤامرة.

لقد انتشرت في خمسينيات القرن العشرين وستينياته أدبيات كثيرة تستخدم مقولات معادية للسامية، وانتشرت كذلك أدبيات تنكر حصول الهولوكوست. كما انتشر اتهام إسرائيل بالنازية، وهي التهمة التي تعدّها إسرائيل لاسامية، مع أن من يوجه مثل هذه التهمة لعدوّه يفترض أن النازية شر عظيم يقارن عدوه به. كما أن هذا كان غالبًا ردًا على إسراف قادة إسرائيل (خصوصًا دافيد بن غوريون ومناحيم بيغن، وواصل بنيامين نتنياهو هذا التقليد) اتهام خصومهم العرب، مثل جمال عبد الناصر وصدام حسين وياسر عرفات، بالنازية وتشبيههم بهتلر. وهو مثال واحد فقط على استخدام إسرائيل السياسي الأداتي للمحرقة، ولو بثمن التقليل من شأنها. وقد فصّل الباحث جلبير الأشقر في الاستخدامات العربية لمقولات اللاسامية والسجالات حولها وسياقها التاريخي، مميّزًا بين من انزلق إلى قناعات لاسامية (الحاج أمين الحسيني الذي تورّط في تحالف مشين مع ألمانيا الهتلرية) وقادة عرب معادين لإسرائيل في إطار الصراع ضدّها، ولديهم موقف حاد في مناهضة الاستعمار والعنصرية، بما فيها النازية[110]. ولكن السجال ضدّ نفاق الغرب وسياسات إسرائيل جرّهم إلى التقليل من شأن المحرقة، وهذا نادر على كل حال؛ كما ميَّز الأشقر بين حركات وطنية تشابهت في الولع بالرموز وإنشاء حركات شبابية شبه عسكرية بلباس موحّد وحركات تأثرت فعلًا بالنازية، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي[111].

نادرًا ما تلقى مشاركة العرب، والمسلمين عمومًا، في الحرب العالمية الثانية في جيوش الحلفاء والجيش الأحمر السوفياتي وإسهامهم في الانتصار على النازية اهتمام الباحثين، فضلًا عن الإعلام شرقًا وغربًا. وفيما عدا مشاركة الدول العربية المستقلة في الجهد الحربي إلى جانب بريطانيا وقوات فرنسا الحرة المعادية للنازية ونظام ڤيشي التابع لها في فرنسا، تجنّد مئات الآلاف من البلدان المغاربية ومصر والمشرق العربي (بما في ذلك الفلسطينيون)، ومئات الآلاف (وربما ما يربو على المليون) من مسلمي شبه القارة الهندية وأفريقيا في جيوش الحلفاء، ومئات الآلاف من جمهوريات آسيا الوسطى في الجيش الأحمر. لم يحظَ هؤلاء وتضحياتهم الجمّة من الاهتمام حتى بجزء يسير مما حظيت به علاقة شخص واحد، هو الحاج أمين الحسيني، مع القيادة النازية.

سهّل الخطاب الذي تسرّبت إليه عناصر الاعتقاد بمؤامرة يهودية عالمية، والتقليل من شأن المحرقة النازية، عملية تصدير المسألة اليهودية وأعباء تاريخها في أوروبا إلى العالم العربي، وتمويه عدالة قضية فلسطين بتحويل اليهود إلى ضحية، حتى في تنفيذهم مشروعًا كولونياليًا في فلسطين. أما الحركات الإسلامية السياسية عمومًا، فلم تميّز بين الصهيونية واليهود، وبعضها لم يكتفِ بالآيات القرآنية التي تذمّ اليهود، بل استخدم أيضًا مقولات لاسامية عنصرية مستوردة من أوروبا، علمًا أنها تنتقد عمومًا مثل هذا الاستيراد، ولا تتبنى تفكيرًا عرقيًا، فمثل هذا التفكير يخالف العقيدة الإسلامية. من جهة أخرى، لم تميّز الدعاية الصهيونية ضدّ الأنظمة العربية بين الخطاب المعادي للصهيونية وذلك المعادي لليهود، كما لم تميّز بين استخدام عابر للمفردات والعداء لليهود القائم فعلًا لدى بعض القوى والحركات.

يرافق سوء الفهم للمسألة اليهودية في أوروبا، بتعقيداتها وخلط الموقف من الصهيونية، المواقف العربية من القضية الفلسطينية منذ النكبة. فبعض المصطلحات والتعابير والرسوم الكاريكاتيرية العربية الموجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي وصورة اليهودي فيها، نُسخت من الأصل الأوروبي اللاسامي؛ إذ لم تكن هذه التعابير والمصطلحات والتشبيهات والصور عن اليهود معروفة في المشرق. ثمة مفارقة كبرى في تأثّر المستعمَر بالمستعمِر حين يشمل تبني خطابه على نحو غير واعٍ تبني العنصرية من جانب ضحاياها.

لم تقم في العالم العربي حركات منظمة جعلت مهمتها الرئيسة معاداة السامية، ولكن لا شك في أنه نشأت قابلية لترديد مقولات الخطاب اللاسامي المستورد من أوروبا، من دون أيديولوجية لاسامية. ويمكن استقراء إسهام العوامل الآتية في نشوء هذه القابلية:

  • انتشار أفكار مسبقة عن اليهود يمكن ربطها بسرديات دينية ذات أثر في الثقافة الشعبية، ووجود قابلية لدى فئات متعلمة للتأثر بخطاب مفكّري تيارات قومية ووطنية في أوروبا.
  • لم تنشأ فرصة تاريخية لمراجعة الأفكار السلبية عن اليهود واليهودية؛ ففي المرحلة التي أصبحت فيها اللاسامية منبوذة وغير مشروعة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كانت البلدان العربية تعيش صراعًا مع الدول الاستعمارية المعادية لألمانيا. كما وصل الصراع مع المشروع الصهيوني الاستعماري (الذي ارتبط في أذهان الفلسطينيين والعرب برعاية إمبريالية بريطانية من خلال وعد بلفوروالانتداب البريطاني) في فلسطين أوجَه في النكبة.
  • احتلال فلسطين وتشريد شعبها واستخدام الصهيونية مبررات دينية يهودية لاختيارها فلسطين.
  • الميل إلى التفسير السهل للدعم العالمي لنشوء إسرائيل بسيطرة يهودية على الولايات المتحدة وبريطانيا، وحتى الاتحاد السوفياتي.
  • تقديم المقولات اللاسامية تفسيرًا للهزائم العربية يتجنّب مواجهة الأسباب الحقيقية لضعف الدول العربية؛ وهو تفسير يرضي الكبرياء في الوقت ذاته، بتأكيده على "أخطبوط الشر العالمي" الذي يتحكم بدول لا قِبل للعرب بمواجهتها. وقد تبيّن أن مثل هذا التفكير يقود في النهاية إلى التطبيع مع إسرائيل، وحتى الاستقواء بالتحالف معها.
  • كبح الصراع مع إسرائيل والصهيونية الرغبةَ في تفهّم التاريخ اليهودي في أوروبا؛ لأن مثل هذا التفهّم التبس شعوريًا (لا عقلانيًا) مع تبرير احتلال فلسطين وتشريد سكانها. وربما فُهم نقد بعض التعابير اللاسامية التي تستخدم في ذمّ إسرائيل، على أنه دفاع عن إسرائيل والاحتلال، وهو ما يفسر تواني بعض المثقفين الديمقراطيين واليساريين عن نقد هذا الخطاب، ما قد يعد من منظور آخر افتقارًا للشجاعة الأدبية.

قد يختلط الموقف السلبي من اليهود ونظريات المؤامرة اليهودية بالموقف من إسرائيل والصهيونية لدى البعض، ولكنّ هذا لا يعني إطلاقًا أنهما الأمر ذاته. وفي ما عدا النقد الديمقراطي واليساري للخطاب المعادي لليهود، وهو قائم بالطبع، لا توجد في القرن الحادي والعشرين أي دولة عربية أو تيار مركزي عربي يتبنّى خطابًا معاديًا لليهود. وتجري مراجعة شاملة له في بعض الدول، وفي صحفها الرسمية. ولكنها حين تدار المراجعة من فوق (أي من جانب الأنظمة الحاكمة) في سياق التطبيع مع إسرائيل والتحالف معها والتخلي عن قضية فلسطين في ظل بقاء الاحتلال وممارساته، وحتى تبني الخطاب والرواية الصهيونيين في بعض الحالات، فإنها تطابق من جديد، وإن على نحو معكوس بين اليهود وإسرائيل والصهيونية.

وفي هذا السياق، يُشار إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، منذ قيامها، على الرغم من أنها لم تنتقد علنًا تجربة الحاج أمين الحسيني وعلاقاته مع نظام الحكم النازي في ألمانيا، فإن خطابها وممارستها كانا نقيضًا لنهجه، فمنظمة التحرير الفلسطينية لم تستخدم خطابًا معاديًا للسامية. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، طوَّرت الحركة الوطنية الفلسطينية خطابًا ديمقراطيًا يطرح حلولًا تشمل العرب واليهود في فلسطين. يُستثنى من ذلك الحركة الإسلامية، ولا سيّما حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في ميثاقها الأول (1988) الذي لم يميّز بين اليهود والصهيونية، ووردت فيه فقرات معادية لليهود، كما في خطاب حركات الإخوان المسلمين التي انبثقت منها حركة حماس. ولكنّ هذا الميثاق تغيّر جذريًا عام 2017، وحُذفت منه الإشارات إلى اليهود.

المقاربة الصهيونية لمعاداة السامية

رأت تيارات الصهيونية المختلفة أن إنشاء دولة قومية لليهود هو الحل لمسألة اليهود في أوروبا على غرار حلّ المسائل القومية الأخرى في القارة، ما يتطلّب تحوّل اليهود إلى شعب مثل بقية الشعوب، بحيث يعمل أفراده في الزراعة والصناعة ويتفاعلون مع طبيعة "بلادهم"، وينشؤون جيشًا ومؤسسات وطنية. عدّت الصهيونية المسألة اليهودية مسألة قومية لا مسألة دينية.

ومنذ البداية، استثارت الصهيونية معارضة اليهود الداعين للاندماج، الذين اتهموها بتهديد عملية الانعتاق الجارية في بعض البلدان، وكذلك اليساريين الذين دعوا إلى اندماج اليهود في الصراع الطبقي لإنشاء نظام من المساواة الاجتماعية يضمن زوال اللاسامية وغيرها من الظواهر. كما استدعت معارضة حادة من جانب القيادات الدينية التقليدية التي عارضت إعادة صياغة اليهودية وتحويلها من دين إلى قومية وعلمنتها، وعارضت فكرة إقامة دولة يهودية علمانية قبل قدوم المخلّص الذي يجمع الشتات ويقيم ملكوت الله على الأرض.

كان منظرو الصهيونية واثقين بأن لا البقاء في الغيتو ولا الاندماج يحلّان مشكلة اللاسامية، ولا يعالجان مشكلة الشتات ذات التداعيات على شخصية يهودي المنفي، تلك الشخصية التي أثارت نفورهم، وتشابه وصفهم لها بوصف كارهي اليهود؛ فلا بد من التشكّل قوميًا في وطن قومي لعلاج "المرضين": "مرض اللاسامية" و"مرض يهودي المنفى".

وقد راجت بالفعل في القرن التاسع عشر لدى مفكري الصهيونية الأوائل النزعة لاستخلاص تعميم من نوع "كراهية الشعوب لليهود عبر العصور"، ثم ربطه باللاسامية في عصرهم، والاستنتاج من هذا الربط أن اللاسامية "مرض" أبديّ لا فكاك منه لدى غير اليهود. نجد مثل هذه الفكرة حتى عند صهيونيين ليبراليين مثل لويس برندايس (1856–1941)، الذي كان أول يهودي يشغل منصب قاض (1916-1939) في المحكمة العليا للولايات المتحدة. فقد جاء في كلمة له بعنوان "المسألة اليهودية وكيفية حلّها" أمام مؤتمر مجلس الحاخامات الإصلاحيين الشرقيين، في 25 نيسان/ أبريل 1915، أن الانعتاق لم يحل مشكلة اللاسامية؛ إذ "نشأت حركة معاداة السامية في ألمانيا بعد عام من سريان حق الاقتراع العام، واحتدمت في فرنسا بالغةً ذروتها في قضية درايفوس بعد قرن من الثورة الفرنسية التي جلبت ’الانعتاق‘. كما وتجلّت في إنكلترا في قانون الأجانب، بعد إزالة آخر القيود المفروضة على اليهود بموجب القانون ببضع سنوات [...] إنه مرض كوني ومتوطّن"[112].

وللقناعة بأن كراهية اليهود قائمة في النفوس مثل مرض أو فيروس لا يمكن التخلّص منه جذورٌ في التقاليد اليهودية نفسها، كما في مصطلحات مثل إرث العماليق (The legacy of Amalek)، الشعب الذي تروي التوراة إبادته وتبررها، وفي مقولات مذكورة في التوراة (العهد القديم) مثل أن عِيسو بن إسحاق كره أخاه يعقوب (الذي يسمى أيضًا إسرائيل في التوراة، ويعَدُّ الجد الأول للشعب اليهودي)، من دون تفسير لهذا الكُره، بمعنى أنه مُتأصِّل في النفس[113]. وما زال العديد من اليهود يعودون إلى سِفر إستير الذي يفترض أنه ضُمَّ للتوراة حوالي عام 400 ق. م. والذي يحيي اليهود قصته في عيد البوريم (أو المساخر)، الذي يعرفه عرب شرقي القدس من خلال اعتداء المحتفلين عليهم وعلى أملاكهم في هذا اليوم.

ووفق الأسطورة، تآمر هامان، الوزير الأعلى في قصر الملك الفارسي أحشويروش، وأوغر صدره على اليهود في مملكته لقتلهم، ولكنّ إستير، بمساعدة عمّها مُردَخاي، أنقذت اليهود من خلال "علاقتها الخاصة" مع الملك. القصة أسطورة، وقد كُتبت بعد هذه المرحلة بوقتٍ طويل، لكنّ شخصية هامان تحوّلت في الثقافة العبرية الدارجة إلى نموذج الشخصية المعادية للسامية. ويُطلق اسمه على من يُعدّون "أعداء الشعب اليهودي" في كل زمان، بما فيه الحاضر. والحقيقة أن هامان، حتى وفق الرواية ذاتها في التوراة، لم يقتل أي يهودي، بل عمل على إقناع ملكه بفعل ذلك، ولكنّ ما حصل بحسب الرواية التوراتية هو أن اليهود قتلوه انتقامًا. وكما جاء في الكتاب، كان هامان ناقمًا من مُردخاي فحسب، وليس من اليهود، لكنّ الانتقام يكون جماعيًا وفقًا لعقلية ذلك الزمان. وكما كتب أبراهام ملتسر: "أخبرنا سفر إستير، إن أي شيء من ذلك لم يحدث، بل على العكس، قام اليهود الناجون بمذبحة بحق الشعب المتبقي وثأروا بمجزرة بحق الآلاف من الناس الأبرياء. الكتاب المقدّس يخبرنا عن 75,000 قتيل"[114]، وجاء في سفر إستير: "وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَشَرَ، أَيْ شَهْرِ أَذَارَ، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْهُ، حِينَ قَرُبَ كَلاَمُ الْمَلِكِ وَأَمْرُهُ مِنَ الإِجْرَاءِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي انْتَظَرَ فِيهِ أَعْدَاءُ الْيَهُودِ أَنْ يَتَسَلَّطُوا عَلَيْهِمْ، فَتَحَوَّلَ ذلِكَ، حَتَّى إِنَّ الْيَهُودَ تَسَلَّطُوا عَلَى مُبْغِضِيهِمِ. اجْتَمَعَ الْيَهُودُ فِي مُدُنِهِمْ فِي كُلِّ بِلاَدِ الْمَلِكِ أَحَشْوِيرُوشَ لِيَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى طَالِبِي أَذِيَّتِهِمْ، فَلَمْ يَقِفْ أَحَدٌ قُدَّامَهُمْ لأَنَّ رُعْبَهُمْ سَقَطَ عَلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ. وكُلُّ رُؤَسَاءِ الْبُلْدَانِ وَالْمَرَازِبَةُ وَالْوُلاَةُ وَعُمَّالُ الْمَلِكِ سَاعَدُوا الْيَهُودَ، لأَنَّ رُعْبَ مُرْدَخَايَ سَقَطَ عَلَيْهِمْ. فَضَرَبَ الْيَهُودُ جَمِيعَ أَعْدَائِهِمْ ضَرْبَةَ سَيْفٍ وَقَتْل وَهَلاَكٍ، وَعَمِلُوا بِمُبْغِضِيهِمْ مَا أَرَادُوا" (سفر إستير، الأصحاح 9: 1–5)[115]. هذه الفقرة تدخل أيضًا ضمن الأسطورة، ولكنّ المغزى هو استخدام قصّة لا يوجد فيها عداء للسامية ولا ذبح لليهود، بل مذبحة ارتكبها اليهود أنفسهم، ضمن سردية "جميعهم يكروهننا" و"العالم كله ضدنا" عبر التاريخ.

وقد ورثت الحركة الصهيونية فكرة كراهية اليهود الأبدية وحوّلتها إلى تفسير للاسامية بوصفه مرضًا أبديًا لا شفاء منه. وعبّر عن هذا الموقف المفكرون والقادة الأوائل للصهيونية، مثل ليو بينسكر، وموشيه لايب ليلينبلوم (Moshe Leib Lilienblum، 1843–1910)، وناحوم سوكولوڤ (Nahum Sokolow، 1859–1936).

ومنذ ما قبل نشوء الحركة الصهيونية، اعتقد موزِس هِس أن هناك صراعين أساسيين في تاريخ المجتمعات، وهما الطبقي والعرقي، ولا بد من حلّ الصراع العرقي من خلال النهضة القومية اليهودية قبل حلّ الصراع الطبقي. وكان مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، ثيودور هرتسل، يدرك أن الدافع الرئيس لانضمام اليهود، بمن فيهم هو نفسه، إلى الصهيونية، بمعنى قومنة هويتهم اليهودية، هو موجات العداء للسامية، فكتب: "اتفقنا أنا ونوردو على [...] أن معاداة السامية وحدها هي التي حوّلتنا إلى يهود"[116]. كان ذلك تصريحًا واضحًا بأن الصهيونية بدأت بوصفها ردة فعل على معاداة السامية.

وخلافًا للاشتراكيين والليبراليين الاندماجيين، رفض هرتسل، في كتابه دولة اليهود (Der Judenstaat, 1896)، تصنيف المسألة اليهودية مسألةً اجتماعية أو دينية أو قانونية، مصرًّا على كونها مسألةً قوميةً، ومن ثم يُفترَض أن يكون حلّها قوميًا[117]. وقد شهد هرتسل بنفسه موجات هجرة اليهود من أوروبا الشرقية إلى الغربية، ووصف تعاستهم في كتابه هذا، مدركًا أن هذه الهجرة تهدد اليهود المندمجين في أوروبا الغربية، لأنها تثير قضية اليهود من جديد. وأضاف: "إن جميع الأمم التي يعيش اليهود في وسطها معادية للسامية، إما علنًا أو خفية"[118]. ولكن هرتسل، خلافًا لغيره من منظّري الصهيونية، لم يساوِ بين أسباب كراهية اليهود في الماضي وأسباب معاداة السامية، إذ كتب: "يجب ألّا نخلط بين معاداة السامية في الوقت الحاضر، والكراهية الدينية لليهود في الأزمنة السابقة، علمًا أن كراهية اليهود هذه لا تزال تحمل طابعًا دينيًا في بعض البلدان"[119]. وقد شخّص مصدر موجة اللاسامية في عصره، أي في القرن التاسع عشر، في الردّ على انعتاق اليهود الذي حصل في رأيه بعد فوات الأوان، أي بعد نشوء البرجوازيات المحلية التي تنافس اليهود، والحركات المعادية للسامية، أو بعد نشوء القومية الإثنية التي لا تقبلهم فيها.

تبنّى الطبيب والكاتب ماكس نوردو، الرجل الثاني في المنظمة الصهيونية بعد هرتسل، وخليفته في رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية، مقولات ليو بينسكر بشأن رهاب اليهود (Judophobie)، بوصفه نوعًا من الذهان المتوارث وغير القابل للشفاء[120]. واعتبر نوردو أن المرض لا يقتصر على اللاسامية، بل ثمّة مرض يُعانيه شعب إسرائيل أيضًا، جسديًا وثقافيًا وأخلاقيًا، وهو ناجم عن العيش الطويل في أحياء الفقر في المدن[121]. وفي مقال آخر له بعنوان "يهودية العضلات" من عام 1900، حذّر من تمثُّل اليهود فعلًا أفكار المعادين للسامية حول الجسد اليهودي الضعيف والواهن المفتقر للياقة البدنية، المنحني والملتوي، وغير ذلك من الأوصاف التي يظهر عليها في الرسوم الكاريكاتيرية المعادية للسامية داعيًا إلى الردّ بالعناية بالجسد والرياضة والخدمة العسكرية[122].

وفي عام 1899، نشر نوردو مقالًا بعنوان "الصهيونية ومعاداة السامية"، في صحيفة فرنسية، يرد فيها على رئيس تحرير الصحيفة الذي تبنّى موفقًا تنويريًا ديمقراطيًا وكتب مقالًا اعتبر فيه أن الصهيونية ذاتها هي شرك نصبته معاداة السامية، فهي تُحقق ما يريده المعادون للسامية، أي خروج اليهود من أوروبا. وردّ نوردو متراجعًا، خشية أن تُعَد الصهيونية خطرًا على يهود أوروبا الغربية الذين تطلّعت الصهيونية إلى دعمهم السياسي والمالي، بأن الصهيونية لا تطلب من أي يهودي يتمتع بوطن حقيقي فعلي أن يهجره، لكنه من غير المعقول الطلب من اليهود انتظار المساواة في شرق أوروبا؛ فهو يرفض أن يُطلَب من اليهود في أوروبا الشرقية مواجهة 130 مليونًا من الروس، و5 ملايين من الرومانيين، و7 ملايين من البولنديين في غاليسيا[123].

ومن المفيد هنا إيراد مقاربة بير بوروخوف (1881-1917) التي تجمع بين الماركسية واليسارية العمالية الصهيونية لصعود اللاسامية في روسيا بقوة في تلك المرحلة. قدّم بوروخوف مقاربة مختلفة عن المقاربات الماركسية المعروفة منذ ماركس للعداء للسامية، وكذلك عن المقاربات الصهيونية الأخرى. فكتب يقول إنه في بعض المجتمعات الزراعية المتخلّفة، يُتاح للأقليات أداء أدوارٍ لا تأدّيها الأغلبية، مثل التجارة والإقراض وبعض المهن الحرة، ولكن مع التحديث وتطوّر الرأسمالية وانتشار التعليم وتغير المواقف من التجارة والأعمال المالية، يتمكّن المحلّيون المنتمون إلى القومية الإثنية التي تبلورت في هذه الأثناء من الاشتغال بالوظائف التي شغلها "الآخرون" في الماضي، وينشأ الخطر أن تتخذ المنافسة شكلًا عنصريًا. وهذا ما حصل حين أصبح أبناء الفلاحين وغيرهم من الرّوس المحلّيين، ومن القوميات الإثنية الأخرى في شرق أوروبا، قادرين على العمل في مجالات التجارة والقطاع المالي والمهن الحرة، فاستعر التنافس مع من يُشغِلها من اليهود، واتّخذ هذا التنافس شكلًا عنصريًا. لذلك، كانت البرجوازية الصغيرة اليهودية الأكثر ميلًا لتبنّي الصهيونية في تلك الفترة من التنافس والإقصاء لليهود. أما البرجوازية اليهودية الكبيرة، فلم تكترث لهذا التنافس، ولم تتبنَّ الصهيونية بدايةً[124].

وجاءت الكارثة التي حلّت بيهود أوروبا، التي تلت صعود النازية إلى الحكم في بلد كان فيه اليهود مندمجين تمامًا، وكأنها مصداق لتحليل الصهيونية للعداء للسامية. وأصبح هذا التاريخ حجة رئيسة في تبرير الحاجة إلى الدولة اليهودية. وما زالت هذه المواقف عمليًا هي السائدة في الحركة الصهيونية وفي إسرائيل. ولكن مفهوم العداء للسامية توسّع في إسرائيل، ليصبح في الحقيقة أداة سياسية يُتّهم بها كل ناقد لسياساتها، ولا سيّما بعد أن أصبحت اللاسامية منبوذة دوليًا.

غيّر قيام إسرائيل الخطاب الصهيوني في مسألة اللاسامية جذريًا، ففيما عدا التمسّك بفكرة كراهية الشعوب لليهود، كان على إسرائيل أن تعمل لإيجاد علاقات حسنة مع دول العالم، وأن تجد مقبولية واعترافًا حتى في العالم العربي. ولهذا الغرض، ومع أنها ادّعت تمثيل يهود العالم بما يتناقض في حالات عديدة مع مواطنتهم، فإن "محبة إسرائيل" اكتسبت لديها أولوية على كراهية اليهود. وأصبح الموقف من إسرائيل هو مقياس اللاسامية عند الصهيونية الحاكمة. وساد استخدام تهمة اللاسامية أداتيًا في سياق الصراع مع الفلسطينيين، وفي سياق شيطنة مواقف المعارضين لسياساتها في كل مكان.

جدل تعريفات اللاسامية وعلاقتها بمعاداة الصهيونية وإسرائيل

قرّرت الهيئة العامة للتحالف الدولي لإحياء ذكرى محرقة اليهود (The International Holocaust Remembrance Alliance - IHRA) في جلستها المنعقدة يوم 26 أيار/ مايو 2016، في العاصمة الرومانية بوخارست، اعتماد "تعريف عملي" لمعاداة السامية، وهذا نصّه[125]:

"معاداة السامية هي تصوّر معيّن إزاء اليهود يعبر عن كراهية لهم. وتُوجّه التمثّلات الكلامية والمادية لمعاداة السامية إلى الأفراد اليهود، أو غير اليهود، أو ممتلكاتهم، أو كلاهما معًا، ونحو مؤسّسات المجتمعات المحلية اليهودية ومرافقها الدينية". حتى هنا يُعدّ التعريف مقبولًا عالميًا، ولا يتجاوز الفهم الرائج لمعاداة السامية. ولكنه يتضمّن عناصر تسهيل توجيه تهمة اللاسامية؛ فاللاسامية ليست كراهية أي يهود، أفرادًا وجماعات، بل كراهية اليهود لكونهم يهودًا، وهي تشمل العداء لمؤسسات يهودية لكونها يهودية، ونسب صفات سلبية لهم مطبوعة فيهم. أي إن من يعادي مؤسسة يهودية، أو فردًا أو جماعة يهودية، لأسباب لا علاقة لها بهويتهم أو أصولهم، أو حتى بسبب معتقدهم اليهودي، سواء أكان مصيبًا أم مخطئًا في موقفه، لا يُعدّ معاديًا للسامية. وإذا عُدّ كذلك، لا يكون المصطلح محدَّدًا، وما ليس محدَّدًا لا يمكنه أن يكون محدِّدًا، أي مفيدًا، بوصفه تعريفًا.

لكنّ التحالف لم يكتفِ بذلك، بل أضاف بتأثير من نشطاء صهيونيين أمثلة توضيحية في قسم (ب) من التعريف، وتضمّن قائمة بأحد عشر مثالًا، وهي بمنزلة توجيهات وإرشادات تساعد في تشخيص اللاسامية من أجل مكافحتها. سبعة من هذه الأمثلة تتعلّق بنقد إسرائيل، ومنها:

  • وصف المشروع الإسرائيلي بأنه جهد عنصري (racist endeavor).
  • التوقع من إسرائيل ما لا يُتوقَّع من الدول الأخرى، أي إن الطلب من إسرائيل أن تلتزم بمعايير لا يُطلب من دول أخرى الالتزام بها، وسُمّي ذلك في التعريف بازدواجية معايير (double standards).
  • إثارة مسألة الولاء المزدوج (double loyalty) لليهود، أي أن يُتهم اليهودي أو المؤسسة اليهودية بالولاء المزدوج (لدولته ولإسرائيل)، مع أن العديد من المؤسسات الصهيونية في الدول الأوروبية وأميركا لا تحرج من التصريح علنا بولائها لإسرائيل. ومن الجدير ذكره في هذا السياق أنه ضمن الأسئلة التي وجهتها لجنة من لجان الكونغرس إلى جامعة كولومبيا (Columbia University) إبّان المظاهرات التي شهدتها الجامعة ضدّ الحرب الإسرائيلية على غزة خلال عام 2024، ورد سؤال بشأن إتاحة نقد اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة "الإيباك" في الحرم الجامعي، إذ يُشتمّ من هذا النقد اتهام لـ "الإيباك" بالولاء المزدوج، ما يُعَدّ معاداة للسامية من منظور النشطاء الصهاينة ومؤيديهم في الكونغرس.

    حذف الصورة؟

    سيؤدي هذا إلى نقل الصورة إلى سلة المهملات.

وقد تبنّت وزارة الخارجية الأميركية هذا التعريف ونشرته على موقعها الإلكتروني[126]. وسبق أيضًا أن صرح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، أن العداء للصهيونية هو أحد أشكال معاداة السامية[127]. في المقابل، اجتمع في القدس باحثون متخصصون في تاريخ اللاسامية والهولوكوست من عدة دول وأصدروا إعلان القدس حول اللاسامية (The Jerusalem Declaration on Antisemitism- JDA)[128]، يتضمن تعريفًا للسامية، ونقدًا للتعريف الذي جاء به التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA) بوصفه فضفاضًا ويخلط بين نقد إسرائيل واللاسامية. كما يتضمن الإعلان تصريحًا بأن النضال ضدّ اللاسامية هو جزء من النضال ضدّ أشكال التمييز العنصري والإثني والثقافي والديني والجنساني (الجندري) كافة. وعرّف إعلان القدس اللاسامية كما يلي: "معاداة السامية هي التمييز ضدّ اليهود، أو تبنّي الصور النمطية عنهم، أو العداء لهم، أو ممارسة العنف ضدهم لمجرد كونهم يهودًا (أو ضد المؤسّسات اليهودية لمجرّد كونها يهودية)". كما عدّد الإعلان بعض العناصر المميزة للاسامية والادعاءات الرائجة ضدّ اليهود بوصفهم يهودًا: "ما يميّز معاداة السامية التقليدية هو ربط اليهود بقوى الشر". وتشتقّ من ذلك أفكار "المؤامرة اليهودية"، و"الحكومة اليهودية الخفية" التي تحكم العالم، وأن اليهود يسيطرون على البنوك والإعلام، وأن اليهود أثرياء، أو بخلاء، أو يطعنون في الظهر. ويدخل إنكار المحرقة بموجب هذا الإعلان ضمن معاداة السامية.

ولا يعدُّ الإعلان نقدَ إسرائيل لكونها استعمارًا استيطانيًا، أو نظام احتلال وفصل عنصري (أبارتهايد)، معاداة للسامية، بل إن ما يُعَد لاساميةً بموجب تعريفه هو نقد إسرائيل لكونها يهودية، أو تحميل اليهود مسؤولية أفعالها، أو اتهام أي يهودي بالولاء لها لمجرد كونه يهوديًا.

كانت هذه أمورًا مفروغًا منها في عُرف الباحثين قبل أن تتصدى الدعاية الإسرائيلية، ومن تساوق معها من السياسيين في الغرب، لحركات التضامن مع فلسطين بإلصاق شبهة اللاسامية بمعارضي ممارسات الاحتلال الاسرائيلي، فضلًا عن تعريف مشروعها بأنه استعمار استيطاني. وسبق أن أكّد المؤرخ برنارد لويس، الذي عُرف بتعاطفه مع الصهيونية وإسرائيل، على أنه في غياب أدلة على دوافع أخرى، ليس من المعقول أو من العدل اعتبار أن نقد الصهيونية ونقد إسرائيل معاداة للسامية. وفي المقابل، ومع أنه ينبغي التمييز بين العداء لإسرائيل والعداء للصهيونية والعداء لليهودية، فإن الثلاثة عِداءات تختلط في ظروف معينة. والعنصرية الوحيدة التي يُعدّها لويس شبيهة باللاسامية هي العنصرية ضدّ السُّود في الولايات المتحدة، والعداء ضدّ السُّود من جانب جيرانهم البيض في جنوب أفريقيا أيضًا. ومن تجليات هذا النوع من العنصرية مشاعر الكراهية العنيفة والعميقة والاشمئزاز والنفور الجسدي من الاختلاط معهم أيضًا[129].

وفق تقرير صدر عام 2003 عن المركز الأوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب (European Monitoring Centre on Racism and Xenophobia - EUMC)[130]، أُعِد بتكليف من جامعة برلين التقنية (Technische Universität Berlin)، فإن اليساريين المؤيدين لفلسطين ونشطاء ضدّ العولمة، مثل الإسلاميين، أصبحوا مصدر اللاسامية في أوروبا. لكنّ المنظمة ذاتها، ومقرّها في فيينا، لم تقبل بهذا التقرير، وعدّته غير مسؤول، إذ يُدين جاليات بأكملها، ووعدت بتصحيحه. وفي تقرير عام 2004، وصرحت أنه لا مجال للحديث عن اللاسامية في حالة نقد إسرائيل، إلّا إذا كان منطلق النقد أو سببه كونها يهودية، وفي غير تلك الحالة، فإن نقد إسرائيل شرعي ولا يُعدّ معاديًا للسامية. وأضاف التقرير أن أغلبية حالات اللاسامية في الفترة ما بعد عام 2002، كانت من فعل شباب أوروبيين بيض. وقد ردّ المؤتمر اليهودي العالمي بأن هذا التعديل هو من باب تجميل الصورة ومحاولة إرضاء المسلمين والأقليات بلغة الصواب السياسي (Political correctness)[131].

رأى الكاتب النمساوي اليهودي، ماتي بُنتسِل، أن اللاسامية الحديثة لم تَعُد خطرًا حقيقيًا على اليهود في أوروبا، ويسمّيها اللاسامية "الكلاسيكية"، وأن الردّ الصحيح على اللاسامية في أوروبا نهاية القرن العشرين هو الرقابة على سائر العنصريات. وفي المقابل، تلحّ المنظمات الصهيونية على حصرية الاهتمام باللاسامية، وهي تعتبر أن الاهتمام بالعنصريات المختلفة إهمالٌ للاسامية. وفقًا لبُنتسِل، فإن ادعاء إسرائيل أن العداء للصهيونية هو مجرد استمرار للاسامية القديمة هو ادعاء خاطئ؛ فاليسار الأوروبي يشمل عناصر معادية للصهيونية، ولكن لديه موقف حازم من العداء للسامية[132]ـ

ويأتي بُنتسِل بأمثلة مهمة عن حركات أوروبية معادية للسامية غيّرت موقفها من اليهود، ولكنها ظلّت "لاسامية" بالمعنى الجديد للاسامية، أي العنصرية ضدّ المهاجرين، وتحديدًا المسلمين في أوروبا. في عام 1995، غَيّر حزب الحرية النمساوي بقيادة يورغ هايدر (Jörg Haider، 1950-2008) موقفه السلبي من اليهود، وتراجع عن إنكاره الهولوكوست مع انضمام النمسا إلى أوروبا، وبدأ يوظّف يهودًا متفرغين في الحزب. وعندما انضم إلى الحكومة عام 2000، أصبح مستعدًا لتوقيع بيان يستنكر فيه جرائم النازية خلال الحرب، ليظل هذا الحزب اليميني الشعبوي متميّزًا في عدائه للهجرة والمهاجرين.

وينطبق الأمر نفسه على حزب الجبهة القومية (التجمع الوطني) في فرنسا بقيادة جان ماري لوبان (Jean-Marie Le Pen)، الذي أسسه عام 1972، مواصلًا التقليد القومي الإقصائي الذي يميل شعبويًا إلى توحيد جميع طبقات الفرنسيين ضدّ "الآخر"، "الغريب". ودافعت الجبهة بقيادته عن نظام ڤيشي الذي كان عميلًا للاحتلال النازي في فرنسا. أما تعليقاته الساخرة على الهولوكوست، فقد أثارت غضبًا شديدًا، ولا سيّما كلامه عام 1987 أن لا أحد رأى غرف الغاز، والموضوع برمّته لم يُدرس فعلًا، أي إنه شكك فعلًا بوجودها. ولكنّ هذا كله لم يمنعه من إبداء الإعجاب بإسرائيل. وما لبثت نبرة لوبان أن تغيّرت، فأنكر عداءه للسامية منذ عام 2000، وشملت قائمته البرلمانية مرشحة يهودية، معتبرًا ذلك دليلًا على أنه غير معادٍ للسامية[133]. وعندما تولت ابنته مارين لوبان (Marine Le Pen) قيادة الحزب، غيرت هذه الصورة تمامًا، ففصلت والدها من الحزب الذي أصبح يتهم الآخرين بمعاداة السامية، ويركز اهتمامه على مناهضة الإسلام والمسلمين في فرنسا.

وعمومًا، تشهد أوروبا والولايات المتحدة انتقالًا سهلًا في مواقف تيارات يمينية متطرفة من معاداة اليهود إلى معاداة المسلمين، ورغبة من الأحزاب اليمينية الأوروبية، وأيضًا من الحركة الصهيونية، في إشراك اليهود في التصدي "للتحدي الرئيس" الذي يواجه القارة الأوروبية من منظور هذه الأحزابأ، وهو الهجرة الوافدة، وخصوصًا هجرة المسلمين. أما في الولايات المتحدة، فتبرز ظاهرة الدعم المطلق لإسرائيل من جانب اليمين في الحزب الجمهوري، الذي شكّل في الماضي مظلّة شملت أيضًا قوى معادية للسامية، في حين كان الديمقراطيون أكثر دعمًا لإسرائيل من الجمهوريين في السابق.

كانت هناك دائمًا قوى أوروبية معادية للسامية ومؤيدة لمشروع الصهيونية بإقامة دولة يهودية خارج أوروبا. وكانت هناك قوى يسارية وليبرالية أوروبية مناهضة للاسامية، وبينها تيارات يهودية معادية للصهيونية، لأن الأخيرة تهدد اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية وتحتل أرض شعب آخر. وتوجد قوى أوروبية يسارية وديمقراطية مناهضة لإسرائيل (وحتى لإقامة دولة يهودية)، وتدعو لمساواة اليهود بغيرهم في أوروبا وفي فلسطين[134].

لا يوجد أساس لافتراض التطابق بين العداء للصهيونية والعداء للسامية. صحيح أنه لا يمكن ضمان أن دوافع المعادين للصهيونية جميعًا تخلو من معاداة اليهود، إذ قد يقع تداخل بين الأمرين في دوافع البعض وفي ثقافتهم وخطابهم، ولكن لا تستقيم المطابقة بينهما، وهو ما تقترفه الدعاية الصهيونية بالترديد أن العداء لدولة اليهود حلّ محل العداء لليهود، كما ورد في خطاب رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، يوم 24 تموز/ يوليو 2024، في واشنطن أمام الكونغرس[135]؛ إذ إن للصراع مع إسرائيل أسباب لا علاقة لها بالهوية اليهودية لأغلبية سكانها.

وأخيرًا، يُضاف إلى ذلك أنه كانت هناك دائمًا قوى دينية يهودية مناهضة للصهيونية (ما زال بعضها قائمًا) لأنها غيّرت تعريف اليهودية من دين إلى قومية علمانية، ولأنها تسعى لإقامة دولة يهودية علمانية تقطع الطريق أمام الخلاص الإلهي. وثمّة قوى دينية في إسرائيل نفسها تتهم التيارات الصهيونية العلمانية باللاسامية لعدائها الشديد لممارسات الطوائف الدينية "الحريدية".

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمةابن خلدون. ضبط خليل شحادة. مراجعة سهيل زكار. ج 1. بيروت: دار الفكر، 2010.

أتالي، جاك. كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة. ترجمة محمد صبح. دمشق: دار كنعان، 2017.

الأشقر، جلبير. العرب والمحرقة النازية: حرب المرويات العربية – الإسرائيلية. ترجمة بشير السباعي. لندن: دار الساقي، 2010.

بشارة، عزمي. "أصحيح أن معاداة الصهيونية هي أحد الأشكال الحديثة لمعاداة السامية؟ معاداة الصهيونية باعتبارها ظاهرة يهودية". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 28/2/2019. شوهد في 12/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BP5P

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.

الدوري، عبد العزيز. تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري. ط 4. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.

زند، شلومو. عرق متوهم: تاريخ موجز لكراهية اليهود. ترجمة يحيى عبد الله وأميرة عمارة. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2024.

ملتسر، أبراهام. صنع معاداة السامية، أو تحريم نقد إسرائيل. ترجمة سميّة خضر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.

"الملحق الرابع: تعريف عملي لمعاداة السامية اعتمده التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست". في: منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. التصدّي لمعاداة السامية عن طريق التعليم: مبادئ توجيهية لواضعي السياسات. باريس: منظمة اليونسكو؛ وارسو: منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، 2019. شوهد في 12/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPoV

نويمان، فرانز ليوبولد. البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارساتها، 1933–1944. ترجمة حسني زينة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

هاليفي، إيلان. رهاب الإسلام ورهاب اليهودية: الصورة في المرآة. ترجمة سناء الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

الأجنبية

Adang, Camila. Muslim writers on Judaism and the Hebrew Bible: from Ibn Rabban to Ibn Hazm. New York: E.J. Brill, 1996.

Arendt, Hannah. Antisemitism: Part One of the Origins of Totalitarianism. San Diego/ New York/ London: Harcourt Brace & Company, 1968.

Beller, Steven. Antisemitism: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2015.

Bethencourt, Francisco. Racisms: from the Crusades to the Twentieth Century. Princeton: Princeton University Press, 2013.

Borochov, Dov Ber. Class Struggle and the Jewish Nation: Selected Essays in Marxist Zionism. Mitchell Cohen (ed.). New Brunswick, N.J.: Transaction Books, 1984.

Brandeis, Louis D. The Jewish Problem: How to Solve It. Zionist Essays, no. 1. New York: The Zionist Essays Publication Committee, 1915. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPA3

Bunzl, Matti. Anti-Semitism and Islamophobia: Hatreds Old and New in Europe. Chicago: Prickly Paradigm Press, 2007.

Chazan, Robert. Medieval Jewry in Northern France: A Political and Social History. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1973.

Cohn, Norman. Warrant for Genocide: The Myth of the Jewish World Conspiracy and the Protocols of the Elders of Zion. London: Eyre & Spottiswoode, 1967.

Commager, Henry Steele & Elmo Giordanetti. Was America a Mistake? An Eighteenth-Century Controversy. New York: Harper & Row, 1967.

Davies, Alan. Infected Christianity: A Study of Modern Racism (Montreal: McGill-Queen's University Press, 1988).

“Defining Antisemitism.” U.S. Department of State. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPKz

“Der Berliner Antisemitismusstreit.” Lebenfiges Museum Online (Lemo). at: https://acr.ps/1L9BOTV

European Monitoring Centre on Racism and Xenophobia. “Manifestations of Antisemitism in the EU 2002-2003.” accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPuv

Figueira, Dorothy Matilda. Aryans, Jews, Brahmins: Theorizing Authority Through Myths of Identity. Albany: State University of New York Press, 2002.

Friede, Juan & Benjamin Keen (eds.). Bartolomé de las Casas in History: Toward an Understanding of the Man and his Work. DeKalb, IL: Northern Illinois University Press, 1971.

Golb, Norman. Les Juifs de Rouen au Moyen Âge. Portrait d'une culture oubliée. Rouen: Publications de l'université de Rouen, 1985.

Golb, Norman. The Jews in Medieval Normandy: A Social and Intellectual History. New York: Cambridge University Press, 1998.

Haim, Sylvia G. “Aspects of Jewish Life in Baghdad under the Monarchy.” Middle Eastern Studies. vol. 12, no. 2 (May 1976).

Herzl, Theodor. A Jewish State: An Attempt at a Modern Solution of the Jewish Question. 3rd ed. New York: Federation of American Zionists, 1917.

Herzl, Theodor. The Complete Diaries of Theodor Herzl, Raphael Patai (ed.). Harry Zohn (trans.). vol. 1. New York/ London: Herzl Press and Thomas Yoseloff, 1960.

Jordan, William C. The French Monarchy and the Jews: from Philip Augustus to the Last Capetians. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1989.

Katz, Jacob. Exclusiveness and Tolerance: Studies in Jewish-Gentile Relations in Medieval and Modern Times. London: Oxford University Press, 1961.

Katz, Jacob. From Prejudice to Destruction: Anti-Semitism 1700-1933. Cambridge. Mass.: Harvard University Press, 1980.

Laqueur, Walter. The Changing Face of Anti-Semitism: From Ancient Times to the Present Day. New York: Oxford University Press, 2006.

Lewis, Bernard. Semites & Anti-Semites: An Inquiry into Conflict and Prejudice. New York and London: W. W. Norton & Company, 1986.

Lindemann, Albert S. & Richard S. Levy (eds.). Antisemitism: A History. Oxford: Oxford University Press, 2010.

Linnaeus, Carl. A General System of Nature. Leiden: Theodor Haak, 1735. accessed on 24/11/2024, at: https://archive.org/details/generalsystemofn41806linn/page/n1/mode/2up

Marx Engels Werke. vol. 1. Berlin: Dietz Verlag, 1988.

Marx Engels Werke. vol. 22. Berlin: Dietz Verlag, 1977.

Marx Engels Werke. vol. 30. Berlin: Dietz Verlag, 1990.

Meyer, Michael (ed.). German-Jewish History in Modern Times. vol. 2.:Emancipation and Acculturation, 1780-1871. New York: Columbia University Press, 1997.

Montesquieu, Charles de Secondat. The Spirit of the Laws. Anne M. Cohler, Basia C. Miller & Harold Stone (eds.). Cambridge Texts in the History of Political Thought. New York: Cambridge University Press, 2011.

Moore, Robert. I. The Formation of a Persecuting Society: Authority and Deviance in Western Europe 950 – 1250. 2nd ed. Oxford: Basil Blackwell, 2007.

Muller, Jerry Z. Capitalism and the Jews. Princeton: Princeton University Press, 2010.

Mundy, John H. Europe in the High Middle Ages: 1150-1300. New York: Longman, 1973.

Nietzsche, Friedrich. Human, All Too Human: A Book of Free Spirits, Part 1. Helen Zimmern (trans.). Edinburgh; London: Morrison & Gibb Limited, 1909.

Nordau, Max simon, Max Nordau's Zionistische Schriften. Köln: Köln und Leipzig; Jüdischer Verlag, 1909. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPwe

Olender, Maurice, The Languages of Paradise: Race, Religion, and Philology in the Nineteenth Century. Arthur Goldhammer (trans.). Cambridge: Harvard University Press, 2008.

Pocock, John Greville A. Barbarism and Religion, vol. 2: Narratives of Civil Government. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.

Poliakov, Leon. The History of Anti-Semitism: From Mohammed to the Marranos. Natalie Gerardi (trans.). vol. 2. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003.

Poliakov, Leon. The History of Anti-Semitism: From the Time of Christ to the Court Jews. Richard Howard (trans.). vol. 1. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003.

Popkin, Richard H. Isaac La Peyrère (1596-1676): His Life, Work, and Influence. Brill’s Studies in Intellectual History, vol. 1. Leiden; New York: Brill, 1987.

Popkin, Richard H. The High Road to Pyrrhonism. Richard A. Watson & James E. Force (eds.). Indianapolis: Hackett Publishing Company, 1993.

Shlaim, Avi. Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew. London: OneWorld, 2023.

Signer, Michael & John Van Engen (eds.). Jews and Christians in Twelfth Century Europe. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2001.

Spinoza, Baruch. Theologico-Political Treatise. Jonathan Israel (ed.). Michael Silverthorne & Jonathan Israel (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 2007.

“The Jerusalem Declaration on Antisemitism.” JDA. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPEs

The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO) and The Organization for Security and Co-operation in Europe (OSCE). Addressing Anti-Semitism through Education: Guidelines for Policymakers. Paris: UNESCO; Warsaw: OSCE, 2018. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPMX

Todorov, Tzvetan. The Conquest of America and the Question of the Other. Richard Howard (trans.). New York: Harper & Row, 1984.

Trachtenberg, Joshua. The Devil and the Jews: The Medieval Conception of the Jew and its Relation to Modern Antisemitism. New Haven, CT: Yale University Press, 1943.

Voltaire. Philosophical Dictionary. Theodore Besterman (ed. & trans.). London: Penguin, 1972.

Wagner, Henry Raup & Helen Rand Parish. The Life and Writings of Bartolome de las Casas. Albuquerque: University of New Mexico Press, 1967.

“We’re protecting you: Full text of Netanyahu’s address to Congress.” Times of Israel. 25/7/2024. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPOh

Wistrich, Robert S. Antisemitism: The Longest Hatred. New York: Schocken Books, 1991.

Zionist Congress Basel, Stenographisches Protokoll der Verhandlungen Des II. Zionisten-Congresses, vom 28 bis 31 August 1898. Wien: Buchdruckerei "Industrie" — Verlag des Vereines "Erez Israel", 1898. accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPP7

[1] Hannah Arendt, Antisemitism: Part One of the Origins of Totalitarianism (San Diego/ New York/ London: Harcourt Brace & Company, 1968), p. x.

[2] Robert I. Moore, The Formation of a Persecuting Society: Authority and Deviance in Western Europe 950 – 1250, 2nd ed. (Oxford: Basil Blackwell, 2007), pp. 76-79.

[3] Jerry Z. Muller, Capitalism and the Jews (Princeton: Princeton University Press, 2010), p. 15.

[4] Ibid., p. 177.

يُنظر أيضًا:

 Michael Signer & John Van Engen (eds.), Jews and Christians in Twelfth Century Europe (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2001); Norman Golb, Les Juifs de Rouen au Moyen Âge. Portrait d'une culture oubliée (Rouen: Publications de l'université de Rouen, 1985); Norman Golb, The Jews in Medieval Normandy: A Social and Intellectual History (New York: Cambridge University Press, 1998); Robert Chazan, Medieval Jewry in Northern France: A Political and Social History (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1973); William C. Jordan, The French Monarchy and the Jews: from Philip Augustus to the Last Capetians (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1989).

[5] Moore, pp. 29-30.

[6] Robert S. Wistrich, Antisemitism: The Longest Hatred (New York: Schocken Books, 1991), p. 101.

[7] Moore, p. 28.

[8] Ibid., p. 30, 37, 40.

[9] Ibid., p. 81.

[10] Arendt, pp. viii-ix. يُنظر أيضًا:

Jacob Katz, Exclusiveness and Tolerance: Studies in Jewish-Gentile Relations in Medieval and Modern Times (London: Oxford University Press, 1961), p. 196.

[11] شلومو زند، عرق متوهّم: تاريخ موجز لكراهية اليهود، ترجمة يحيى عبد الله وأميرة عمارة (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2024)، ص 32.

[12] Moore, p. 34.

[13] Ibid., p. 35; Joshua Trachtenberg, The Devil and the Jews: The Medieval Conception of the Jew and its Relation to Modern Antisemitism (New Haven, CT: Yale University Press, 1943), p. 125.

[14] Moore, pp. 130-146.

[15] زند، ص 58–60.

[16] John H. Mundy, Europe in the High Middle Ages: 1150-1300 (New York: Longman, 1973), p. 91.

[17] Walter Laqueur, The Changing Face of Anti-Semitism: From Ancient Times to the Present Day (New York: Oxford University Press, 2006), p. 36.

[18] Leon Poliakov, The History of Anti-Semitism: From Mohammed to the Marranos, Natalie Gerardi (trans.), vol. 2 (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003), p. xii.

[19] Leon Poliakov, The History of Anti-Semitism: From the Time of Christ to the Court Jews, Richard Howard (trans.), vol. 1 (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003), p. vii.

[20] عبد العزيز الدوري، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 198.

[21] وردت مفردة الجِهبذ في تاج العروس للزبيدي بمعنى: "النقّاد الخبير بغوامض الأمور، البارع العارف بطرق النقد"، ويعرّفه الفيروز آبادي في القاموس المحيط "النقّاد الخبير". وقد ترجمها آدم متز إلى صاحب مصرف (Banker)، كما ترجمها لويس ماسينيون بالمعنى نفسه إلى: Banquier. أما رينهارت دوزي فتجرمها إلى ناقد (Verificateur)، أو صرّاف (Changeur). لمقارنة معنى جِهبذ وترجماتها، يُنظر: المرجع نفسه، ص 183-184.

[22] Camila Adang, Muslim writers on Judaism and the Hebrew Bible: from Ibn Rabban to Ibn Hazm (New York: E.J. Brill, 1996), pp. 249-253.

[23] Norman A. Stillman, “Anti-Judaism and Antisemitism in the Arab and Islamic World Prior to 1948,” in: Albert S. Lindemann & Richard S. Levy (eds.), Antisemitism: A History (Oxford: Oxford University Press, 2010), pp. 215-216.

[24] Mark Cohen, “Introduction,” in: Bernard Lewis, The Jews of Islam, with a new introduction by Mark R. Cohen (Princeton; Oxford: Princeton University Press, 2014), pp. xv- xvi.

[25] Lewis, The Jews of Islam, p. 56.

[26] Ibid., p. 8.

[27] Ibid., pp. 15-16.

[28] Moore, p. 150.

[29] Lewis, The Jews of Islam, p. 53.

[30] Steven Beller, Antisemitism: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 119.

[31] Lewis, The Jews of Islam, p. 67.

[32] Ibid., pp. 51-52.

[33] Bernard Lewis, Semites & Anti-Semites: An Inquiry into Conflict and Prejudice (New York and London: W. W. Norton & Company, 1986), p. 66.

[34] إيلان هاليفي، رهاب الإسلام ورهاب اليهودية: الصورة في المرآة، ترجمة سناء الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 102.

[35] Lewis, Smites & Anti-Semites, pp. 59-67.

[36] Muller, pp. 78-79.

[37] Lewis, Semites & Anti-Semites, pp. 72-74.

[38] Ibid., p. 80.

[39] Muller, pp. 31-32; Voltaire, Philosophical Dictionary, Theodore Besterman (ed. & trans.) (London: Penguin, 1972), p. 144; John Greville A. Pocock, Barbarism and Religion, vol. 2: Narratives of Civil Government (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), p. 135.

[40] Jacob Katz, From Prejudice to Destruction: Anti-Semitism 1700-1933 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980), pp. 43-44.

[41] Benedict de Spinoza, Theological- Political Treatise, Jonathan Israel (ed.), Michael Silverthorne & Jonathan Israel (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 223.

[42] Maurice Olender, The Languages of Paradise: Race, Religion, and Philology in the Nineteenth Century, Arthur Goldhammer (trans.) (Cambridge: Harvard University Press, 2008(, p. 78.

[43] Katz, From Prejudice to Destruction, p. 57.

[44] Ibid., p. 52.

[45] Lewis, Semites & Anti-Semites, p. 139.

[46] Friedrich Nietzsche, Human, All Too Human: A Book of Free Spirits,Part 1, Helen Zimmern (trans.) (Edinburgh; London: Morrison & Gibb Limited, 1909), para. 475, pp. 346-348. https://acr.ps/1L9BPDv

وبالألمانية:

Menschliches, Allzumenschliches: Ein Buch Fuer Freie Geister, para. 475, at: https://acr.ps/1L9BPFu

[47] Katz, From Prejudice to Destruction, p. 9.

[48] Ibid., pp. 245-259.

[49] Arendt, pp. 42-43.

[50] Richard H. Popkin, “The Philosophical Bases of Racism,” in: Richard H. Popkin, The High Road to Pyrrhonism, Richard A. Watson & James E. Force (eds.) (Indianapolis: Hackett Publishing Company, 1993), pp. 79-80.

[51] Richard H. Popkin, Isaac La Peyrère (1596-1676): His Life, Work, and Influence, Brill’s Studies in Intellectual History, vol. 1 (Leiden; New York: Brill, 1987), p. 41.

[52] Henry Raup Wagner & Helen Rand Parish, The Life and Writings of Bartolome de las Casas (Albuquerque: University of New Mexico Press, 1967).

[53] Angel Losada, “The Controversy between Sepulveda and Las Casas in the Junta of Valladolid,” in: Juan Friede & Benjamin Keen (eds.), Bartolomé de las Casas in History: Toward an Understanding of the Man and his Work (DeKalb, IL: Northern Illinois University Press, 1971), pp. 279–309.

للتوسع في الموضوع، يُنظر كتاب الناقد والمفكر البلغاري - الفرنسي تسفيتان تودروف:

Tzvetan Todorov, The Conquest of America and the Question of the Other, Richard Howard (trans.) (New York: Harper & Row, 1984).

[54] Katz, From Prejudice to Destruction, pp. 13-22.

[55] Lewis, Semites & Anti-Semites, pp. 105-107.

[56] استندت الفقرات التالية في مسألة علمنة العنصرية على كتاب الدين والعلمانية بتصرف. يُنظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 2: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 478-489.

يُنصح أيضًا بمراجعة كتاب:

Francisco Bethencourt, Racisms: from the Crusades to the Twentieth Century (Princeton: Princeton University Press, 2013), pp. 247-289.

[57] Henry Steele Commager & Elmo Giordanetti, Was America a Mistake? An Eighteenth-Century Controversy (New York: Harper & Row, 1967), p. 90.

[58] Charles de Secondat Montesquieu, The Spirit of the Laws, Anne M. Cohler, Basia C. Miller & Harold Stone (eds.), Cambridge Texts in the History of Political Thought (New York: Cambridge University Press, 2011), book 17, pp. 278, 283.

[59] Muller, pp. 19-20.

[60] عبد الرحمن بن خلدون، مقدمةابن خلدون، ضبط خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، ج 1 (بيروت: دار الفكر، 2010)، ص 103-114.

[61] المرجع نفسه، ص 743-744.

[62] Carl Linnaeus, A General System of Nature (Leiden: Theodor Haak, 1735), accessed on 24/11/2024, at: https://acr.ps/1L9BPxz

[63] Popkin, “The Philosophical Bases of Racism,” pp. 95-97.

[64] Olender, p. 7.

[65] Dorothy Matilda Figueira, Aryans, Jews, Brahmins: Theorizing Authority Through Myths of Identity (Albany: State University of New York Press, 2002), p. 45.

[66] زند، ص 96.

[67] Olender, p. 19.

[68] Ibid., pp. 54-57.

[69] Ibid., pp. 129-133.

[70] Lewis, Semites & Anti-Semites, p. 102; Norman Cohn, Warrant for Genocide: The Myth of the Jewish World Conspiracy and the Protocols of the Elders of Zion (London: Eyre & Spottiswoode, 1967), pp. 27-28.

[71] Laqueur, p. 29.

[72] هاليفي، ص 101.

[73] المرجع نفسه، ص 103.

[74] أبراهام ملتسر، صنع معاداة السامية، أو تحريم نقد إسرائيل، ترجمة سميّة خضر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 40.

[75] “Der Berliner Antisemitismusstreit,” Lebenfiges Museum Online (Lemo), at: https://acr.ps/1L9BOUo

[76] المرجع نفسه.

[77] فرانز ليوبولد نويمان، البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارساتها، 1933 – 1944، ترجمة حسني زينة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 158.

[78] Alan Davies, Infected Christianity: A Study of Modern Racism (Montreal: McGill-Queen's University Press, 1988), pp. 61-63.

[79] نويمان، ص 158–159.

[80] Cohn, p. 12.

[81] Doris L. Bergen, “Antisemitism in the Nazi Era,” in: Albert S. Lindemann & Richard S. Levy (eds.), p. 198.

[82] Ibid., p. 202.

[83] Ibid., pp. 206-207.

[84] Lewis, Semites & Anti-Semites, pp. 98-99.

[85] زند، ص 126-135.

[86] Arendt, pp. 89-90.

[87] Muller, p. 35; Stefi Jersch-Wenzel, “Legal Status and Emancipation,” in: Michael Meyer (ed.), German-Jewish History in Modern Times, vol. 2: Emancipation and Acculturation, 1780-1871 (New York: Columbia University Press, 1997), p. 31.

[88] يفضل استخدام الأناركية وليس الفوضوية في ترجمة Anarchism، لأن مفردة الفوضوية تحمل دلالات أخرى باللغة العربية تشوّش معنى المصطلح.

[89] Laqueur, pp. 27-29.

[90] زند، ص 84–86.

[91] Karl Marx, Marx and Engels in Manchester [London, 30 July 1862], in: Marx Engels Werke (MEW), vol. 30 (Berlin: Dietz Verlag, 1990), p. 25.

[92] Karl Marx, Zur Judenfrage, in: Marx Engels Werke(MEW), vol. 1 (Berlin: Dietz Verlag, 1988), pp. 360-361.

نشرت عدة ترجمات بالعربية للمقال بعنوان "المسألة اليهودية". أنظر مثلا:

https://acr.ps/1L9BPiB

[93] Ibid., p. 377.

[94] Arendt, p. 34.

[95] Friedrich Engels, Über den Antisemitismus (Aus einem Brief nach Wien), in: MEW, vol. 22 (Berlin: Dietz Verlag, 1977), pp. 49-50.

[96] Ibid., p. 50.

[97] Friedrich Engels, Die Bauernfrage in Frankreich und Deutschland, in: MEW, vol. 22, p. 501.

[98] نويمان، ص 157.

[99] المرجع نفسه، ص 168.

[100] يمكن اعتبار انقسام اليسار الأوروبي بشأن قضية درايفوس مثالًا على ذلك. يُنظر: جاك أتالي، كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة، ترجمة محمد صبح (دمشق: دار كنعان، 2017)، ص 320.

[101] Lewis, The Jews of Islam, pp. 129-135.

[102] Ibid., pp. 140-141.

[103] Ibid., pp. 156-159.

[104] Stillman, “Anti-Judaism and Antisemitism,” p. 217.

[105] Ibid., p. 219.

[106] Ibid.

[107] يُنظر مثلًا الجزء الأول من مذكرات المؤرخ اليهودي العراقي البريطاني آفي شلايم:

 Avi Shlaim, Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew (London: OneWorld, 2023).

يُنظر أيضًا:

Sylvia G. Haim, “Aspects of Jewish Life in Baghdad under the Monarchy,” Middle Eastern Studies, vol. 12, no. 2 (May 1976), pp. 188-208.

[108] جلبير الأشقر، العرب والمحرقة النازية: حرب المرويات العربية - الإسرائيلية، ترجمة بشير السباعي (لندن: دار الساقي، 2010)، ص 318-319.

[109] Lewis, The Jews of Islam, pp. 190-191.

[110] ينصح بمراجعة الدراسة الأشمل حول هذا الموضوع، وهي دراسة جلبير الأشقر المذكورة سابقًا. الأشقر، ص 109-168.

[111] المرجع نفسه، ص 127-130.

[112] Louis D. Brandeis, The Jewish Problem: How to Solve It, Zionist Essays, no. 1 (New York: The Zionist Essays Publication Committee, 1915), p. 3, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPA3

[113] Wistrich, p. 17.

[114] ملتسر، ص 54–55.

[115] المرجع نفسه، ص 188.

[116] Theodor Herzl, The Complete Diaries of Theodor Herzl, Raphael Patai (ed.), Harry Zohn (trans.), vol. 1 (New York/ London: Herzl Press and Thomas Yoseloff, 1960), p. 196.

[117] Theodor Herzl, A Jewish State: An Attempt at a Modern Solution of the Jewish Question, 3rd ed. (New York: Federation of American Zionists, 1917), p. 2.

[118] Herzl, A Jewish State, p. 8.

[119] Ibid., p. 9.

[120] Zionist Congress Basel, Stenographisches Protokoll der Verhandlungen Des II. Zionisten-Congresses, vom 28, bis 31 August 1898 (Wien: Buchdruckerei "Industrie" — Verlag des Vereines "Erez Israel", 1898), pp. 77-91, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPP7

[121] Ibid.

[122] Max Simon Nordau, Max Nordau's Zionistische Schriften (Köln: Köln und Leipzig; Jüdischer Verlag, 1909), pp. 379-388, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPwe

نُشرت بالعبرية باعتبارها مقالة واحدة ضمن مجموعة مقالاته السياسية (المجلد الأول، تل أبيب، 1954، 169-178).

[123] Max Nordau, “Le Sionisme et l'antisemitisme,” Le Siècle, vol. 64, no. 23.122 (9/7/1899), p. 1.

وهي مقالة يرد فيها على مقالة رئيس تحرير الصحيفة Le Siècle، إيف غويو، الذي شغل سابقًا منصب وزير الأشغال العامة (منذ عام 1889)، وتحمل مقالته العنوان نفسه:

Yves Guyot, “Le Sionisme et l'antisemitisme,” Le Siècle, vol. 64, no. 23.117 (4/7/1899), p. 1.

[124] Muller, pp. 197-198; Dov Ber Borochov, “The National Question and Class Struggle,” [1905], in: Dov Ber Borochov, Class Struggle and the Jewish Nation: Selected Essays in Marxist Zionism, Mitchell Cohen (ed.) (New Brunswick, N.J.: Transaction Books, 1984), p. 57.

[125] "الملحق الرابع: تعريف عملي لمعاداة السامية اعتمده التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست"، في: منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التصدّي لمعاداة السامية عن طريق التعليم: مبادئ توجيهية لواضعي السياسات (باريس: منظمة اليونسكو؛ وارسو: منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، 2019)، ص 99-100، شوهد في 12/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BPoV

ويُنظر الأصل بالإنكليزية:

“ANNEX 4: Working Definition of Antisemitism adopted by the International Holocaust Remembrance Alliance (IHRA),” in: The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO) and The Organization for Security and Co-operation in Europe (OSCE), Addressing Anti-Semitism through Education: Guidelines for Policymakers (Paris: UNESCO; Warsaw: OSCE, 2018), pp. 85-86, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPpY

[126] “Defining Antisemitism,” U.S. Department of State, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPKz

[127] Richard Lough, “France's Macron says anti-Zionism is a form of anti-Semitism,” Reuters, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BOXi

يُنظر: عزمي بشارة، "أصحيح أن معاداة الصهيونية هي أحد الأشكال الحديثة لمعاداة السامية؟ معاداة الصهيونية باعتبارها ظاهرة يهودية"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 28/2/2019، شوهد في 12/8/2024، في: https://acr.ps/1L9BP5P

[128] صدر الإعلان في آذار/ مارس 2021، بتوقيع 200 باحث مختص:

“The Jerusalem Declaration on Antisemitism,” JDA, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPEs

[129] Lewis, Semites & Anti-Semites, pp. 20-21.

[130] European Monitoring Centre on Racism and Xenophobia, “Manifestations of Antisemitism in the EU 2002-2003,” accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPuv

[131] Matti Bunzl, Anti-Semitism and Islamophobia: Hatreds Old and New in Europe (Chicago: Prickly Paradigm Press, 2007), pp. 6-7.

[132] Ibid., p. 8.

[133] Ibid., p. 18-21.

[134] Beller, pp. 120-121.

[135] “We’re protecting you: Full text of Netanyahu’s address to Congress,” Times of Israel, 25/7/2024, accessed on 12/8/2024, at: https://acr.ps/1L9BPOh







المحتويات

الهوامش